مالنا ومال الجسد

داليا وصفى     داليا          

نشرت على “حائطي الخاص” بالفيسبوك لوحة فنية من القرن الماضي فإذا بالعالم من حولي يصيبه الهلع.. لوحة بها أجسادعارية.. نساء عارية على صفحة فتاة.. ياللهول (بصوت يوسف بك وهبي).. أي جريمة شنعاء هذه..؟ كيف أجروء أن أنظر للوحة كهذه فضلاً عن أن أضعها على حائطي؟ أفقدت عقلي..؟ أم فقدت حيائي؟

لم أفقد هذا ولا ذاك.. لقد فقدت خوفي مما لا خوف منه.. هكذا وبكل بساطة.. لا شئ يخيف في لوحة فنية رآها الملايين، لا شئ مرعب في جسد نملكه جميعاً.. لا شئ مضر في نشر الفن والاستمتاع به..

عندما نظرت للوحة رأيت إبداع فنان، رأيت تناسق ألوان، رأيت موضوع للحديث ولقطة من الحياة تم إختطافها من قرن مضى لقوم مضوا وأنتهوا..

لا أعرف ماذا رأى كل شخص نظر للوحة المنشورة.. ولا أهتم إن كان من رآها لم يرى فيها إلا ما هو داخل نفسه من خوف أو نهم أو رغبة.. فهي بالنسبة لي لوحة فنية ونشرتها على هذا الأساس ليستمتع بها كل ذي ذائقة كما أستمتعت أنا.. ولم أنشرها حتى يولي كل شخص نفسه كمراقب أو حامي حمى الفضيلة والشرف ويبدأ في نصحي وإرشادي بأن: “هو مفيش نوع فن إلا دا؟ ما بلاها الفن دا.. ميصحش.. مش مناسب.. مش حلو.. أنتي بنت ومينفعش تنشري حاجات كده.. عيب.. حيكون في عواقب مش كويسة..”

 وكلام تاني كتير علشان حتة لوحة منشورة وسط 30 لوحة تانية وعينكم ماشافتش غيرها.. لأنكم مخفتوش من غيرها.. لأنكم خايفين من جسمكم.. ومن جسمنا.. ومن جسمهم.. ومن أي حاجة في العلن.. لأنكم المجتمع عودكم تعيشوا زي الفيران في الضلمة وتحت الأرض، محدش عنده مانع أنه يكون معاه ألبوم كامل من صور وأفلام إباحية وكل كلامه مع أصدقاءه يكون كلام إلماحي أو إباحي، لكن لو لوحة فنية علنية على الملأ يقلب فيها ويتفرج ويتمعن وبعد كده يعمل أخلاقي وحامي الفضيلة..!!

وبغض النظر عن أن الكلام كان أقسى وأعنف وكله جدال وملئ بأسلوب وصائي أو تهديدي لمجرد أن الصورة تم نشرها على حساب شابة مش شاب وبعيداً عن التدخل السافر في الخصوصية و”الأمر” من القريب والغريب بمسح الصورة سواء بصدور الأمر في صيغة أمر واجب النفاذ أو نصيحة واجبة النفاذ، إلا أن الفن مش حرام.. والأستمتاع بالفن بردو مش حرام.. ولو الفن فيه أجساد عارية فهو بردو مش حرام.. الحرام تفكيرنا أحنا الغلط.. رؤيتنا أحنا للأجساد على أنها عورة وممنوع الكلام عنها او رسمها أو نشر صورها هو اللي غلط..

حد حيقولي والحياء؟ وطالما مفيش مشكلة ما تحطي أنتي صورة جسمك عريان طالما شيفاه عادي ان يتم تتداول صور أجساد عارية على الصفحات..

ساعتها حأقولك في فرق بين لوحة مرسومة بتحكي موقف او واقع وفيها ألوان وإضاءة وفكرة وموضوع وبين جسد عاري موضوع لمجرد الإغراء أو حب الظهور..

وحتى لو واحدة جسمها عاجبها وشيفاه هو لوحده بدون أي شئ جميل ويستحق التباهي به والتغزل في تناسقه كفنانات السينما العالمية أو العارضات الشهيرات أو غيرهن ممن يتصالحن مع أجسادهن فما المانع؟

حترجع تقولي طيب حطي صورتك عريانة طالما عادي ولا أنتي مش واثقة في جسمك وجمالك وحاسة بعقدة نقص؟

ساعتها حأقولك: لما قاسم أمين عمل كتابه الشهير عن تحرير المرأة وأنها لازم تتعلم وتعمل وتختلط خبط على بابه واحد سفيه بيطلب منه أنه ينزل مراته من غرفتها علشان تقعد معاهم طالما هو مقتنع بأن عادي أن الست تختلط بالرجال وإلا حيكون ساعتها قاسم أمين مجرد مدعي للتحرر وليس متحرراً بالفعل..

قاسم أمين رد عليه وقاله: لما يكون الوسط المحيط نضيف فهي حتنزل تقعد وتختلط، لما نظرتك للمرأة تكون آدمية وحتتعامل معاها كإنسان ساعتها هي حتنزل تقعد وتتعامل معاك كإنسان.

وأنا عارفه أن الوسط اللي مكون من مصر كلها تقريباً وسط غير صحي وغير نظيف، لكن دا مش مبرر أننا نهرب ونتقوقع، لأن الهروب جوا القوقعة مش حيغير الواقع، اللي حيغير الواقع هو فرض الوجود، فرض وجودنا كبشر، فرض وجود الفن للفن مش الفن للتداول سراً ونقول أصل ميصحش وعيب يكون علني، فرض التغيير بممارسة التغيير مش مجرد الكلام عنه وإستجدائه من الأخرين دون التجرأ على الفعل.

أنا لا أحض على فجور، أنا أحرض على الحرية، والحرية التي أمارسها لن أوقفها لأن هناك من ينظر لها بعين الجهل والغريزة الحيوانية.

Print Friendly
This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , . Bookmark the permalink.