دروس خصوصية للجيل الروش فى ليالى قريش

د. خالد منتصر  خالد منتصر

هل سنظل نكتب لجيل الفيسبوك وتويتر بنفس اللغة القديمة؟.. هل سنظل نحكى التاريخ لهم عبر كتب التراث التى تحتاج إلى فك شفرة ألغازها اللغوية أو عبر الكتب الأكاديمية التى تحتاج إلى محلول مذيب يفكك الغراء والنشا والجبس الذى يسبب تلبكاً تاريخياً لجيل هات م الآخر الذى تعود على كتابة ما يجول بخاطره فى 140 حرفاً فقط؟!..

كان هذا هو الهم الأساسى الذى سيطر على الكاتب «مؤمن المحمدى» فى كتابه المهم «ليالى قريش»، دخل المؤلف إلى أكثر المناطق تلغيماً فى تاريخنا العربى، وهى ما تعودنا على تسميته العصر الجاهلى بكل ما حملته هذه التسمية من دلالات مضللة جعلتنا نعيش أسطورة طاغية، ملخصها أن هؤلاء الناس قبل الإسلام كانوا همجاً لا ثقافة لديهم ولا ارتباط من أى نوع بين سلوكياتهم وعاداتهم وطقوسهم وبين سلوكيات وعادات وطقوس المسلمين، وساهم فى هذا التضليل وتزييف الوعى أفلام السينما والدراما التليفزيونية، واجه مؤمن المحمدى أكثر من تحد صعب عندما تصدى لتأريخ هذه الحقبة.

أولاً: كم الأساطير والكتابات المتناقضة التى أرخت لتلك الفترة وتلونها بانحيازات عقائدية نتيجة كتابتها فى توقيت ما بعد هذه الفترة بسنين بل بقرون بعيدة كان الصراع السياسى فيها قد بلغ قمته وقد تغلب على هذه الصعوبة بعرض الآراء ومحاولة غربلتها وترك الحرية لمن يريد تصديق الأسطورة، ولكن بعد أن يكون المحمدى قد أدى مهمته فى خلخلتها.

ثانياً: هو يعرف جيداً أنه يكتب لجيل يخاصم قراءة التاريخ لكنه قرر فى محاولة ذكية أن يخاطب هذا الجيل الروش بلغته، إذا كان هذا الجيل إفراز ثقافة الدروس الخصوصية فليعطهم دروساً خصوصية بنفس أسلوب المذكرات ويلخص لهم النتيجة فى الآخر ويكرر عليهم النقاط المهمة فى كل فصل، وإذا كان هذا الجيل أسير قفص الفيسبوك فلتكن فصول الكتاب على هيئة بوستات تليغرافية بلغة سلسة سهلة تستخدم فى بعض الأحيان مصطلحات هذا الجيل الروش.

ثالثاً: أكبر صعوبة كانت فى تحويل التاريخ من كليشيهات ومجرد رص أسماء مثل دليل التليفونات وتعمد حذف أحداث وتضخيم أحداث أخرى لخدمة غرض دينى أو سياسى، تحويل دفة هذا التاريخ إلى أحداث مبنية على منطق اقتصادى وانسانى، كما حاول كثير من المؤرخين من قبل، وعلى رأسهم فراس السواح، ولكنهم فشلوا فى الوصول إلى هذا الجيل.

 طرح مؤمن المحمدى أسئلة شائكة ومهمة تعمد فيها أن يحدث عصفاً ذهنياً للقارئ الذى صار مشاركاً فى كتابة هذا الكتاب لا قراءته فقط، بدأ الكتاب بسؤال لماذا مكة بالتحديد؟، هل هى مجرد صدفة ومزاج؟، هل الكعبة كانت هى الوحيدة فى الجزيرة العربية؟، هل قبيلة قريش كانت هى أول قبيلة تسيطر على الكعبة؟، هل كان الحج طقساً دينياً فقط أم أن له جوانب اقتصادية وتجارية أخرى مهمة انعكست على ثقافة هذه المنطقة آنذاك؟، ما هو دور قصى بن كلاب وكيف نقل مكة من مجرد سوق محلية إلى سوق مؤثرة فيمن حوله من قبائل؟، كيف تطور الصراع بين أولاد عبدمناف وأولاد عبد الدار ولماذا لم يتحول إلى حرب أهلية؟، كيف تحولت مكة على يد هاشم السياسى المحنك الذكى إلى مركز تجارة مع الشام واليمن والحبشة، وما هى حكاية إيلاف قريش؟، ما هو دور يثرب وهل بدأ فقط عند الهجرة بعد الإسلام، وهل هناك دلالة فى أن عبد المطلب قضى فترة طفولته وشبابه هناك قبل أن ينتقل إلى مكة؟

أسئلة كثيرة يجيب عنها الكتاب بمهارة وبساطة وسلاسة تحفزنى وتغرينى أن أطالب المؤلف بتحويله إلى حلقات تليفزيونية فالكتاب فعلاً سكريبت جاهز ومثالى لبرنامج ناجح.

كتاب «ليالى قريش» يطرح أسئلة أكثر مما يقدم من إجابات، وهذه وظيفة الكتب المهمة المؤثرة، ومن ينتظر منه الإجابة النموذجية أو إجابات سلاح التلميذ سيخرج محبطاً، إنه فقط يدوس على زرار التفكير النقدى بداخلك ويجعلك ترى التاريخ من منظور مختلف وبرؤية أخرى وتعرف أن قراءة التاريخ لا تنفع معها طريقة معلبات البلوبيف والفاست فود، قراءة التاريخ تفاعل ومجهود وتعامل مع قطعة كريستال لها عدة وجوه وزوايا، ولن ينتصر على الإرهاب والتطرف شعب يعانى من ألزهايمر تاريخى.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , . Bookmark the permalink.