هل ساهمت الدروس الخصوصية في إسقاط السلطة؟

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

يتصف المجتمع المصري منذ القدم بأنه مجتمع سلطوي يخضع فيه الإنسان إلى أنواع متعددة من الاستبداد. فالإنسان المصري مقهور منذ الولادة بالسلطة الأبوية ثم يذهب إلى المدرسة فتقهره سلطة المدرسة فإذا وعى خضع لسلطة رجل الدين وفوق كل هذا، تمارس السلطة السياسية الاستبداد على الجميع.

إلا أن في السنوات الأخيرة شهد المجتمع المصري ربما لأول مرة في تاريخه حالة من التمرد على كل هذه السلطات مرة واحدة وليس فقط السلطة السياسية كما حدث من قبل في التاريخ المصري. فكثيرا ما ثار المصريين على السلطة السياسية إلا أنهم في ثورتهم لم يصطدموا قط بالسلطة الدينية أو الأبوية، بل ربما كانت السلطة الدينية في بعض الحالات هي قائدة الثورة على السلطة السياسية.

فنحن نشهد هذه السنوات الأخيرة ثورة على السلطة الدينية ربما بسبب ما وصلت له من درجة خانقة من التعصب والتطرف، وبث للكراهية بين المصرين، ونشر للخرافات في عصر تسوده الحقائق العلمية. كذلك نشهد ثورة ضد السلطة الأبوية في المنزل. فالصدام الآن بين الآباء والأبناء أصبح واضح وصريح ولم يعد كما سبق صدام بسبب الكلية التي يرغب في دخولها الابن أو الابنة، أو بسبب الزواج، أو غيرها من القضايا الاجتماعية التي كانت في الأغلب الأعم تنتهي بفرض الأب أو الأم لقرارهم واختيارهم على الأبناء.

نحن نرى الآن صدامات سياسية ودينية وفكرية بين الآباء والأبناء. حالة من التمرد بين الأبناء على الأفكار السياسية والدينية والفكرية المحافظة للآباء، فالجيل الجديد يريد تغيير سياسي واجتماعي واقتصادي ومناخ تسوده الحرية وتحترم فيه إرادة الفرد.

وترجع حالة التمرد هذه للعديد من العوامل تتراوح بين الانترنت الذي وفر للجيل الجديد بديل لمصادر المعرفة والتعلم بعيدا عن سلطة المدرسة والمنزل، والعوامل الاقتصادية التي جعلت هذا الجيل يفقد أي أمل في أن يكون له مكان يناسب إمكانياته ومهاراته حتى لو لم يكن له واسطة أو كان ابن عامل نظافة، أو عوامل سياسية تمثلت في تكلس وتجمد الحياة السياسية وظهور فكرة التوريث في أعلى سلطة في البلاد، فأصبحت الواسطة لا تقتصر على الوظائف الكبرى بل وصلت حتى لرئاسة الدولة.

ولكن هل تتضمن هذه العوامل، التي أدت لحالة الثورة على جميع السلطات، عامل الدروس الخصوصية؟

فالدروس الخصوصية باتفاق الجميع قد أسهمت بقوة وربما هي العمل الأول في إسقاط هيبة المدرس. الذي أصبح يبيع خدماته للطلاب مباشرة وأصبح الطلاب بالنسبة له زبائن يجب توفير كافة سبل الراحة لهم للحفاظ عليهم وحتى لا يذهبوا للمنافسين ولذلك فالزبون دائما على حق.

وأصبح الطالب يتعامل مع المدرس ليس بوصفة سلطة معرفية أو ممثل لسلطة الدولة أو بديل السلطة الأبوية في المدرسة، ولكن مجرد شخص يقدم له خدمة بمقابل مادي، وإذا لم يعجبه المدرس لأى سبب مثل أن يكون دمه تقيل، فيستطيع أن يستبدله بمورد أخر للخدمة، وكله بفلوسي.

هكذا فقد الطالب والطالبة المصريين أي احترام أو خوف من سلطة المدرس، وازعم أن هذا الانهيار قد أدى بالتبعية إلى فقدان أي احترام أو خوف من أي سلطة أخرى خاصة السلطة الأبوية.

يبدو أنه في النهاية لكل شيء، مهما كان ضار وسلبي، ايجابية ما.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Education تربويات, مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.