المثقف والسياسي ونفاق الجماهير

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

طالب د. طه حسين منذ ما يقرب من 75 عام باشتغال المثقفين بالسياسة وعدم ترك البرلمان للجهلاء وأصحاب المصالح..

دعوة نحتاجها في هذا العصر الذي أصبح السياسيين فيه مجموعة من الجهلاء والفاسدين، ولكن تظل هناك معضلة ترتبط بطبيعة عمل المثقف وطبيعة عمل السياسي.

فالمثقف بوجه عام لا يسعى لتحقيق مصالح شخصية ولا يسعى لتكوين شعبية عريضة من أجل الحصول على منصب. لذلك تجد المثقف في حالة صدام دائم مع أفكار وعادات وتقاليد المجتمع التي أكل عليها الدهر وشرب، فأصبحت خارج السياق التاريخي، فتحولت إلى أفكار ميتة ومميتة في نفس الوقت، رغم أنها ربما كانت في يوم من الأيام فكرة تقدمية ولكن مع تغير الزمن تحولت إلى أفكار متخلفة خارج السياق الحضاري. ولأن المثقف الحق هو بطبيعته متمرد على الأفكار البالية ومولد للأفكار الحداثية التي تسعى لنقل المجتمع للأمام، فنجده لا ينساق وراء الجماهير ولا ينافقها بل غالبا ما يصطدم بها.

أما السياسي فهو بوجه عام له مصلحة يسعى لتحقيقها وهى تكوين قاعدة شعبية عريضة من الجماهير التي ستصوت له في الانتخابات لكى يصبح عضو في البرلمان وفي الدول الديمقراطية فقد يصبح وزير أو رئيس وزراء أو رئيس جمهورية حسب أداءه وإنجازاته السياسية. لذلك يتجنب السياسي الاصطدام بالعادات والتقاليد والأفكار البالية للمجتمع حتى لا يخسر قطاع كبير من الناخبين وهو قطاع المحافظين.

ولكن هل يعنى عدم اصطدام السياسي بالجماهير أن ينافق هذه الجماهير؟

فالنفاق السياسي لا يقتصر فقط على منافقة الحاكم ولكن أيضا يتضمن منافقة الجماهير. يحدث النفاق للجماهير عندما يخرج السياسي مؤيدا وداعما ومشجعا ومروجا لهذه الأفكار التي يؤمن من داخله أنها أفكار ميتة ومميتة، فقط من اجل الحصول على أصوات الجماهير وليذهب الوطن ونهضته إلى الجحيم طالما انه سيحصل على كرسي البرلمان.

وهنا نحن نتكلم عن سياسي مثقف وهو حالة نادرة في مصر، السواد الأعظم من سياسيين مصر هم من الأميين ثقافيا وبالتالي هم يحملون نفس الأفكار الميتة والمميتة للمجتمع وبالتالي فممارستهم لا تعتبر منافقة للجماهير ولكن تعبير عن تخلفهم الفكري وأميتهم الثقافية.

السياسي المثقف الحقيقي من وجهة نظري لن يصطدم بالجماهير مثل ما يفعل المثقف ولكن في نفس الوقت لن ينافق الجماهير. كيف؟

قد يدخل المثقف في قضايا شائكة مثل حقوق المثليين جنسيا أو المطالبة بالزواج المدني ما يسمح بزواج المسلمة بغير المسلم، أو يعلن تأييده للتطبيع مع إسرائيل طالما أن ذلك يحقق المصالح المصرية، أو يهاجم خلط الدين بالسياسة حتى لو كان مصدر هذا الخلط هو الأزهر والكنيسة.

السياسي المثقف لن يفعل ذلك، بل سيسعى للبعد عن مثل هذه القضايا حفاظا على شعبيته، وسيتجنب الخوض فيها بقدر الإمكان وإذا اضطر لذلك سيخوض في الموضوع بطريقة دقيقة وكلام عام لا يضعه في صدام مع الجمهور وأيضا لا يجعله في صدام مع أفكاره. لكنه لن ينافق الجماهير فيخرج ليصب اللعنات على المثليين جنسيا ويكفر المسلمة التي تتزوج غير مسلم ويسب ويلعن إسرائيل والتطبيع والمطبعين ويهاجم خلط الدين بالسياسة ولكن في نفس الوقت يستخدم الدين في دعايته السياسية.

هذا هو الفرق بين المثقف فقط والمثقف السياسي، الأول ثوري والثاني إصلاحي، ولكن الاثنين يسعيان لنقل المجتمع نحو الأفضل.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , . Bookmark the permalink.