!!تنزيلات.. تنزيلات في البكالوريا

د. تارا إبراهيم– باريس تارا

قبل ايام تم اعلان نتائج البكالوريا في فرنسا كما هي العادة في شهر تموز من كل عام، ولكن الذي لم نعتدعليه ان تصل نسبة النجاح الى 90 بالمائة، الامر الذي لم يكن سارا بتاتا بل واثار الجدل في المجتمع الفرنسي، كون الامر كالتخفيضات التي تقع في هذا الشهر من كل سنة في المواد الاستهلاكية وسواها، ويبدو ان التنزيلات شملت البكالوريا ايضا هذا العام مما أثار الاستياء وعدم الرضى لدي عامة الشعب..

السبب يعود الى التقليل من قيمة هذه الشهادة التي لم تكن تحصل عليها إلا نخبة مميزة في المجتمع الفرنسي في الماضي، مما فتح ابواب التعليم العالي بدون (جواز مرور) امام الجميع، تشير الاحصائيات الى ان نسبة النجاح في البكالوريا تراوحت ما بين 26 بالمائة في عام 1980 الى 87 بالمائة عام 2014. ومع ذلك، فمن المرجح أن وزارة التعليم تلعب لعبة الاستغفال، وترحب بهذه النتائج العالية التي تعكس لديها نجاح المدرسة الجمهورية في مهمتها الأساس: دمقرطة المعرفة، لدفع المزيد من الطلاب للدراسة والوصول الى التعليم العالي.

فبعد فرح هؤلاء الطلاب واحتفالاتهم، تأتي مرحلة الخيبة والمرارة، حيث تشير الاحصائيات إلى أن 60 بالمائة من هؤلاء يفشلون في المرحلة الاولى من الدراسة الجامعية وخصوصا في مجالات الاختصاصات التقنية، وهذا يشير الى ان الحصول على شهادة البكالوريا هو عملية تنقصها الدقة وليس كما كان في السابق.

 تستغرب والدة أحد الطلاب وتقول ” لقد حصل ابني على 19 من 20 في اللغة الفرنسية وهذا غريب بعض الشيء، لاني لا اعتقد ان ابني لديه هذا المستوى، اتمنى ان يكون مصحح دفتره قد اخطأ في إحتساب الدرجات أوفي عملية التصحيح، فابني وأصدقاؤه فرحون جدا الان ويعتقدون ان هذا هو مستواهم وأنهم يستحقون هذه الدرجات العالية، اتمنى ان تقول لهم وزارة التعليم ان هذه الدرجات لاتعكس مستواهم الحقيقي.. ” 

اذن ما العمل مع نتائج هذه البكالوريا ذات السعر الرخيص؟ هل يجب اصلاحها أم حذفها؟ هنا وكأننا نعالج اعراض المرض دون معرفة حقيقة المرض، فهذه دلالة على فشل نظام التعليم في فرنسا. هذا الفشل الذي يبدأ من المرحلة الابتدائية التي يجب ان يركز فيها التعليم على الاساسيات وعلى معرفة التعلم نفسه. اما في الاعدادية فالفشل يكمن في تدريس البرامج نفسها للجميع دون استثناء بدلا من افتتاح برامج مختلفة تتناسب مع قابلية كل طالب، وخصوصا برامج تطبيقية محترفة وليس نظرية فقط. لذا على كل مؤسسة تعليمية ان يكون لها برنامج تعليمي تتفق عليه مع الاباء والامهات.

الجدير بالذكران التعليم مجاني في مؤسسات التعليم العالي في فرنسا عدا اجورالتسجيل في الجامعة التي تعتبر اجورا رمزية تدفع من قبل الطالب. هنالك مؤسسات جامعية سهل القبول فيها، وهناك مؤسسات يطلق عليه بالمدارس الكبيرة او gande école التي يصعب الحصول على قبول فيها كونها تعتمد على المنافسة القوية والعدد المحدد من المقاعد وهذه المدارس يعود زمنها الى عصور ما قبل الثورة الفرنسية التي تمنح تعليما تقنيا وعسكريا، ولكن اليوم تمنح هذه المدارس اختصاصات علمية ومهنية ذات رواج كبير والمتخرج فيها يضمن الحصول على العمل لاحقا.

وفي الوقت نفسه هنالك نظام آخر هو نظام المدارس التحضيرية للدراسات العليا التي هي مدارس ترهق الطلاب في الدراسة ولها نظام صارم جدا وهي تدرس جميع الاختصاصات، هذه المدارس تهيىء الطلاب للدخول الى ارقى جامعات فرنسا في حال نجاح الطالب فيها، وتبرم عقدا معه يضمن له التعيين بعد إنهاء الدراسة مباشرة. الامر جيد ولكن هذه المدارس يقبل فيها الطلاب الذين لديهم درجات عالية في البكالوريا، وحسب الاحصائيات، فالطلاب الذين يحصلون على هذه الدرجات هم ابناء الاساتذة والمدرسين والاشخاص الذين لديهم مهن ووظائف رفيعة المستوى في المجتمع، على عكس أبناء الطبقة العاملة التي تقدر الاحصائيات ان 5 بالمائة منهم يحصلون على البكالوريا، الامر الذى ادى الى انتقاد هذه المدارس بشدة كونها تقوم بالتمييز الاجتماعي والطبقي بين الطلاب.

 كما لاننسى أن ارقى اعداديات فرنسا توجد في العاصمة، وفي دوائر محددة منها، وبما ان القبول فيها يعتمد على المنطقة الجغرافية التي تتواجد فيها المدارس، لذا فالمدارس هذه لا يتردد عليها الا طلاب تلك المنطقة، مما يقلل احتمالية الدراسة فيها من قبل الاخرين، لذا ففي كل عام يتم كشف محاولات عدد من الاباء والامهات لتزويراماكن اقاماتهم من اجل ان يقبل اولادهم في هذه الاعداديات.      

 إن إجراء الاصلاحات في النظام التعليمي يجب ان يكون بارادة سياسية قبل كل شيء وان يتم منحها الاسبقية العليا، لان الاستمرار على هذا المنوال، قد يجعل التخفيضات تصل إلى أكثر من 90 بالمائة في العام المقبل.

This entry was posted in Education تربويات, تارا إبراهيم and tagged , . Bookmark the permalink.