الاجْتِهَادُ الفِقْهِيُّ.. الجِدَارُ العَازِلُ بَيْنَ الوَسَطِيَّةِ والتَّطَرُّفِ

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

يكاشفنا فضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى ( رحمه الله )  والذي وصفه شيخ العصر وإمام القَرنِ الشيخ العالم فضيلة الإمام محمد متولي الشعراوي ( رحمه الله ) في تقديمه للجزء الثالث من كتاب ” التيسير الميسر للقرآن الكريم ” فقال: ” إنه أستاذ أجيالنا، ناصر السنة، وقاهر البدعة، وميسر كتاب الله وسنة رسوله للقارئ والدارس ” بحقيقة ترصد حالة مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة حينما ذكر في كتابه صغير الحجم كبير القيمة ” ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ” أن التفرق البغيض الذي مزق المسلمين حتى وقتنا الراهن مفاده الابتعاد عن المنهل الأول الذي لا يخرج عن كتاب الله وسنة نبيه المصطفى (عليه الصلاة والسلام) وما تركه لنا السلف الصالح من نماذج حياتية سليمة وقويمة.

ولقد حدد الشيخ عبد الجليل عيسى أسباب الخلاف والشقاق بين المسلمين في ثلاث صور هي: رجل أرخى عنان خياله، وجرى وراء تصوراته، وإذا وقف في طريقه نص صريح، أعمل فيه معاول التأويل والتصريف حتى ينسفه من طريقه. ورجل جمد مع ظاهر النص، وألغى عقله، وجهل نص الخطاب وفحواه. ورجل مقتصد وفَقِهَ روح التشريع فكان أمة وسطا، فهدي إلى الصراط المستقيم. وهذه الصور هي التي تشكل صلب الشقاق والنزاع الفكري بين عموم المسلمين اليوم. وما زاد المشكلة تعقيداً أن عموم الناس أصبحوا لا يقرأون وإذا كلفوا أنفسهم عبء القراءة فإنهم لا يفطنون، فاستكانوا إلى الاكتفاء بالتسجيلات الصوتية لبعض المتنطعين الذين لم يؤهلوا لحمل أمانة الكلمة أو الدعوة فكانت النتيجة هي مزيد من التطرف والغلو غير المحمود.

ولقد أصابت الأمة الإسلامية عدة أمراض فكرية ارتبطت جلياً بالخطاب الديني، من أبرزها أن الناقلين لبعض النصوص الفقهية لم يكلفوا أنفسهم بتحري الدقة في النص أو البحث عن الراوي أو الداعي له، فكانوا أشد قسوة على أنفسهم لأنهم أصيبوا حقاً بداء الجمود وعدم التجديد، وإذا استمعوا إلى رأي يخالف نصهم السابق فإنهم يرمون هذا الرأي وربما صاحبه أيضاً بالضلال والفجور والفسق. ولقد اجتهد المجتهدون الأوائل في الإسلام في تعليم العقل المسلم فقه الأولويات المقصود به فقه الواقع لأنهم فطنوا جيداً لحديث رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) الذي قال فيه: ” دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة أسئلتهم واختلافهم على أنبيائهم فإذت نهيتكم عن شئ فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم “. وهذا الحديث يعد توجيهاً نبوياً كريماً إلى البدء بفقه الواقع، وأكد الرسول الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) ضرورة عدم استشراف الواقع الفقهي بمسائل فقهية قد لا تحدث أساساً وإنما يعد الولوج فيها باباً رئيساً من أبواب الخلاف والجدل الذي يقسم المسلمين إلى فصائل وطوائف متباينة، فقال رسولنا ( صلى الله عليه وسلم ): ” هلك المتنطعون “.

 واجتهد المفسرون الأوائل في تفسير الحديث حتى أقروا توصيفه بأن المتنطعين هم المتكلفون للكلام فيما لا يقع، والمفرعون على مسائل لا أصل لها في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة الشريفة. وهو ما شدد عليه بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم ) الفاروق عمر ( رضي الله عنه وأرضاه )، فلقد قال ابنه عبد الله بن عمر: ”  لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن السائل عما لم يقع، ويقول: أحرم عليكم أن تسألوا عما لم يقع، فإن لنا فيما وقع شغلاً “.

لكن في العصور الآنية وجدنا بعض الأئمة والشيوخ خرجوا بالاجتهاد الفقهي عن مقاصده المحمودة والمرغوبة، وسلكوا طريقاً غير ممهدةٍ عن طريق الدخول في تفصيلات وتفريعات فقهية لا نستطيع توصيفها فقط بأنها نادرة الحدوث بل إنها متخيلة ومن الصعوبة حدوثها. وهذا الخلل الذي أصاب منهاج الوسطية الإسلامية هو ملمح خطير للتراجع الحضاري، ووجدنا اليوم تضخماً كبيراً في فقه العبادات وضمور الاجتهاد أو التفقه المستنير في بقية الأبواب الشرعية مما زاد من هوة الخلافات والجدل بين عموم المسلمين.

ونورد جملة من الأمثلة في الخلاف الفقهي التي أوردها شيخنا عبد الجليل عيسى في كتابه الماتع ” ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين ” والتي ذكر فيها بعض الأشياء التي تبطل العبادة عند بعض العلماء ولا تبطلها عند غيرهم. ومن ذلك الدعاء بشئ من متاع الدنيا في التشهد الأخير مبطل للصلاة عند الحنابلة، وهو جائز عند المالكية. وصلاة المأموم الواحد خلف الإمام أو عن يساره عند خلو يمين الإمام باطلة عند الحنابلة صحيحة عند غيرهم. وزيادة ( ورحمة الله ) بعد ( السلام عليكم ) عقب الفراغ من التشهد الأخير في الصلاة ركن تبطل الصلاة بتركه في الفرض عند الحنابلة، ولا تبطل الصلاة بتركه عند غيرهم.

ومن الشواهد التي يسوغ فيها الخلاف بشرط عدم التعصب للرأي البسملة في أول الصلاة، فهي فرض عند الشافعية وسنة عند الحنفية، وقراءة المأموم للفاتحة في الصلاة السرية فرض عند الشافعية، مندوبة عند المالكية. والسجود على اليدين وأطراف القدمين مع الجبهة أثناء الصلاة فرض عند الشافعية، وسنة عند المالكية.

والمشكلة القائمة بين المسلمين اليوم هي الارتكان إلى ثقافة السماع دون تكليف الذهن بتحري المعرفة الدينية، وربما سطوة الحياة المعيشية هي التي أجبرت المواطنين إلى العزوف عن القراءة الفقهية المتعمقة رغم أن معرفة العبادات وتفقهها فرض عين على الجميع خاصة وعموم، وأن أداء العبادات بغير علم أو دراية أو معرفة عميقة قد يخرجها عن دلالتها وحضور الذهن والنفس معاً أثناء تأديتها. وجملة من الأسباب التي أودت إلى ظهور الخلافات الفقهية والتي ربما راح ضحيتها عموم المسلمين لأنهم أخذوا ببعض الآراء دون غيرها، واقتصروا على وسائط دينية قاصرة بغير تحمل عناء البحث عن المعلومة الفقهية السديدة فكان عرضة للوقوع في الخلاف.

ومن هذه الأسباب غفلة الكثير عن تحذير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من التشدد في الدين، عملاً بقول الله تعالى في محكم التنزيل: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ( سورة البقرة، آية 185). وقوله تعالى: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (سورة الحج، آية 78). وعن أبي موسى الأشعري قال: لما بعثني رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال: ” يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا”.

ومن أسباب الوقوع في الخلاف عدم عناية المتأخرين بالتحري عن ظروف كثير من أوامر النبي (صلى الله عليه وسلم ) وإرشاداته وتوجيهاته، هل المراد أن تكون تشريعاً عاماً دائماً، أو خاصاً ببعض الناس دون بعض، أو بعض الظروف دون بعض، وهذه الأمور كلها لها ضوابطها وشرائطها المعقودة. ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه نهى عن ادخار شئ من لحوم الأضاحي أكثر من ثلاثة أيام، فلما جاء العام الثاني وتحدث الناس عن عدم الادخار قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم): ” كلوا وادخروا ما شئتم، وإنما نهيتكم في العام الماضي لأنه كان بالناس فيه مجاعة، فأردت أن تعينوهم فيها”.

ومن أبرز أسباب الاختلاف الفقهي غفلة الكثير من عموم الناس عن أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كثيراً ما كان يجيب السائل أو يأمر الرجل أو ينهاه بما يناسب حاله هو بعينه، وقد لا يناسب غيره، وكثير من المتأخرين ينقل للسامع حديثاً أو شاهداً نبوياً شريفاً دون أن يرصد له شروط الرواية والحادثة والسياق الذي ورد فيه الحديث، وهذه تعد من الأمور التي تحدث لغطاً بين الناس. ومن هذا أن رجلاً سأل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أي الأعمال أفضل ؟ فقال له: ” الجهاد في سبيل الله “. وسأله رجل هذا السؤال نفسه فقال: ” بر الوالدين”. وسأله ثالث فقال: ” كف الأذى عن الناس”. وقال لرابع: ” أفضل الأعمال الصدقة على الفقراء”.

وفي هذا يخبرنا الحافظ بن حجر أنه يؤخذ من هذه الأحاديث تخصيص بعض أعمال الخير بالحث عليها وذلك طبقاً لحال المخاطب وحاجته للتنبيه، والرسول في هذا أشبه بالطبيب الماهر الذي يصف الدواء حسب حالة المريض، ولكن المأساة أن العوام وبعض الشيوخ الذين لم يتفقهوا جيداً يأخذون الأمور والشواهد على عموميتها وظواهرها فقط دون الرجوع إلى سياق الخطاب نفسه وإحداثياته.

ويشير أبو إسحاق الشاطبي أحد علمائنا الأجلاء النابهين في كتابه الموافقات إلى خطر كبير يعصف بالأمة الإسلامية ويمزقها وهو التعصب لرأي أو شيخ أو لجماعة أو لفرق دينية بقوله: ” إن تعويد الطالب على ألا يطلع إلا على مذهب واحد ربما يكسبه ذلك نفوراً وإنكاراً لكل مذهب غير مذهبه ما دام لم يطلع على أدلته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع الناس على فضلهم وتقدمهم في الدين وخبرتهم بمقاصد الشارع وفهم أغراضه.

ومن هذا التعصب الشديد في الرأي ما قاله أحد مشاهير علماء الأحناف وهو الشيخ أبو الحسن عبد الله الكرخي حيث قال: ” كل آية أو حديث تخالف ما قرره علماء مذهبنا فهي إما مؤولة أو منسوخة”. والعجيب أن ديننا الحنيف أقر برفع الشقاق والنزاع بين الناس وضرورة التقريب والتسديد وإحياء الوحدة والاتحاد ورغم ذلك نجد كثيرين يدعون إلى الفتنة والشقاق وإثارة نعرات الخلاف، يقول الله تعالى: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ( سورة آل عمران، آية 105).

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.