العقوبة الاجتماعية وقبول الأخر

داليا

داليا وصفى

الغرض من العقوبة كما أظنه هو أخذ شئ مادي أو معنوي من الجاني (والذي قد يكون غرامة مالية او شئ ملموس ذو قيمة معنوية عند الجاني أو الحجر على حرية الجاني وحبسه) مقابل الأذي المادي أو المعنوي الذي تسبب به للمجني عليه (والذي قد يكون سرقة أو احتيال أو اعتداء جسدي أو حتى اعتداء لفظي ولكنه يسبب الأذى)

وتتنوع العقوبة على الجاني حسب الجرم والضرر الواقع على المجني عليه، والدولة  بمؤسساتها هي المنوط بها تنفيذ العقوبة على الجاني.

لكن بعيداً المجال العام المؤسسي للدولة والمؤسسات الخاضعة لقوانين الدولة ولقانون العقوبات، وفي حياتنا العامة الاجتماعية تحدث جرائم معنوية ويكون في مقابلها عقوبات معنوية ايضاً.. كالطفل إذا أخطأ سواء مادياً أو معنوياً فتقوم أسرته بمعاقبته معنوياً أو مادياً عن طريق تعزيره وإنذاره بلهجة شديدة أو حرمانه من طعام أو حلوى يحبها، أو حبسه وحده في غرفته لفترة معينة بعيداً عن التليفزيون أو الكمبيوتر أو أي وسائل متعة، أو حرمانه من مصروفه النقدي، أو حتى سحب مدخراته “البسيطة لأبويه العظيمة له” كنوع من أنواع الغرامة المالية..

وكل هذه العقوبات المتنوعة الغرض منها هو الأحساس بعواقب الخطأ الذي قام به المخطئ وأنه لا يوجد شئ بلا عواقب وأضرار سواء على المجني عليه أو الجاني نفسه وبالتالي ستؤدي العقوبة إلى عدم تكرار الخطأ لعدم تكرار العقوبة أو مضاعفتها.

وفي حالة حدوث خطأ ما وتوقيع العقوبة على شخص برئ، سواء كان مجني عليه أو لا دخل له بالموضوع، ففي تلك الحالة تعد العقوبة ظلماً بيناً وتؤدي إلى أذى معنوي أشد من آلام العقوبة الموقعة على الجاني، لأن ما يعذب الجاني أثناء العقوبة هو أحدى ألمين إما احساسه بالندم أو آلام العقوبة، بينما المظلوم يتعذب من كلا الأثنين، آلام العقوبة و آلام الظلم.

السؤال الآن وسبب كتابة المقال: ماذا لو لم يكن الجاني يرى أنه مخطئاً؟

سجن

وليس هذا فقط، ولكن أيضاً يرى أنه مجني عليه؟

ويحدث ذلك في الأساس لأنه لا يوجد في العلاقات الاجتماعية وخصوصاً الحميمية كعلاقات الصداقة أو الأسرة قواعد محددة أو أُطر عامة مرسومة يسير الجميع عليها كما هو الحال في قوانين الدولة أو المؤسسات، وبالتالي يبدأ كل طرف في إتهام الأخر بأنه مذنب وأنه جنى عليه طبقاً لفكره الشخصي وفهمه العقلي (والذي يختلف من شخص لأخر) وخلفياته الثقافية أو الاجتماعية، وما يحدث أنه تظهر الحاجة لوضع تلك القواعد فقط عند وجود خلافات تهدد سير العلاقة ومستقبلها وليس عند بدايتها أو حتى عند وجود نقاش مفتوح عادي تباينت فيه وجهات النظر، كما هو مفترض، للحفاظ على العلاقات دون مشاكل أو عراقيل تهدد وجود تلك العلاقات لمجرد عدم معرفة طرفي العلاقة أو أطراف العلاقة للحدود التي تحافظ على استمرار تلك العلاقة.

أما في حالة وقوع (الفاس في الراس) كما يقولون، وكل طرف من أطراف العلاقة يرى أنه هو المجني عليه وتوقيع العقوبة المعنوية عليه ظلم فاحش يؤلمه ويهينه فلا مفر هنا من الحوار بين أطراف العلاقة ووضع الأطر العامة التي يراها كل منهم هي قوانينه الخاصة التي لا يجب تجاوزها والاتفاق عليها بشكل نهائي كشرط من شروط إستمرار العلاقة.

وهنا تظهر لنا مشكلة كبرى أخرى، وهي عدم قبول الرأي الأخر، بل عدم قبول الأخر عموماً وليس رأيه فقط..

فإذا ما أكتشف أصدقاءك أو أسرتك إنك مختلف عنهم “على أي مستوى” فهم فوراً سيبدأوا في محاولة إثناءك عن أراءك الغريبة عنهم وعن العادات والتقاليد “التي يهاجمونها هم أنفسهم” ثم في المرحلة التالية لذلك ستجد نفسك محاط بكثير من الخلافات والمشاحنات والتي تنتهي بالتهديد بالنبذ والهجر والخصام في محاولة أخيرة لإعادتك إلى حظيرة التشابه والتماثل المجتمعي تحت مظلة العادات والتقاليد القاتلة للفكر والابداع وللحرية ولكل أخر مختلف فكرياً أو مظهرياً، وحتى إذا ثبتت على موقفك ستجد نفسك بالفعل تم نبذك وهجرك مع إستمرار مشاحنتك وتصنع الخلافات على أتفه الأسباب والتي يتم تضخيمها وحشر آراءك وأفكارك وسطها بصورة مغلوطة ولا منطقية لمجرد إثبات أن ما تعانيه من عقوبة اجتماعية هو ما تستحقه..

فإذا ما بادرت أنت بالعقوبة الاجتماعية من هجر ونبذ وبعد عن الخلافات وعن صانعيها رغبة في الهدوء أو لعدم زيادة حدة الخلافات وبالتالي التسبب في خسارة نهائية بينك وبين الأطراف الأخرى، يتم إتهامك بالظلم وعدم الفهم والخروج عن المعايير الاجتماعية المتعارف عليها والبدء بالمعاداة..

والحل؟

الحل ليس في الأطراف المتصارعة وحدها.. الحل يكمن في تغيير ثقافة المجتمع عامة وترسيخ ثقافة قبول الأخر وثقافة الحفاظ على خصوصية الأفراد ونشر الآداب والفنون المختلفة عن طريق الإعلام والتعليم والمعاملات الرسمية المختلفة في مختلف المؤسسات الحكومية أو الخاصة وكل ذلك يتم حمايته بقوانين ولوائح رسمية مفعلة بشكل حقيقي وليست صورية.

Print Friendly
This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , , , . Bookmark the permalink.