كيف فكروا فى بلوتو وكيف فكرنا.. هذا هو الفرق

د. خالد منتصر   خالد منتصر

احتفى العالم، أمس، بفضائياته وصحافته ومدارسه ومواقع شبكاته العنكبوتية ومحركات بحثه الجوجلية بخبر نجاح مهمة المسبار «نيو هورايزون» فى الوصول لأقرب نقطة للكوكب القزم أو الجرم بلوتو..

خبر علمى معجزة كان حديث العالم إلا مصر والمنطقة العربية اللهم إلا فى مطبوعة صحفية وحيدة يتيمة، وهى مجلة ميكى، حيث يعتبر بلوتو من أهم أصدقائه!!

تناولت الصحف تفاصيل ممتعة يشيب لها شعر الولدان العرب الذين سقف معرفتهم العلمية قد توقف عند فوائد حبة البركة وتحنط عند بركات بول الإبل، أرقام الرحلة مبهرة، وهى نتاج بصمات التفكير العلمى على حياتنا، رحلة استغرقت أكثر من تسع سنوات، فقد بدأت فى 19 يناير 2006 بسرعة تزيد على 59 ألف كيلومتر فى الساعة، قاطعة مسافة 3 مليارات ميل بتكلفة 700 مليون دولار، يحمل «نيوهورايزون»- إلى جانب أجهزة الرصد والفحص العلمية الدقيقة- 30 جراما من رماد جثة العالم الفلكى كلايد تومبو، مكتشف بلوتو، فى لفتة رائعة تؤكد البعد الإنسانى للرحلة، إلى جانب بعدها العلمى، لن أتحدث عن الصور التى سيلتقطها المسبار الفضائى ومعلومات الغلاف الجوى حول بلوتو وقمره شارون ووصفه الجيولوجى، الذى تغير كثيراً عما كان فى خيالنا وأضيفت إليه معلومات مهمة… إلخ، لكننى سأتحدث عن قصتنا نحن العرب والمسلمين مع بلوتو وعلم الفلك حين تعاملنا مع القضية من زاوية الإعجاز العلمى، مقارنة بسيطة بين معجزتهم العلمية التى تحققت وإعجازنا العلمى أو بالأصح عجزنا العلمى الذى نخدع ونخدر به أنفسنا.

القصة بدأت حين صدمنا بخبر طرد بلوتو من دائرة كواكب المجموعة الشمسية، فوقعنا فى حيص بيص، حيث كنا قد أقنعنا أنفسنا أو أقنعنا زغلول النجار بأن عدد الكواكب به إعجاز علمى مذكور فى القرآن، وبالطبع من ضمن هذه الكواكب بلوتو، إذن ماذا نفعل فى هذا المطب والمقلب والفخ الذى أوقعنا فيه الشيخ زغلول؟!! القصة مهمة لكى نعرف ما المنهج العلمى فى التفكير؟ وما نسبية العلم؟ وما خطر ربط الدين المطلق بالعلم النسبى؟ وهو ما حذرنا منه كثيراً حتى بُحَّ صوتنا واتهمنا وقتها الدراويش بالكفر والزندقة، لمجرد أننا دافعنا عن الدين الإسلامى ضد من يريدونه تجارة وبيزنس من دعاة الإعجاز العلمى.

الحكاية بدأت من براغ فى أغسطس 2006، حيث عقد اجتماع الاتحاد العالمى للفلك وعلوم الفضاء، طرد فيه 2500 عالم، بقيادة الفلكى أوين جنجريتش، كوكب بلوتو من زمرة كواكب المجموعة الشمسية، بعد أن كان قد اكتشف فى مارس 1930 بناء على حسابات فلكية دقيقة، وبدون رؤية تلسكوبية مباشرة، وتم التعامل معه على أنه كوكب تاسع، وجاءت التلسكوبات الهائلة الدقيقة لتكشف لنا ما كان غامضاً وترصد ما هو أكبر من بلوتو، واستطاعت أن ترصد أيضاً موقع بلوتو ومكانته الضئيلة بين الكواكب، وحتى ما كان يعتبر قمراً تابعاً له مثل القمر «شارون» أصبح يتعامل معه على أنه جرم سماوى منفصل، والشروط الخمسة التى تحدد تعريف الكواكب الآن، والتى كانت سبباً رئيسياً فى نفى بلوتو من جنة الكواكب، هى، وبدون تفصيلات علمية معقدة:

1- أن تكون مستديرة بأقطار كبيرة تتجاوز قطر بلوتو البالغ 2306 كم.

2- تتمتع بحد أدنى من الجاذبية.

3- عاكسة لضوء الشمس ولا تشع ذاتياً.

4- لها مدارات ثابتة حول الشمس وليس حول أى جرم آخر.

5- مركز ثقل الكوكب وقمره واقع تحت قشرة الكوكب، وله حد أدنى من الكثافة مقارنة بكثافة كوكب الأرض.

وبتطبيق هذه الشروط الصارمة تم تجريد بلوتو من رتبته الكوكبية، فعلى سبيل المثال، وُجد أن جرماً سماوياً كان يعامَل على أنه «هايف»- وهو «زينا»- وجد العلماء أنه أكبر من بلوتو وتنطبق عليه الشروط، وكذلك بعض الأجرام السماوية الأخرى، مما يؤكد أنه بخروج بلوتو ستحل محله كواكب أخرى سيتوالى تصنيفها وتدوينها.

لم يكن د. زغلول النجار يتوقع مفاجأة اجتماع براغ وهو يكتب مقالاته الأسبوعية فى «الأهرام» حين قال عن الآية الكريمة فى سورة يوسف: «إنى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين» إنها حقيقة علمية لم يصل إليها العلم الحديث إلا فى عام 2003، وبالطبع افتعل د. زغلول ترقيماً مدهشاً كى يصل إلى العدد «حداشر» بالعافية، فقد قال إنه حتى عام 1781 كان العدد هو ستة كواكب وهى: عطارد والزهرة والأرض والمريخ والمشترى وزحل، ثم بعدها اكتُشف كوكب أورانوس، فأصبح العدد سبعة، ثم فى 1801 ومن أجل فبركة الرقم اكتُشف ما يسمى «حزام الكويكبات» ما بين المريخ والمشترى، وهو ناتج عن انفجار كوكب كان فى هذا المدار، إذن وصلنا إلى ثمانية، ثم فى 1846 تم اكتشاف نبتون التاسع، ثم بلوتو العاشر، ثم كوكب «سيدنا» الحادى عشر SEDNA فى 2003، هكذا كانت طريقة عدّ الكواكب المتعسفة المفتعلة التى طبقها د. زغلول لكى يتم بيزنس الإعجاز، ولكى يغلق زغلول الباب أمام اكتشاف الكوكب رقم 12 ويتم تستيف نظريته الإعجازية، فقد قال: «قد يحذر دارس من إمكانية اكتشاف كوكب جديد، ولكن على بعد أكثر من تسعين وحدة فلكية- وهى المسافة ما بين الكوكب الحادى عشر والشمس- يتعذر على جاذبية الشمس الإمساك بأحد أجرام السماء الذى ينطبق عليه وصف الكوكب»!!

بالطبع أثبت العلماء الألفين وخمسمية القابعون فى براغ أن أقل ما يوصَف به هذا الكلام الزغلولى أنه هراء، فقد أضيفت كواكب وستضاف كواكب أخرى إلى المجموعة الشمسية، رغم أنف د. زغلول، وهنا تكمن المأساة والورطة، تلك الورطة التى أوقعنا فيها د. زغلول النجار وغيره بنظريتهم الإعجازية هى ربطه ما بين الدين المطلق الذى لا يعرف إلا الإجابات والعلم النسبى الذى لا يعرف إلا الأسئلة، الدين هو اليقين والعلم هو الشك، ولا داعى لخلط هذا مع ذاك، وإلا وقعنا فى فخ الشك الدينى نتيجة اللخبطة والاضطراب والقلق الذى يصنعه فينا د. زغلول والإعجازيون، وأستطيع أن أقرر أننى- وكل من ينتقد منهج ونظريات الإعجاز العلمى ويقول إن القرآن كتاب هداية وليس كتاب «بيولوجى وجيولوجى» وفلك ويؤكد أن إعجاز القرآن فى أفكاره الثورية التى ستعيش وليس فى نظرياته العلمية التى ستتغير- حتماً ندافع عن الدين وعن قدسيته، وأيضاً ندافع عن العلم وتحرره وجسارته.

اقرأوا المقال ثانية منذ البداية لتعرفوا كيف وصلوا هم إلى قمة السماء وكيف مازلنا نحن فى قاع الأرض؟!! إنها مجرد طريقة تفكير.

Print Friendly
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , . Bookmark the permalink.