!ج 3 / الإنسان الأوّل

قراءة في كتاب سحر الواقع The Magic of Reality رعد الحافظ

عالم البايولوجي البريطاني / د. ريتشارد داوكنز!

رعد الحافظ 

مقدمة:

وجدنا في الجزء السابق،أنّ (المُعجزات) حسب المفهوم الديني لا وجود لها على أرض الواقع خلال التأريخ البشري سوى في الروايات.

إنّما (سحر الواقع) الناتج عن عمل الطبيعة ذاتها (كالتطوّر والإنتقاء الطبيعي للأحياء)،كذلك الناتج عن العِلم والبحث العلمي وعمل الإنسان في جميع المجالات الحضارية،هو أقرب لهذا الوصف!

يقول مؤلف هذا الكتاب العِلمي النافع،أنّ مُعظم الفصول معنونة بسؤال مُحدّد.هدفي من ذلك تقديم أفضل إجابة علمية واضحة!

لكنّي (يقول) عادةً ما أبدأ ببعض الإجابات الإسطورية،كونها مُفعَمة بالحيويّة ومُثيرة للإهتمام،ويؤمن بها ملايين البشر!

جميع شعوب العالم لهم أساطيرهم التي تُفسّر من أين جاؤوا!

وأكثر الأساطير ذات الأصول القَبليّة تتحدّث عن قبيلة بعينها،فتعتبرها هي التي تسير على النهج والحقّ المُبين لتهدي باقي البشرية.

بالطبع باقي القبائل (المُنافِسة)،لاتعترف بذلك ولا تقيم لهُ وزناً!

وبنفس الطريقة لدى الكثير من القبائل قناعة أنّه لا ينبغي لهم قتل الناس.

إنّما يتبيّن لاحقاً أنّ تعبير (الناس) مقصود به قبيلتك فقط.إذ أنّ قتل أفراد من قبائل أخرى هو عمل رائع!

***

ص 31 / الفصل الثاني:مَنْ كان الإنسان الأوّل ؟

هناك إسطورة نمطيّة عن أناس بدائيين من تسمانيا(جنوب شرق إستراليا)

حيث لقي هناك إله إسمه مويني Moinee  الهزيمة على يدِ إلهٍ مُنافس إسمه درومردينر Dromerdeener في معركة رهيبة جرت عالياً في النجوم.هرب مويني من النجوم لينزل الى تسمانيا ويموت هناك!

قبلَ موته أراد أن يمنح بركاته لموضع رقدته الأخيرة،لذلك قرّرَ أن يخلق البشر!

لكنّه كان مُتعجلاً بسبب معرفته بأنّه يموت.حتى أنّه نسي أن يعطي رُكبة لكل إنسان (ربّما كان مُشتت الذهن بسبب ورطته)!

وجعلَ للناس (وهو غائب العقل) ذيولاً هائلة مثل الكنغر،مايعني أنّهم لن يستطيعوا الجلوس على الأرض.ثمّ ماتَ (مويني) وفارقَ الحياة!

كره الناس أن يكون لهم ذيول الكنغر،ونقص الرُكَب،فبكوا السماء طلباً للمساعدة!

بيد أن (درومردينر) الإله الجبّار،الذي كان لايزال في نشوةِ النصر سَمعَ بكائهم فهبط الى تسمانيا لينظر في أمرهم!

أخذته الشفقة بالناس،ومنحهم رُكباً قابلة للثني،وقَطعَ ما لديهم من ذيول الكنغر (المُعيقة) ليتمكنوا جميعاً من الجلوس في النهاية.فعاشوا في سعادة من بعدها!

***

ص 34 / نُسخ لها نفس المعنى!

دائماً ما نلتقي بنسخ مختلفة من الإسطورة ذاتها تقريباً!

هذا متوّقع وليس مثيراً للدهشة أبداً،لأنّ الناس عادةً يبدّلون في بعض التفاصيل وهم جالسين يروون حكاياتهم حول النار أمام الخيام.لذلك تنحرف النسخ المحليّة للقصص قليلاً!

على كلٍ في رواية تختلف قليلاً عن هذه الإسطورة (التسمانيّة)،خلق الإله (مويني) الإنسان الأوّل المُسمّى (بارليفار) عالياً في السماء هذه المرّة.

أمّا باقي القصة فمتشابه،حيث مات الإله (مويني) وجاء الإله المنتصر (درومردينر) ليمنح الإنسان رُكَباً ويقطع ذيله الكنغري.

ثم يهبط ذلك الإنسان (بارليفار) من السماء الى الأرض،سائراً على طول طريق السماء (درب التبّانة)!

***

ص 35 / إله اليهود!

لدى قبائل اليهود في الشرق الأوسط إله واحد يعتبرونه الأعلى بين آلهة القبائل المُتنافسة.له أسماءَ عديدة إنّما غير مسموح النطقِ بأيٍّ منها!

لقد صنعَ الرجل الأوّل من التراب وأسماهُ (آدم)،يعني الرجل!

وجعلَ آدمَ على مثاله حرفيّاً.ثم أسكنهُ (وحيداً) في (جنّةِ عدن)،تملؤها الأشجار التي تُشجّع آدم على الأكلِ منها،ماعدا شجرة واحدة كانت مُحرّمة عليه.هي شجرة (معرفة الله والشيطان / أو الخير والشّر)!

ثمّ أراد الله أن يصنع لآدم شيئاً يستأنس به ويعيش معه!

وهنا توجد نسختين للقصة،كلاهما موجود في (سِفر التكوين)!

في النسخة الأكثر حيوية جعل الله جميع الحيوانات مُسخرة لآدم.ثمّ صنع له من ضلعهِ (بعد تخديرهِ) إمرأة أسماها حوّاء،قدّمها زوجةً له!

لسوء الحظّ كان هناك ثعبان شرير في الحديقة إقترب من حواء ليغويها،فتغوي بدورها آدمَ،ليأكلا من الثمرة المُحرّمة ويتحصلا في نفس الوقت على المعرفة،وأوّلها أنّهما كانا عاريين!

أرتبكا بسبب ذلك،فصنعا لأنفسهم غطاءً لعوراتهم من أوراق التين.

عندما لاحظَ الإله ذلك،إنتابه الغضب منهم لتحصلّهم على المعرفة (وفقدانهم لبرائتهم كما أتصوّر) فطردهم من الحديقة،ووصمهم (وذريّتهم جميعاً) بالذنوب،ثمّ أطلقهم لحياة تتسم بالمشّقة والآلام!

حتى في أيامنا هذهِ فإنّ قصة عصيان (آدم و حوّاء) المرعبة تُؤخذ بجديّة من كثير من الناس تحت مُسمى (الخطيئة الأصليّة أو الأولى) معتقدين أنّنا ورثنا الخطيئة عنهم!

***

ص 36 / آلهة إسكندنافيّة!

لدى الشعوب الإسكندنافيّة القديمة (المشهورة بأنّهم ملاّحو الفايكنغ) عدداً كبيراً من الآلهة،شأنهم في ذلك شأن اليونايين والرومان!

يُدعى إلههم الرئيس (أودين) Odin .بينما (ثور) Thor هو إله الرعد الذي يصنعه بمطرقته الجبّارة!

ذات يومٍ كان الإله (أودين) يتمشى مع إخوته على شاطيء البحر،فعثروا على جذعين من الأشجار،حوّلوا الأوّل الى رجل وأسموه آسك Ask والثاني الى إمرأة أسموها إمبلا Embla .

ثمّ بثّوا فيهم الحياة وأتبعوها بالوعي ثم الوجهين ثم نعمة الكلام!

أتعجّب لماذا جذوع الإشجار؟ لماذا لم تختار الآلهة كتلاً جليدية أو كثباناً رملية ؟ أليس ذلك مُثير للعجب ممن إختلق مثل تلك القصص ؟

من المفترض أنّ المُخترعين الأصليين لهذه القصص يُدركون أنّها خياليّة إختلقوها هم أنفسهم!

هل تعتقد أنّ عدداً كبيراً مُختلفاً من الناس إكتشفوا أجزاءً مختلفة من تلك القصص في أوقات وأماكن مختلفة.وأنّ أُناس آخرين أدمجوها (فيما بعد) معاً ؟ وربّما قاموا بتغيير بعضها دون التحقق من أنّ الأجزاء المختلفة كانت أصلاً مجرّد أمر مصنوع ؟

إنّها قصص مُمتعة،جميعنا يحّب تكرارها!

لكن عندما نستمع لقصة مُبهجة الألوان،سواءً كانت إسطورة قديمة أو (خرافة حديثة) تحوم حول الإنترنت،فإنّها أيضاً تستحق التوّقف لنسأل إن كانت حقيقة،أو إن كان أيّ جزء منها حقيقياً ؟

لذلك يتطلّب الأمر أن نطرح على انفسنا السؤال:مَنْ كان الإنسان الأول؟

كي نلقي نظرة على الإجابة الحقيقيّة العِلميّة!

***  تطور

ص 37 / مَنْ كان الإنسان الأوّل في الواقع ؟

قد يُدهشكَ الجواب،لكن لم يكن هناك ثمّةَ إنسان أوّل!

ذلك لأنّ كلّ إنسان يلزمه أبوان،لابدّ أن يكونوا من بني الإنسان أيضاً!

الأمر نفسه ينطبق على باقي الأحياء.لا يوجد أبداً  أرنب أوّل،تمساح أوّل،ولا يعسوب أوّل.كلّ كائن تمّت ولادته كان ينتمي الى نفسِ نوع أبويه (ربّما مع بعض الإستثناءات النادرة التي سأهملها هنا)!

بالتالي فإنّ ذلك يعني أنّ كلّ كائن مولود كان ينتمي الى نفس نوع أجداده

وأجداد أجداده الأقدم،وهكذا دواليك!

لكن الامر ليس بهذه البساطة ويحتاج قدراً من الشرح.لذا سابدأ بتجربة فكرية (في الخيال)،تجربة تعلمنا شيئاً مهماً جداً!

***

ص 38 /  تجربة فكريّة لـ 185 مليون صورة!

كلّ ما يتعيّن عليك عمله أن تتخيّل نفسك تتبع هذه التعليمات!

هات صورة لنفسك،ثمّ خذ صورة لأبيك وضعها قبلها،ثمّ خذ صورة لجدّك و ضعها قبلهم وهكذا (على إفتراض وجود صور لجميع الأجداد) حتى تصل الى الرقم (185 مليون) صورة متسلسلة لأسلافك!

بالطبع ليس من السهل تخيّل كومة من 185 مليون صورة.

فإذا كانت كلّ صورة مطبوعة على بطاقة تصوير عادية فإنّ 185 مليون صورة ستكوّن بُرجاً إرتفاعه 220 ألف قدم!

هذا يزيد عن إرتفاع 180 ناطحة سحاب في نيويورك لو وضعناها عمودياً فوق بعضها.أو نحو 40 ميل لو رصفناها اُفقياً على رفٍ للكتب!

في الطرف القريب للرّف توجد صورتكَ،وفي الطرف البعيد توجد الصورة رقم 185 مليون لجدّك الأكبر / يا ترى على أيّ شكل كان ؟

هل صورته تمثل رجل مُسّن بشعر خفيف ؟أم رجل من سُكان الكهوف بجلدِ فَهَد ؟

***

ص 39 / سمكة!

لتنسَ أيّ تفكير بشكلِ جدّكَ الأوّل.فنحنُ لا نعرف (بالتحديد) أيّ شبه كان عليه.لكن الحفريّات تعطينا فكرة جيّدة بل رائعة!

وسواءً كنت ستصدق ذلك أم لا،فإنّ جدّك الأكبر رقم 185 مليون كان سمكة!

كذلك كانت جدّتكَ الكبرى رقم 185 مليون.ذلك ماحدث تماماً،وإلاّ لم يكن بمقدورهما أن يتناسلا معاً،ولم تكن أنت قد جئت الى هنا!

في الخطوة التالية لتجربتنا الفكرية سنتمشى بمحاذاة (رفّ الصور) البالغ طوله 40 ميل.

كلّ صورة ننظر إليها سنجدها تشبه كثيراً الصورة التي قبلها والتي بعدها بمعنى أنّنا لن نلاحظ أيّ تغيير يُذكر بين صورتين متجاورتين!

مع ذلك لو نظرت الى الصورة الاولى،ثمّ قفزتَ مباشرةً الى الأخيرة فسوف تشاهد في الأولى إنسان،وفي الأخيرة سمكة!

وفيما بين الصورتين (الأولى والأخيرة) سنشاهد جدودنا الكبار المُثيرين للإهتمام،يشتملون على بعض الحيوانات التي تشبه النسانيس،وأخرى تشبه القِرَدة,وأخرى تشبه الزبّاب(هذا حيوان ثديي يشبه الفأر),وهكذا!

اُكرّر الفكرة:كلّ صورتين متقاربتين ستتشابهان كثيراً وكل صورتين متباعدتين (بما يكفي) ستختلفان كثيراً!

في الواقع هذا ليس أمراً عصيّاً على الفهم،فلقد إعتدنا على التغيرات المُتدرّجة (يعني خطوة صغيرة،فخطوة صغيرة أخرى) حتى يحدث تغيير كبير!

وهذا ينطبق على كلّ واحد منّا شخصيّاً،فأنتَ عند ولادتك كنتَ طفلاً صغيراً،والآن لستَ كذلك.وعندما يتقدّم بك العمر الى سنّ الشيخوخة سيتغيّر شكلكَ نوعاً ما ثانيةً.

لكن لا يوجد يوم مُعيّن صحوتَ فيه ونظرتَ للمرآة وقلت:

بالأمس كان الذي أقف أمامه متوّسط العمر واليوم صار رجل مُسّن!

***

ص 40 / العودة الى الوراء عبر الأجيال!

لو عدنا (إنطلاقاً من جيلنا) الى الوراء ألف عام أو حتى عشرة آلاف عام فربّما لن نُلاحظ تغيير يُذكر على جدّنا الذي سيحمل رقم 400 تقريباً!

في الواقع قد تُلاحظ تغيّراً طفيفاً على طول المسار (لأنّهُ لا يوجد إبن يشبه أباه تماماً)،لكنّك لن تلاحظ أيّ فروق مُميّزة بشكلٍ عام!

لكن ماذا لو عدنا (100ألف عام) للوراء,لنشاهد الجدّ رقم 4000 ؟

حسناً الآن سنلاحظ إختلاف ملحوظ،ربّما زيادة بسيطة في سُمك الجمجمة،خاصةً أسفل الحاجبين!

***

ص 41 / مزيد من العودة الى الوراء!

الآن لننطلق أسرع في الزمن الى الوراء.فإذا مررت بالمليون سنة الأولى ستجد صورة جدّك الذي ربّما يحمل التسلسل 50000  قد إختلفت بما يكفي لتؤول الى نوع مختلف.ذلك النوع هو الذي نطلق عليه إسم الإنسان المُنتَصِب Homo erectus .بينما في أيامنا هذه كما تعلم نحنُ نسمى الإنسان العاقل Homo Sapiens!

هذان النوعان قد لايرغبان في التناسل معاً،(ولو حدث ذلك) ربّما لايكون لوليدهما قدرة الحصول على أطفال من صلبهِ،تماماً مثل البغل،الذي يُنجبهُ أبٌ حمار  و أمٌ فرس.فهذا لن يكون قادر على إنجاب ذريّة وسنرى سبب ذلك في الفصل التالي!

مرّة أخرى أقول كلّ شيء يتّم بالتدريج البطيء فأنتَ من (الهوموساپينس)،بينما جدّك رقم 50 ألف كان (هومو إريكتس)،لكن لم يحدث البتّه أنْ أنجبَ الثاني مولوداً من النوع الأوّل بشكلٍ مفاجيء!

لذلك يبقى السؤال عمّن هو الإنسان الأوّل ومتى عاش،بلا إجابة دقيقة!

إنّهُ يشبه السؤال:متى توّقفت عن كونك طفلاً وأصبحتَ صبيّاً ؟

والآن هل نُسمي (الهومو إيريكتس) الذي إنحدرنا منه فرد أم إنسان ؟

في الواقع هذا شيء مختلف يعتمد على معنى الكلمات التي تستخدمها.

فالبعض مثلاً يُسمّي (الزيبرا) حمار مُخطط أو حصان مُخطط!

وأنتَ قد تُفضّل الحفاظ على كلمات (شخص) (رجل) (إمرأة) للهومو ساپينس،هذا أمر متروك لك!

لكن لا أحد يريد أن يطلق على جدك الأكبر رقم 185 مليون (الشبيه بالسمكة) لقب رجل،إلاّ كنوع من السخافة.حتى رغم وجود سلسلة متصلة تربط بينك وبين جدّك الأكبر ورغم أنّ كل وصلة في هذه السلسلة هي بالضرورة عضو مماثل تماماً للنوع المُجاور في تلك السلسلة!

(إنتهى الجزء الثالث من تلخيص هذا الكتاب العلمي الرائع)!

***

الخلاصة:

فهمنا في هذا الجزء من خلال التجربة الفكرية الإفتراضية التي إقترحها مؤلف الكتاب (د. ريتشارد داوكنز) مَنْ هو الإنسان الأوّل ومن أين جاء وهل تصّح تلك التسميّة أصلاً ؟

علمياً لا يوجد إنسان أوّل إسمه (آدم) مثلاً،وِلِد هكذا كما نحنُ اليوم!

لأنّه ببساطة كان سيحتاج الى أبوين،أليس كذلك ؟

كما فهمنا أنّ التطوّر والإنتقاء الطبيعي لا يحصل كما يُطبّل ويتسائل الأغبياء بقولهم:كيف ترضون بكون القردة هم أجدادنا ؟

لم يقُل عاقل بأنّ التطوّر حدث في يوم مُعيّن،ولد قردٌ إنساناً يشبهنا!

التطوّر بين الكائنات الحيّة حصل خلال ملايين ومليارات السنين بصورة بطيئة جداً،أبطيء حتى ممّا يمكن ملاحظته خلال بضعة أجيال!

وتجربة ال 185 مليون صورة (بالطبع غالبيتها إفتراضية) أوضحت ذلك بما لايقبل الجدل!

يصبح السؤال الآن: مَن يُثبت لنا الشبه التدريجي مع أجدادنا في تلك الصور الإفتراضية ؟والجواب سنجده في الجزء القادم من الحفريّات.

حيث تقوم الحفريّات بمقام سجل أرشيفي دقيق لتأريخ جميع الأحياء!

تحياتي لكم

رعد الحافظ

19 يوليو 2015

Print Friendly
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة, رعد الحافظ and tagged , , . Bookmark the permalink.