(أكذوبة (أسلمة العلوم

طلعت رضوان  طلعت رضوان

هل يمكن (أسلمة العلوم) ؟ وهل يوجد علم إسلامى وعلم مسيحى إلخ ؟ هذا السؤال أجاب عنه مؤلف كتاب (الإسلام والعلم – الأصولية الدينية ومعركة العقلانية) ضمن مشروع مكتبة الأسرة- هيئة الكتاب المصرية – عام 2015 للعالم الباكستانى برويز على بيود- ترجمة د. محمود خيّـال. أشار المؤلف إلى الجدل الذى دار بين أنصار الحداثة والإسلاميين الأصوليين حول مدى توافق الإسلام مع العلم، ووصل الحوار إلى طريق مسدود، لأنّ إثبات الحقائق العلمية لا يحتاج إلى أى سلطة روحية. وقبل الثورة العلمية وقفتْ البشرية عاجزة أمام الرياح والعواصف وطحنتها الأمراض ودمّرها الطاعون، ثمّ جاء العلم الذى حرّر الإنسان من الخرافات، التى ظلــّـتْ مُـتحكمة فى أوروبا طوال العصور الوسطى، حيث أصدرتْ المحاكم الدينية عشرات الآلاف من الأحكام بالتعذيب حتى الموت بتهمة الزندقة.

وقال رئيس الأساقفة (أوشر) أنّ بداية خلق العالم كانت فى الساعة التاسعة- يوم الأحد 23 أكتوبر 4004 ق.م بالرغم من أنّ الحفريات الجيولوجية أثبتتْ أنّ عمر الأرض يُـقدر ببضعة آلاف من السنين على أقل تقدير. ولم تتحمّـل الكنيسة قول (جون وايكف) الذى صرّح بهذا الكلام، وأصدرتْ أوامرها باستخراج رفاته وتفتيت ما تبقى من عظامه. وعلى هذا المنوال تمّ اضطهاد العلماء أمثال جاليليو وجوردانو برونو الذى تمّ حرقه حيًا مع مطلع عام1600فى روما. وكان من بين الخرافات التى روّجتْ لها الكنيسة أنّ الأوبئة مثل الجدرى والكوليرا إنما هى عقاب من السماء، وبالتالى فإنّ الوقاية منها بالتطعيم ضد إرادة السماء. وعارضتْ الكنيسة التشريح، وأنّ الصواعق هى (إصبع الله) ونتيجة خطايا الإنسان. وفى عام 1752اكتشف بنيامين فرانكلين أنّ الصواعق مصحوبة بالبرق فاكتشف الطبيعة الكهربائية للصواعق. وتبع ذلك استخدام القضبان المعروفة بموانع الصواعق. ورفضتْ الكنيسة استخدام تلك القضبان. وفى ألمانيا تمّ تدمير حوالى 400 برج كنيسة ومات 120من قارعى الأجراس بفعل الصواعق، فى الفترة من 1750- 1783وفى المُـقابل صمد بيت للدعارة حيث وُضع فوقه مانع للصواعق. 

وفى العصر الحديث تبنــّـتْ أميركا نشأة الأصوليات الدينية، وتعاظم شأنها فى فترة حكم ريجان. وذاع صيت (حركة الخلق) التى روّج المؤمنون بها لما جاء فى التوراة عن بدء الخليقة. وهاجموا علمىْ الفلك والجيولوجيا ورفضوا تقدير أى عمر للأرض بموجب استخدام الكربون المُـشع. كما هاجموا بكل ضراوة نظرية دارون. ولكن بفضل جهود علماء ومفكرين، من أوروبا وأميركا انهزمتْ حركة الخلق الأمريكية. 

وعن الأصوليين الإسلاميين ونظرتهم للعلم، ذكر المؤلف أنهم يرون أنّ العلم يتعارض مع المُعتقد الإسلامى، ونقل عن البروفيسور محمد عبد السلام (باكستانى وأول مسلم يحصل على نوبل فى الفيزياء عام79) قوله ((لاشك أنّ العلم أضعف ما يكون اليوم فى الدول الإسلامية المعاصرة. ولم يعد مقبولا إغفال ذلك والاستهانة به، حيث أصبحتْ الحياة الكريمة للمجتمعات المعاصرة مرتبطة بمدى قوتها العلمية والتكنولوجية)) وذكر المؤلف (رغم أنه باكستانى أيضًا) أنّ العداء للعلم انتشر فى عهد ضياء الحق الذى رفض طلبات العلماء والتقدميين لتحسين ظروف المناخ العلمى. والجامعات الباكستانية انتشر فيها الإذعان والخنوع. ورفض المسئولون – فى تملق واضح للأصوليين – الاستجابة للحقائق العلمية، حيث أنّ الهندسة الوراثية والروبوتات والكمبيوتر ورحلات الفضاء كلها خرجتْ إلى الوجود عن طريق العلم النظرى. وفى أكتوبر87 عُقد مؤتمر دولى بعنوان (المعجزات العلمية فى القرآن والسنة) فى باكستان تحت رعاية الجنرال ضياء الحق. تركــّزتْ (الأبحاث) حول (تحديد رؤية هلال رمضان) مع رفض الأخذ بعلم الفلك. وكانت النتيجة أنْ توقفتْ وسائل الإعلام عن إذاعة ونشر النشرات الجوية. وانتهى المؤتمر إلى إدانة العلم الغربى. 

ونظرًا لهذا الموقف المُـتعنــّـتْ ضد العلوم الطبيعية، فإنّ ما يُردّده البعض عن (علم إسلامى) شىء لا وجود له. وأنّ أية محاولة لخلق مثل هذا العلم تـُمثــّـل إهدارًا للجهود المبذولة. وأشار إلى ما ذكره أحمد خان من أنّ ((هدف الدين تحسين الأخلاقيات لا تحديد الحقائق العلمية)) وتساءل هل يمكن وجود علم إسلامى فيزيائى؟ وهل (العلم الإسلامى) أنتج آلة واحدة أو مادة كيميائية واحدة أو دواءً واحدًا أو اكتشاف حقيقة فيزيائية جديدة لم تكن معلومة من قبل ؟ وبينما هم لم يفعلوا شيئـًا من ذلك انشغلوا بإجراء (أبحاث) حول درجة (حرارة جهنم) و(التركيب الكيميائى للجن) وبعد 11 سنة من تجربة (العلم الإسلامى) فى باكستان فى ظل نظام ضياء الحق، الذى وضع مسألة (أسلمة التعليم) ضمن أهدافه الأساسية وأنشأ لها العديد من المؤسسات، وما لا حصر له من المؤتمرات، فلم تـُسفر كل هذه الجهود إلا قدرًا مؤسفـًا من التقدم. ووصل الأمر لدرجة (أسلمة) كل المعارف، بل إنّ أحد (العلماء) فى تملقه للأصوليين وللجنرال ضياء الحق أعلن أنّ ((نظرية أينشتاين مكروهة وتتعارض مع الإسلام)) وأضاف ((فى اعتقادى الراسخ أنّ رأى أينشتاين فيما يتعلق بحركة الجزئيات أوالمُـكوّنات الأساسية للمادة، رأى خاطىء من الناحية الإسلامية)) وكان تعقيب المؤلف : يجب ملاحظة أنّ هذا (العالِم) لم يكن يومًا من الأيام عالمًا فيزيائيًا. 

وبعد ذكر عدة أمثلة من تملق (العلماء) الباكستانيين للأصوليين وحديثهم المُـتكرّر عن (أسلمة العلوم والمعارف) وأنّ كل النظريات العلمية الحديثة موجودة فى القرآن، كان تعقيب المؤلف ((لا يبدو أنّ فشل الجهود السابقة فى تعريف (العلم الإسلامى) ستـُـمثل أى رادع لهؤلاء، ومن المؤكد أنّ الموافقة على مشروع القانون المُستلهم من الشريعة فى باكستان عام91 الذى ينص على ((أسلمة التعليم بالكامل)) سيدفع بهم لتجديد البحث عن الأدلة الدينية مرة أخرى)) 

أرجع المؤلف جذور الأصولية الإسلامية إلى المناخ السائد فى فترات الخلافة الإسلامية، خاصة ما وقع فى شوارع البصرة وبغداد من خلافات دموية بين الفرق الإسلامية. ثم ظهر المعتزلة وسط تلك الخلافات كفرقة من العقلانيين، وكان تأثير الحركة قويًا وتردّدتْ أصداؤها عبر القرون، وأهتموا بترسيح مقولة الإرادة الحرة للإنسان (رغم مرجعيتهم الدينية) ولكن آراءهم لم تــُعجب الأشاعرة الذين شنوا الهجوم عليهم. وانتهى الصراع بهزيمة المعتزلة. أما الغزالى فقد كفــّر الفلاسفة وأنكر قانون السببية. وعندما ظهر بعض المفكرين العقلانيين، لاقوا الاضطهاد أمثال الكندى الذى أمر الخليفة المتوكل بمصادرة كتبه وأمر بجلده خمسين جلدة أمام حشد من الجماهير. أما محمد بن زكريا الرازى فقد تمّ اتهامه بالزندقة. واضطهد الفقهاءُ ابن سينا، وهرب من حكم الإعدام عدة مرات ومصادرة كتبه. واتهموه بالإلحاد لأنه كان يسعى للتوفيق بين المعتقدات الدينية والعلم والمنطق. واستمرّ الهجوم عليه حتى العصر الحديث من الأصوليين الذين يكتبون فى المجلات الإنجليزية. وابن رشد لأنه ردّ على كتاب الغزالى (تهافت الفلاسفة) بكتاب (تهافت التهافت) وفنــّـد كلامه عن أنّ قطعة القطن لا تحترق بسبب طبيعة النار، وإنما لأسباب أخرى كتدخل الملائكة. وقال ابن رشد أنّ هذا هراء، فكان مصيره حرق كتبه وإتهامه بالزندقة ونفيه. وابن خلدون الذى احتفى به الأوروبيون وكتب عنه فيليت هيتى أنه ((وُلد فى زمن خطأ وفى مكان خطأ)) وبينما استمر الإهتمام به فى أوروبا بصفته أحد روّاد علم الاجتماع، وكتب عنه أرنولد توينبى أنه ((استوعب وبلور فلسفة التاريخ فكانت بلا شك هى الأعظم على مر العصور)) رغم ذلك لا يزال ابن رشد يلقى الهجوم من الأصوليين المعاصرين، ومن أمثلة ذلك أنّ المدير العام السابق للتعليم فى العراق، نادى بنبش قبر ابن خلدون وحرق كل كتبه. 

وأشار المؤلف إلى التناقض الذى وقع فيه جمال الدين الأفغانى، عندما كتب عن الأصول الجاهلة (والبربرية) للعرب، ورغم ذلك كتب أنهم نهضوا وأخذوا ما تركته الأمم المُـتحضرة وأوقدوا جذوة العلوم. وعندما سُـئل ابن الصلاح (المتوفى عام 1251) عن مدى السماح بدراسة الفلسفة والمنطق، أصدر الفتوى التى وصف فيها الفلسفة بأنها ((مؤسسة الحماقة. وسبب كل الخلط وكل الأخطاء وكل الهرطقة. والشخص الذى يشغل نفسه بالفلسفة يُـصبح كأعمى الألوان، فلا يرى جمال العقيدة. وأنّ من يُحاول أنْ يُبرهن على تتبع تعاليم الفلسفة، عليه أنْ يُواجه أحد احتماليْن : فإما القتل بالسيف، أو التحول إلى الإسلام، وذلك حتى يُمكن حماية الأرض واستئصال آثار هؤلاء الناس وعلومهم)) وذكر السيوطى أنّ الخليفة الهادى أمر بقتل خمسة آلاف من الفلاسفة حتى يجتث العلوم من أساسها فى البلاد الإسلامية. وكان تعقيب المؤلف أنه يُقر بأنّ رقم خمسة آلاف فيلسوف مبالغ فيه. ولكنه يُشير إلى أنّ واقعة إعدام الفلاسفة (بغض النظر عن الرقم الحقيقى) هى واقعة حقيقية وحدثتْ بالفعل ((ويا لها من لطخة دموية فى تاريخ الدين.. كما هى بالنسبة لتاريخ البشر. وكذلك أستطيع أنْ أجد أمثلة مُـشابهة فى تاريخ المسيحية، وعلى ذلك فإنّ الأديان جميعها مُـتشابهة بغض النظر عن مُسمياتها)) 

وفى الفصل السابع المُعنون (هل يمكن تواجد علم إسلامى؟) أجاب المؤلف ((ببساطة شديدة أرى الإجابة عن هذا السؤال بالنفى، لا يمكن وجود علم إسلامى للعالم المادى الذى نعيش فيه. كما أنّ أية محاولة لخلق مثل هذا العلم، إنما تـُمثــّـل إهدارًا للجهود)) ثمّ ضرب عدة أمثلة من علوم الفيزياء والجيولوجيا والفلك إلخ. وفى موضغ آخر أضاف أنه ((كلما ازداد التدخل الإلهى فى أحداث العالم الخارجى للإنسان، كلما تضاءل تأثير مشيئة الإنسان على المشيئة العليا. وفى حالة ما إذا كان التدخل الإلهى كاملا، يُـصبح حب الاستطلاع والتخيل والطموح، نوعــًا من الإسراف وبلا معنى. والخلاصة فإنّ مجتمعًا يؤمن بالجبرية (القضاء والقدر) ويكون التدخل الإلهى فيه ضد قانون السببية، فلا شكّ سيُـنتج عددًا أقل من غيره من الأفراد المُـتطلعين إلى استكشاف المجهول باستعمال آلات العلم)) هذا ما كتبه المؤلف وأرى أنّ الجملة الأخيرة فى حاجة إلى إعادة الصياغة، لتكون : إنّ استكشاف المجهول لن يتم إلاّ باحترام العلوم الطبيعية، مثل الكيمياء والفيزياء والفلك والجيولوجيا والهندسة الوراثية.. إلخ. وتدريسها فى المداس والجامعات، وربط الجامعات بالشركات التى تـُنتج الأدوات التى توصــّـل إليها العلم النظرى، كما يحدث فى الدول المُـتقدمة، مثل أوروبا والصين والهند واليابان.. إلخ. وهذا الكتاب أدعو لقراءته، خاصة المجهود الكبير الذى بذله المؤلف فى تجميع مادته، والترجمة الرائعة والدقيقة التى قام بها المترجم د. محمود خيال، خاصة الهوامش التى أضافتْ الكثير لمادة الكتاب. 

وإذا كان المؤلف (باكستانى الجنسية) ضرب الكثير من الأمثلة عن تجربة باكستان فترة حكم الجنرال ضياء الحق، عن أكذوبة (أسلمة العلوم) فهل يمكن للدول العربية/ الإسلامية أنْ تنهض وهى واقعة تحت سياط الأصولية الإسلامية المُـعادية للعلم وللتفكير العقلانى؟ 

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.