لباس الأنثى حريتها الخاصة

حمودة إسماعيلي حمودة إسماعيلي

إذا انطلقنا كبداية من الأيديولوجيات الدينية، فإن جانبا كبيرا منها يرتكز حول جسد الأنثى من ضمن ذلك التدخل الصريح في شؤون جسدها الخاصة ـ بالرغم من الجهل التام ببنية ومتطلبات هذا الجسد ـ يتم التطاول السخيف حول ما يليق بها لاستعراضها ذاتها اجتماعيا ! وما يستدعي الغرابة هو أن المُشرِّع رجل ـ أو بشكل أوضح مجموعة ذكورية ـ تفرض وتحتم على المرأة كيفية التعامل مع جسدها، دون خجل من غبائهم الظاهري في ما يخص الجسد البشري، بما فيه الجسد الأنثوي الذي يبدو للذكر كحقل ألغام!

بالنسبة للمختصين بالموضة، لا نجد هذه التشقلبات الذكورية الحقيرة، فبالنسبة لجون بول غوتييه يتعلق اللباس والموضة بشخصية الفرد، عملية الارتداء إبداع ذاتي؛ عند كوكو شانيل الموضة ليست فقط باللباس، إنما في طريقة العيش، ولكل طريقته الخاصة التي تريحه بالعيش، كذلك لباسه؛ أما إيف سان لورين فإنه يستلهم مشروعه التصميمي (باللباس) من الأنثى، عنده الموضة تبدأ من المرأة وتنتهي عندها ! فيأتي حقير دماغه منتهي الصلاحية، ليحاول أن يفرض على هذا الجسد ـ بتاريخه المُلهُم للفنانين والمصممين ـ لباسا قديما قدم 1000 سنة أو أكثر !

بسابقة من نوعها (في المغرب)، وهي من الأمور المثيرة للاستغراب والريبة، حيث توبعت فتاتان لمحاكمة في قضية ارتداء تنورة !! كما جاء بلسان الصحف أن “هذه القضية اشتعلت بعد زيارة فتاتين من أكادير لأحد الأسواق الشعبية بمنطقة إنزكان، بلباس اعتبره البعض “غير لائق، نتيجة عملية تهييج تمت في أعقاب تحرش بهما، حيث تجمعت أعداد من مرتادي السوق ضمنهم ملتحون وكادوا يعتدون على الفتاتين، إلى أن تدخلت الشرطة وأوقفتهما”(1). فمحضر، وهيئة دفاع، وجلستان، ثم حكم قضائي بالبراءة، وكل ذلك لأجل ارتداء تنورة ـ بعد ضجة إعلامية وفضح حقوقي لهذه المهزلة التي لا ترقى حتى لمستوى فكر الجاهلية ! في الجاهلية (الفترة التاريخية التي يعيب عليها المتخلفون) كانت للأنثى فيها قيمة خاصة مساوية للرجل، وليس كما جاء بكتب الدين الغبية المزيفة للحقائق التي تقول أن النساء كان يتم استعبادهن ودفنهن !

وصرّحت الفتاتان، بعد إطلاق صراحهما بـ”أن مجريات الأحداث، بالطريقة التي عشناها لم تكن إلا لتعمق جراحنا بعد الحملات التي استهدفتنا في كرامتنا، وفي حرمتنا الجسدية والنفسية والجنسية… بعيدا عن حقيقة ما جرى، وعن الوقائع التي عشنا فصولها حيث كنا ضحيتين لتحرش جنسي في البداية وهجوم علينا فيما بعد من طرف مجموعة من الرجال في حالة هستيريا كانوا يرجموننا بالحجارة ويسبوننا وينعتوننا بأقبح النعوت، وتحولنا فيما بعد إلى متهمتين بالإخلال بالحياء العام”(2). مجتمع لا يستحيي، يتهم الناس ووجهه لا يعرف معنى الحياء !

تستمر آثار مثل هذه السلوكات، والأفكار داعشية الدفينة ـ بالأصل غباء متعمد من الأفراد الذين يتلقفون كل ما يقوله أي كائن يرتدي عمامة، هدفه التحريض كتعويض لآلامه النفسية المكبوتة ـ في تعليقات وتحرشات المضطربين اجتماعيا، باختزال السروال القصير أو التنورة في المنكر، هذه المفردة التي تعود لقرون خلت، تُستعمل بشكل شمولي بكل تعليق لمن لا حيلة لهم في فرض آرائهم الضيقة الحقيرة على جسد الأنثى، هذا الجسد الذي سواء كان عارياً، أو مُغطاً، هو كالموسيقى يعلو على كل الحكم والفلسفات.

يرغب الواحد بالعيش في مجتمع حداثي ديموقراطي، يدعم الاختلاف والحريات العامة، ثم يُضيّق كتسلّط منه على حريات واختيارات واختلاف الآخرين، على حساب المنكر، كمفهوم مفروغ من المعنى. والأجدى هو انتقاله ـ بدل الثرثرة والتحريض البربري الجبان ـ إلى ننكرهار بأفغانستان، حيث الجبال والوديان والماعز، يستمتع بمشاهدتها، أو لما لا ألاسكا؟!

هوامش:

1 : فتاتا إنزكان بريئتان من تهم الإخلال بالحياء العام ـ موقع شوف تيفي، بتاريخ :2015/07/13.

2 : فرح الباز، فتاتا إنزكان بعد البراءة: شكرا ولكن…!! ـ موقع كيفاش، نفس التاريخ.

This entry was posted in Hijab الحجاب, حمودة إسماعيلي and tagged , , . Bookmark the permalink.