حبر على ورق

رباب كمال       دين           

شاءت الأقدار أن أمضي سنوات نشأتي في مقاطعة “كانتربري” بجنوب إنجلترا، وكانت مدرستي المتواضعة تضم أصحاب ديانات مختلفة، كأننا في مجمع أديان عالمي، وربطتني علاقة صداقة قوية بمعلمتي السيدة” silverwood “، والتي كلما راودتني ذكراها، تذكرت بيت “كاد المعلم أن يكون رسولا ” من قصيدة قم للمعلم.

سألتها ذات يوم، من الله؟ هل هو رب اليهود أم المسيحيين أم المسلمين أم الهندوس أم البوذيين.. إلخ فأجابتني بلا تردد الله هو رب الإنسانية، نحن نعبد إلهًا واحدًا ولكننا ننظر إليه بشكل مختلف، الله يحبنا كلنا ولا يريدنا أن نتنازع من أجله، فالطريق إلى الله يبدأ بالسلام مع الآخرين.

بالمصادفة البحتة اكتشفت بعد سنوات أن السيدة silverwood لادينية!

هل كانت منافقة كاذبة مدعية كارهة للأديان تلعب بالبيضة والحجر؟ أم كانت مجرد معلمة أدركت أن فرضها لرؤيتها العقائدية على تلميذة بالمدرسة شيء لا أخلاقي؟ هل كانت فيلسوفة زمانها؟ أم كانت مجرد معلمة أرادت أن تبث الطمأنينة في نفسي الحائرة؟

مرت السنوات وعدت لأرض الوطن، وفي ذات يوم رددت ما قالته لي السيدة Silverwood أمام إحدى المعيدات بالجامعة، فنهرتني قائلةً: استغفري الله، إن الدين عند الله الإسلام، وأشارت إليّ “بالتفاحة الفاسدة ” التي قد تفسد عقول الزملاء، فهذه خطة الغرب الحاقد!!

طالما استرجعت هذه القصة وما شكلته بالنسبة لي من انفصام فكري، حتى وجدت السكينة بل والطريق إلى الله في قبول الآخر، والإقرار بحرية العقيدة للآخرين كحق من حقوق الإنسان، دون قيد ولا شرط ليجمعنا وطن واحد ولا تفرقنا الأديان.

لكن هذه قصتي أنا، ولربما لا يهتم بها أحد، وإنما قد يهتم البعض بخطاب الرئيس في ليلة القدر، ُمحدّثًا شيوخ الأزهر عن حرية العقيدة، ولنكن ُمنصفين، خطاب الرئيس في هذه الجزئية الشائكة تحديدًا خطابًا يحلق خارج السرب. فلطالما أكد الرؤساء المصريون من قبله على سماحة الدين في كلمتين ورد غطاهم وكفاهم الله شر القتال، وكفاهم الله شر استفزاز رجال الدين المؤسسي.

مهمتي ليست بالتأكيد تحليل الخطاب الذي تباينت ردود الأفعال عليه بين تصنيفه خطابا إلحاديًا أم مستنيرًا أم مناوئًا.

لكن ما يشغل بالي هو مفارقات الخطاب، فالدولة، متمثلة في الرئيس تحاول أن تقنع الدولة، متمثلة في المؤسسة الحكومية الدينية، بما لا تريد الدولة أن تصلحه فعلا متمثلة في تشريعاتها المقيدة لحرية الاعتقاد من حسبة وازدراء أديان و ما شابه.

فليدرك الرئيس أن حظه طيبًا للغاية، مفتي الجمهورية السابق مثلا لن يعلق باكيًا على خطابه في التليفزيون قائلا: ” كفاية بقى قلة أدب”، كما فعلها مع من تحدثوا عن تأسيس حزب يدعم الحريات العقائدية.

ولن يعترض الأزهر علانية على كلام الرئيس مستشهدًا بحديث “من بدل دينه فاقتلوه”، كما فعل حين اعترض الأزهر على ورود عبارة “من بدل دينه فاحترموه” في كتاب التربية الوطنية للصف الثالث الثانوي قبل عامين، على خلفية أن العبارة حرّفت الحديث الشريف.

كما أن الرئيس لن يمثل أمام القضاء بتهمة ازدراء الأديان بعد أن أنكر المعلوم من الدين باستنكاره أن يعذب الله من لم يؤمنوا في الآخرة، قائلا: ” دي حاجة صعبة أوي! ألا يدرك الرئيس أنه تم الزج بالكثير إلى السجون بتهمة ازدراء الأديان لأسباب أقل مما قالها هو في خطابه؟ 

فليدرك الرئيس أن حظه طيب، لأنه الرئيس!

وهنا تُطرح العديد من التساؤلات نفسها، هل تقاس حرية العقيدة في الأوطان بخطابات الرؤساء أم بالتشريعات التي تكفلها وتحميها؟

ألا تتعارض قوانين ازدراء الأديان والحسبة التي تفتش في عقائد المواطنين وتلقي بهم إلى السجن مع المادة رقم 64 من الدستور، والتي تكفل حرية العقيدة المطلقة؟

هل يحق لغير المنتمي للديانات الإبراهيمية إقامة دور العبادة كما كان يفعل البهائيون في مصر قبل أن ُتغلق معابدهم عام 1960؟

هل يستطيع المتحول من الإسلام وليس إلى الإسلام تغيير بيانات بطاقته الشخصية بكل سهولة بما فيها خانة الديانة حسب القانون رقم 143 لسنة 1994 بشأن الأحوال المدنية؟

هل مهمة الدولة التفتيش في ضمائر المواطنين أم تأمين حد أدنى من الحياة الآدمية متمثلة في الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها بغض النظر عن معتقداتهم؟

هل تنتظر الدولة الإصلاح الديني الذي سيطول أجله ولن يتحقق بين ليلة وضحاها من أجل إحداث الإصلاحات التشريعية اللازمة لضمان حرية العقيدة؟ أم ستكتفي بتلاوة آية ” لا إكراه في الدين” في خطاباتها الرسمية؟

سُيدخلك المناهضون لحرية العقيدة أو المتخوفون منها في المنطقة الشائكة ليحذروك بأن المجتمع المحافظ لن يقبل الأمر مما سيكبل أيدي الدولة؟ وسنرد عليهم بتساؤل آخر، هل ننتظر تغيير ثقافة أغلبية المجتمع قبل إحداث تلك الإصلاحات التشريعية ؟ أم قد تساعد التعديلات التشريعية رويدا رويدا في تغيير واقع وأعراف المجتمع؟

على سبيل المثال لا الحصر، الإسلام لم يلغ الرق تماما كما يعتقد البعض، لكنه اكتفى بتقنين وتحسين شروطه، وكان قائما في مصر حتى ألغاه الخديوي اسماعيل عام 1877 ووقعت مصر على اتفاقية حظر الرق عام 1926؟ ألم يغير هذا التشريع واقع المجتمع؟

رفض الأزهر تصويت وترشح المرأة في الانتخابات بحكم فتوى مفتي الديار المصرية الشيخ حسنين مخلوف، والتي استندت لرأي الفقهاء والأئمة، رغمًا عن ذلك ُمنحت المرأة المصرية حق التصويت والترشح في الانتخابات عام 1956، حتى وإن لم يأت بالنتيجة المرجوة من تمثيلها برلمانيًا، ألم يغير هذا التشريع واقع المجتمع؟ بل وكانت المرأة ذات كتلة تصويتية رجحت كثيرا من الأمور في الاستفتاءات والانتخابات العامة، فضلا عن ذلك غيّر هذا التشريع في نظرة الأزهر ذاته تجاه مشاركة المرأة في الحياة السياسية!!

وانطلاقا من هذه النقطة، فإن التعديلات التشريعية قادرة على المساعدة في إحداث تغيرات مجتمعية وثقافية شيئًا فشيئًا إلى جانب الإصلاح الديني والحراك الفكري التنويري، ويمكنها أن تدعم الحريات الأساسية مثل ” حرية العقيدة” التي لا يجب أن يتم الاستفتاء عليها، وعلى الدولة أن تضمنها، لتخرج بها من إطار “الحبر على الورق ” إلى واقع حقيقي، والا سيظل الرئيس يتحدث عن حرية العقيدة في كل خطاباته دون جدوى!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية and tagged , , , . Bookmark the permalink.