تحت السيطرة.. فقط هناك من يستطيع ومن يستسلم للإدمان

 خالد عاشور    تحت السيطرة . نيلي كريم . مسلسل                              

بدأت الحلقة الثانية والعشرون بجملة (شريف – هاني عادل) ل(شيرين – جيهان فضل) والدة (هانيا) الهاربة من مصحة التعافي من الإدمان:

مفيش مدمن مبتعديش عليه لحظة عايز يبطل فيها.. بس فيه اللي يقدر وفيه اللي ميقدرش.!”

شخصية شريف التي قام بها (هاني عادل) من أكثر الشخصيات دقة وهي الشخصية السوية تقريباً والمساندة للجميع في تفاني.. هاني عادل قدم الدور بحرفية وروعة عالية.. شخصية (شريف) مكتوبة بحرفية عالية من مريم نعوم وتامر محسن.. الشخصيات الأخرى برغم مرضها – النفسي – أحياناً – والجسدي تارة أخرى.. كتبت أيضا بدقة…

المسلسل يتناول كما ذكرت سابقاً موضوع من أصعب واهم المشاكل التي تقابل المجتمعات وخاصة مصر.. الجديد فيه اختلاف التناول… نحن لسنا أمام صورة نمطية لمعالجة مشكلة الإدمان.. نجن أمام دراسة نفسية باستخدام السيكودراما وقد شرحت قبل ذلك موضوع السيكودراما وهو لمن لا يعرف:

في سنة 1942 أسس (Jacob Levy Moreno- يعقوب ليفي مورينو) أول مدرسة للعلاج بما سماه فيما بعد بمصطلح…( السيكودراما Psychodrama – الدراما النفسية)… أهتم (مورينو) بدراسة العلاقات بين البشر… كان تركيزه الأكبر على علاج التشوه النفسي بالدراما.. نجح (مورينو) باستخدام هذه التقنية الحديثة في ان يكون للدراما والأعمال المسرحية دور في علاج الأمراض النفسية … كانت البداية باستخدام المسرح بمشاركة المرضى النفسيين في العمل المسرحي أو كما يسميه المسرحيين بكسر الحائط الرابع وهو إشراك الجمهور في العمل.. هذه المرة ليست مشاركة فقط.. هذه المرة علاج للمريض ذاته باستخدام الدراما والفن.. أعمال كبيرة قامت على هذا النمط ونالت جوائز لأنها استخدمت السيكودراما.. الفيلم العظيم (عقل جميل – A Beautiful Mind) من أروع الأعمال التي تناولت هذه الطريقة للنجم الكبير (راسل كرو) عن قصة حياة عالم الفيزياء (جون ناش)… فالسيكودراما فى المجمل هي عمل درامي جماعي يحاول إخراج الشخص من عزلته النفسية، بل وتقدم أسلوب عملي للعلاج بدلاً من الأسلوب الشفهي المتبع في وسائل العلاج النفسي التقليدية.!

عودة إلى الحلقة (22).. نلاحظ في الأسر جميعها تشتت.. تفكك اسري واضح.. فشل في التربية من كل الاتجاهات.. رغم هذا كله تجعلنا مريم نعوم متعاطفين ومحبين لشخصياتها.. (نيللي كريم – مرسم) تجعلنا نفكر معها ونتعاطف ونحب شخصها ونكره سلبية وهروب زوجها (حاتم) رغم انه يحبها.. وغم هربها من العريس القادم لها من خلال حضانة ابنتها وهي متجاهلة… (نيللي كريم) لا شك أنها من أعظم فنانات مصر الآن.. قدرتها على الإبداع والاختلاف والتميز.. نحن أمام فنانة يجب أن تدرس كل أعمالها لما غيرته في خارطة الدراما والفن عموما.. نأتي إلى مريم نعوم والتي استطاعت أن تقيم اختلاف أخر وهو أن ينسب العمل للمؤلف.. وهذا ما لم يحدث منذ زمن. فالعمل دائماً مقترن بالنجم.. لكن بعد مريم نعوم نستطيع أن نقول (هذا مسلسل مريم نعوم) أضف لهذا (نيللي كريم) أصبحت بلا منازع سيدة الشاشة العربية الجديدة (فاتن حمامة) بشخصية مختلفة تخبرك أنها نيللي كريم وكفى.

الهروب من المشكلة لا يحلها.. الهروب يزيدها تعقيداً

هرب على (محمد فرج) أيضا بعد هروب زوجته الطفلة القاصر (هانيا) حدث ما توقعته.. ذهبا إلى تاجرة المخدرات (عزة – هبة عبد الغني) الانحدار في مسيرة الإدمان يسير سريعاً مهما… زادت الطينة بلة.. سرق (على) صديقه (أنس – مصطفى عبد السلام) برغم وقوفه بجانبه.. فخسره للأبد.. رغم كل ما فعله من اجله.. حتى المشهد المؤلم وهو يساعده في القصاص من (الشيخ الذي احتجزه في مكان الاستشفاء) .. هذا المشهد برع فيه (محمد فرج) والشيخ الذي لا اعرف اسمه للأسف.. لقطات تعذيبه بالصاعق الكهربي وإجباره على التبول وتصوير مشهد التبول غاية في القسوة برع في تصويره تامر محسن وبرع كل من شارك فيه.

اقتل ضميرك أولاً… وستفعل كل شيء دون شعور بالذنب.!

نعود إلى عالم (طارق – انجي – معتز) الثلاثي المبدع (أحمد وفيق – رانيا شاهين – لؤي عمران) .. المشهد مرعب وشديد التعقيد برغم بساطته.. زوجة تخون زوجتها وهو على علم من اجل المخدرات… وصديق يخون صديقه مع زوجته أمام زوجها.. وزوجة تخون الكل من اجل المخدرات برضا الطرفين .. رانيا شاهين وأحمد وفيق تميزا في تحت السيطرة باقتدار… المشاهد تحتاج إلى روية في تفهمها من الناحية السيكولوجية والاجتماعية… لاحظ الديكور في شقة (انجي – معتز) إسقاط وشرح لعالم من الأشباح المدمنة.. بقيا بشر ضيعها الإدمان حتى وصل بها إلى السجن كما حدث وان تم القبض على (معتز – وطارق) وبحيازتهما هيروين.

لاحظ كلمة طارق لزميله في الإدمان (معتز) وهو يقول (قوم اتلحلح انت اللي معاك الطارة) وهي إشارة إلى أن اليوم يومه في شراء المخدرات (الطارة هي دركسيون السيارة)… اللغة هنا نجحت مريم نعوم على أن تكون متناسقة واقعياً مع ما يقوله هذا العالم من أشباح مدمني المخدرات.. حتى نظرات الزوج (معتز) وهو يخبر زميله (طارق) بأن زوجته وضعتهما في جيبها من اجل أن تؤمن لنفسها المخدرات.. يقولها بضمير ميت وبلا غيرة.. كما فعل (طارق) أيضا حين أعاد الأكل الذي اشتراه له أخيه الأصغر ليسترد ثمنه من اجل المخدرات.. ًليرسل لنا رسالة بأنه.. ليس جسد المدمن فقط من يتضرر بالإدمان.. شرفه وضميره يتأثران أكثر.!

لا يدرك الرجل الغبي قيمة المرأة في حياته… إلا حين تخرج منها و تدخل حياة رجل آخر.

فشلت الحياة الزوجية لـ (حاتم – ظافر العابدين) في الاستمرار مع (ياسمين – سمر جابر) أو (باربي).. أكتشف أنها مدمنة تجميل… المشكلة أنها لا تستطيع الإقلاع عن إدمانها… المشكلة الأكبر أنه لم ينسى زوجته (نيللي كريم – مريم).. هو يفعل مع زوجته الجديدة ما فعلته (مريم) معه.. أخيراً أقتنع بأنه جبان وسلبي هرب منها وتركها تنتكس وكان سبباً في عودتها إلى الإدمان… غير انه حين عاد.. وجد رجلا أخر يدخل حياتها.. فهل سيستطيع إبعادها عنه.. أم سيكمل سلبيته ويتركها له كما هرب قبل ذلك.!

ويتردد صوت (نيللي كريم – مريم) بحكمتها الرائعة:

الكثيرون منا يتمسكون بمخاوفهم.. أو شكوكهم.. أو كراهيتهم.. أو احتقارهم لأنفسهم.. لأن الآلام التي اعتدناها تمنحنا أماناً مشوهاً.. حيث يبدو لنا التمسك بما نألفه.. أأمن من التخلي عنه.. في سبيل المجهول.!”

سنرى في الأيام القادمة من مسلسل (تحت السيطرة) .. من من الأبطال فقد سيطرته على ذاته.. ومن منهم (تحت السيطرة).!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in خالد عاشور and tagged , , . Bookmark the permalink.