الفتاة المصرية والانعتاق من عصور الظلمات

طلعت رضوان  طلعت رضوان

شهدتْ مرحلة الانعتاق من عصور الظلمات التى كان آخرها فترة الخلافة العثمانية، التى تـُعتبر بمثابة الامتداد الطبيعى لكارثة الخلافة الإسلامية، شهدتْ مرحلة الانعتاق هذه شخصيات مصرية (نساء ورجال) أرسوا قواعد الخروج من هيمنة الفكر الأحادى الظلامى الذى غزا شعبنا بعد الغزو العربى على مصر، وكان من بين السيدات السيدة نبوية موسى (1886- 1951) وقبل أنْ أتكلم عن دورها فى مجال التعليم، فإنّ أمانة البحث العلمى تقضى بأنْ أنوّه إلى موقفها من الاحتلال الإنجليزى، لأنها لم تكن تعبأ بخروج الإنجليز من مصر، وكانت ترى أنّ رسالتها الحقيقية تنحصر فى تعليم البنات ومساواتهن بالذكور، حتى مرحلة التعليم الجامعى. وقد امتلكتْ شجاعة إعلان موقفها من المحتل، فكتبتْ فى مذكراتها ((ما كنتُ أهتم بالسياسة ولا أود خروج الإنجليز من مصر)) (نبوية موسى – تاريخى بقلمى – هيئة الكتاب المصرية – مكتبة الأسرة عام 2003- ص17) وعندما أشعل شعبنا شرارة ثورة برمهات/ مارس1919 وهى ناظرة مدرسة الورديان بالإسكندرية، رفضتْ اشراك الطلبة والمدرسين فى المظاهرات (المصدر السابق – ص235) 

ورغم موقفها من الاحتلال وإقرارها ((لم أكن أكره الإنجليز)) (ص201) إلاّ أنّ مواقفها العديدة مع (دانلوب) مستشار التعليم الإنجليزى فى مصر، وكيف تحدّته فى أكثر من واقعة، ينم عن شخصية شديدة الاعتزاز برأيها والدفاع عن كرامتها الشخصية. ومن بين الأمثلة العديدة، موقفها عندما تمّ نقلها من مدرسة مُـعلمات بولاق رغمًا عنها بناءً على تعليمات دانلوب، حيث لم يكن لها عمل مُحدّد. وكانت تؤمن بالمثل الإنجليزى ((كنْ رأس كلب ولا تكن ذيل أسد)) لذلك كتبتْ خطابًا باللغة الإنجليزية إلى دانلوب قالت فيه ((أريد يا جناب المستشار أنْ أصارحك بما يجول فى نفسى. أعرف أنك مستشار وزارة المعارف، أى وزيرها الفعلى، وأنّ فى استطاعتك أنْ تفصلنى من عملى، وتمنعنى من التوظف فى جميع مجالس المديريات، وأنت الرجل الإنجليزى نافذ الكلمة. وفى البلد أحكام عرفية. ولكنى أريد أنْ أطلعك على ما يقال فى غيبتك. فأنا أقول لك إنى إذا دخلتُ غرفة نومى قلت فيكَ ما يأتى : إنّ هذا المستشار أشر من الألمان، لأنّ أولئك الألمان يغتصبون حق مُـحارب، أما هو فيغتصب حق مُسالم. وقد اغتصب حقى بعد أنْ وثقت فيه. إنى أعمل لحبى فى العمل. ولكنى ما كدتُ أعمل فى هذه المدرسة ستة شهور، حتى أصبحتُ كزملائى لا أعمل إلاّ لتناول الأجر. فأين ذهبت أخلاقى إذن؟ ومن هو يا ترى سارقها ؟ إنه هو ذلك المستشار الذى سلب غيرى من الناس أخلاقهم ثم سلب بعد ذلك أخلاقى أنا. إنه شر من اللص، لأنّ اللص يسرق أموالا تذهب وتأتى، أما هو فيسرق أخلاقــًا. وإنى لهذا أقول لكَ بصراحة تامة إنى أريد أنْ أسترد أخلاقى. فاعتبر هذا الخطاب استقالة منى)) (ص207، 208) 

لقد تعمّـدتُ ذكر هذا الخطاب لعلــّـه يكون مفتاحــًا لفهم شخصية نبوية موسى، حيث أنّ الجانب المُـهم فى شخصيتها (رغم موقفها من الاحتلال وعدم مشاركتها فى الحركة الوطنية) هو هذا الشموخ وهذه الثقة فى نفسها من فتاة خارجة لتوها من بحر الظلمات، ومع ذلك دخلتْ فى معارك عديدة مع ثوابت القرون الوسطى ومع أسرتها، لكسر قيود الماضى، حتى كانت أول فتاة مصرية تكشف وجهها، وأول فتاة مصرية تحصل على شهادة البكالوريا عام 1907 ثم معاركها العديدة مع مستشار التعليم الإنجليزى، ومع غيره من الإنجليز ومع مديرى المديريات. وفى كل معاركها كان التوفيق من نصيبها. وأنّ هذه المعارك كانت من أجل إصلاح حال التعليم فى مصر.  هدى شعرواي سيزا نبراوى نبويةموسي

ورغم أنّ نبوية كانت محافظة فى زيها، وظلــّـتْ طوال حياتها تـُغطى شعرها وترتدى الكرافت (الرجالى) وتـُفضــّـل اللون الأسود لردائها الخارجى، رغم كل ذلك فإنها كتبتْ رأيها عن سفور المرأة فقالت ((أردتُ السفور فلم أكتب فيه، مع إنى قرأتُ كتب المرحوم قاسم أمين وأعجبتُ بها. والعادات لا تتغيّر بالقول، لهذا عوّلتُ على أنْ أدعو للسفور بالعمل لا بالقول، فكشفتُ وجهى وكفى)) 

ولأنّ المناخ السائد كان لا يزال مناخ الانعتاق من عصور الظلمات، فلم يكن غريبًا ما حدث معها عندما ركبتْ الترام، فقالتْ لها إحدى السيدات : هوّ إنتى مسيحية ؟ (من ص78- 81) والمؤلم أنه رغم مرور أكثر من مائة عام على هذا المشهد، فإنه يتكرّر الآن، مع فارق مهم : فالفتاة (المسلمة) إذا مشتْ فى الشارع وأطلقتْ شعرها ليستحم فى ضوء الشمس ونسيم الهواء، ظنها متعلمون كثيرون (مسيحية) أى أنّ (المتعلمين) انضموا لصفوف الأصوليين الإسلاميين. 

ونبوية موسى أثبتتْ فى أكثر من موقف أنها أفضل من أية ناظرة مدرسة إنجليزية (ص158، 199) وكتبتْ عدة مقالات فى صحيفة (مصر الفتاة) وفى صحيفة الأهرام. ورغم تدينها الشديد امتلكتْ جرأة مخالفة أحد الشيوخ فى موضوع صيام شهر رمضان، حيث قال الشيخ إنّ ((من فوائده تحسين الصحة)) فعارضته نبوية فى ذلك وكتبتْ ((إنى أومن بكل فوائده الأدبية والدينية. أما أنْ نصوم لتصح أجسادنا فهو ما لا أستطيع أنْ أومن به، لأنّ الغربيين وهم قوم مسيحيون لا يصومون رمضان، ومع ذلك فهم أصح أجسامًا منا)) (ص63) وعن الزواج كتبتْ ((أنا أكرهه وأعتبره قذارة وقد صممتُ أنْ لا ألوّث نفسى بتلك القذارة)) (ص87) وكتبتْ أيضًا ((انصرفتُ عن الزواج بتاتــًا، ثمّ شاء الله أنْ تزداد فكرتى رسوخـًا ووضوحـًا، فسمعتُ رجلا يتشاجر مع امرأة فى الطريق ويقول لها ما معناه : امرأة مثلك أقضى فى جوفها حاجتى. شرحتْ لى تلك الجملة ما هناك. وكرهتُ أنْ يقف منى رجل ذلك الموقف القذر المريع. لهذا كنتُ أكره أنْ أسمع عن الزواج فى شبابى. أما بعد أنْ كبرتُ فقد أصبح مجرد هذا الاقتراح سُـبة لا يشتمنى أحد بأقبح منها)) (ص89) 

ونبوية موسى فى طفولتها كانت – مثلها مثل معظم أطفال الريف المصرى – مولعة بتشكيل الطين على هيئة الجاموس والبقر والحمير. بل وتشكيل البيوت من الطين. ولكنها أهملتْ تلك الموهبة التى كانت تؤهلها لأنْ تــُصبح فنانة تشكيلية أو نحاتة. ولكنها كتبتْ عددًا من القصص والأشعار للأطفال صدرتْ فى كتاب عن هيئة الكتاب المصرية – مكتبة الأسرة – عام 2000. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, Isis' Daughters بنات إيزيس, طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.