سيدات حزب الوفد

طلعت رضوان  طلعت رضوان

بعد أنْ تخلــّـصتْ مصر من سيطرة الحكم العثمانى، وبدأتْ تباشير الليبرالية الفكرية والسياسية التى ساهم فيها جيل كبير من المُـفكرين المصريين من السيدات والرجال. وكان من بين السيدات اللائى أدينَ دورًا ملحوظــًا فى الحياة السياسية السيدة هدى شعراوى (1879- 1947) التى شبّتْ فى فترة انعتاق مصر من عصور الظلمات. مع مراعاة أنّ الانعتاق أصعب مراحل النهضة، فعندما قرّرتْ هدى الخروج لشراء احتياجاتها بنفسها، كان رد فعل أهلها كأنها ((خالفتْ قوانين الشريعة)) لعلّ هذا المشهد أنْ يكون مدخلا لصورة هذا العصر المُـظلم الذى تحمّـل فيه جيل من النساء والرجال مسئولية هدم ثوابته المُـقـيّدة لأى نهضة، أو حتى إقامة علاقة إنسانية سوية، مثلما فعل رفاعة الطهطاوى عندما تعهـّد فى وثيقة زواجه أنه لن يرتبط بزوجة أخرى ولا بجارية وفق منظومة (ملك اليمين) الإسلامية. والوثيقة محفوظة فى دار المحفوظات بالقلعة. 

وكتبتْ هدى شعراوى عن زيارتها لباريس ((أعجبتنى باريس، ليس فقط لجمال مبانيها واتساع شوارعها وتنظيم ميادينها وتنسيق مُـتنزهاتها وحـُسن هندام أهلها، وإنما أيضًا لأنّ الإنسان يجد فى كل خطوة فيها ما يُغذى عقله ويوسّع خياله ويُنمى مداركه ومواهبه. ويشب الطفل الفرنسى مُـلمًا بتاريخ بلاده، ولهذا تراه فخورًا بتاريخها المجيد)) (مذكرات هدى شعراوى- دار المدى– عام 2003- ثلاثة أجزاء) 

وصفتْ هدى شعرواى كيف ودّع شعبنا الكاتبة حفنى ناصف يوم وفاتها (21 أكتوبر1918) فذكرتْ أنها عندما وصلتْ إلى منزل الراحلة ((كان نعشها يختصر علينا الطريق ويُقابلنا ملفوفـًا بالعلم المصرى وتسير خلفه جماهير المُـشيعين)) وكان التأبين فى الجامعة المصرية (الجامعة الأهلية التى تأسّستْ عام 1908) 

وعن دور النساء فى أحداث ثورة شعبنا فى برمهات/ مارس1919 كتبتْ ((كنا نـُزكى نار الغيرة فى قلوب الرجال والنساء ونواسى أهل المُـصابين برصاص الإنجليز، ونزور الجرحى ونمد يد المُـساعدة للفقراء)) وكتبتْ عن اضراب الموظفين عن العمل فى دواوين الحكومة وضغوط الإنجليز لإنهاء الإضراب. وقد حاولتْ وزارة رشدى باشا أنْ تنصحهم بالعودة إلى العمل، فثاروا ضدها ونادوا بسقوطها ((وقمنا نحن السيدات نؤيد هذا الإضراب ونـُشجـّع الموظفين عليه. وكتبتْ لجنة الوفد للسيدات إلى رشدى باشا خطابًا تـطلب منه الاستقالة إذا كان عاجزًا عن تسيير دفة الأمور. فلما وصله الخطاب قال ((النساء أيضًا يطلبنَ استقالتى. وها أنا سأقدّمها، فلتطمئنّ نفوسهنّ)) ووصل الدور الوطنى للمرأة المصرية إلى درجة أنّ النساء وقفنَ أمام الدواوين لمنع الموظفين من الدخول، وينتزعنَ أساورهنّ وحليهنّ ويُـقـدّمنها لهم قائلات ((إذا كان أحدكم فى حاجة لمرتبه فليأخذ هذه الحـُـلى، ولا تـُسوّدوا وجوهنا بالرجوع إلى أعمالكم)) 

وقرّرتْ لجنة السيدات بحزب الوفد إعلان المقاطعة لكل ما هو إنجليزى من بضائع وأشخاص وعدم معاملتهم قطعيًا ونهائيًا. وبالفعل تمّ تشكيل لجان المُـقاطعة فى كل أنحاء مصر، مع نشر الكشوف بأسماء المحلات المصرية الجديرة بالتعامل معها ((وكانت هذه بداية الدعوة إلى التعامل مع كل ما هو وطنى)) 

ونتيجة ثورة شعبنا فى برمهات/ مارس19، وبعد أنْ تمّ إزالة الكثير من طين وغبار عصور الظلمات، بدأتْ تباشير الديمقراطية السياسية فى الظهور، حيث جرتْ عملية انتخاب لجنة الوفد المركزية للسيدات يوم 8 يناير1920 فى الكنيسة المرقصية الكبرى. وبعد إعلان تشكيل اللجنة ((إنهالتْ علينا التوكيلات الصادرة من المواطنات فى القاهرة والأقاليم. وتمّ توجيه خطاب إلى أعضاء لجنة اللورد ملنر، جاء فيه : أيها السادة قرّرتْ مصر نهائيًا ألاّ تـُفاوض لجنتكم ما دامتْ تشتمل على أنْ تكون مصر تحت الحماية البريطانية. إنّ الحركة المصرية حركة وطنية محضة خالية من كل صبغة دينية أو تأثير تركى. ولا دخل للبلشفية فيها مُـطلقــًا. وليست نتيجة حالة الغلاء الحاضر كما ذكر بعضهم))  هدي شعراوي

ونقلت هدى شعراوى فى مذكراتها نصوص البيانات العديدة التى أصدرتها لجنة الوفد للسيدات ضد الاحتلال، مثل الاحتجاج على قمع المُـتظاهرين وضربهم بالرصاص، والمُـطالبة بعودة المنفيين، والإفراج عن المُعتقلين السياسيين وإلغاء الأحكام العرفية. ووصل وعى لجنة الوفد للسيدات إلى أهمية العلاقة التاريخية والجغرافية التى تربط مصر بالسودان، فأصدرتْ بيانـًا أكــّـدتْ فيه على موقف الإنجليز الذين ((يعملون على سلخ السودان عن مصر، وهو لها بمثابة الروح للجسد. واعتبار السودانيين رعايا بريطانيين رغمًا عنهم وعن شدة تمسكهم بمصر)) 

000

وامتلكتْ هدى شعرواى شجاعة الكتابة عن خلافاتها مع سعد زغلول، حيث وجـّهتْ له عدة خطابات عبّرتْ فيها عن غضبها وغضب أعضاء لجنة السيدات من بعض تصرفاته وتصرفات رجال حزب الوفد. كما أصدرتْ لجنة السيدات العديد من البيانات – التى تؤكد قراءتها اليوم فى عام 2015- كيف أنّ جداتنا حرصنَ على ترسيخ مبدأ الديمقراطية داخل الحزب، ومن أمثلة ذلك البيان الذى أدانتْ فيه لجنة السيدات موقف سعد زغلول المُهادن لوزارة نسيم باشا بخصوص السودان. فى هذا البيان قالت هدى شعرواى ((أرى من واجبى فى الظروف الحرجة التى تجتازها البلاد أنْ أجاهر برأيى ورأى اللجنة، مُجدّدة احتجاجنا على أعمال نسيم باشا وما نتج عنها من تفريط فى حقوق البلاد)) (بسبب التفريط فى السودان) 

وعندما شكــّـل سعد زغلول وزارة سنة 1924 فقد تجاهل لجنة الوفد للسيدات، لحضور حفل افتتاح البرلمان، فأصدرتْ اللجنة بيان الاحتجاج التالى ((لجنة الوفد المركزية للسيدات تحتج بشدة بصفتها هيئة تـُمثــّـل الأمة التى اشتركتْ فى الجهاد والتضحية لاستقلال بلادها، على رفض طلبها لحضور حفلة افتتاح البرلمان، وترى فى إغفال وزارة الشعب دعوتها، فى وقت دعتْ فيه سيدات أجنبيات عملا لا يليق بالكرامة)) 

وفى يوم 21/3/1924 اجتمعتْ لجنة السيدات وقرّرتْ اللجنة بالاجماع توجيه النظر لمجلس النواب والشيوخ، ليتداركوا بحكمتهم ادخال التعديلات التالية على خطبة العرش : 

1- النص على تعديل الدستور حتى يكون مُـطابقــًا للدساتير الحديثة. وأنْ تـُذكر فيه حدود الدولة المصرية، مع النص على أنّ السودان جزء منها لا يتجزأ. 

2- النص على اصلاح القوانين الخاصة بحرية الاجتماعات والصحافة. 

3- النص على تعديل مواد الدستور الخاصة بالمسئولية الوزارية، تعديلا يجعل الأمة صاحبة الحق فى حكم البلاد. 

4- النص على تقوية الجيش ليكفل المُـحافظة على سلامة الدولة (توقيعات : هدى شعرواى، نعيمة أبو اصبع، روجنيه خياط، نعمت حجازى، استر ويصا، فايقه رفيق، ألفت راتب، عزيزة فوزى، احسان أحمد وفكرية حسنى) 

وفى عام 1924 أصدرتْ لجنة السيدات بحزب الوفد كتابًا صغيرًا مهمًا تضمنَ برنامجًا سياسيًا شاملا، وتمّ توجيهه إلى رئيس مجلس الشيوخ جاء فيه : ((الحرص على تعديل دستور1923، وأنّ السودان جزء لا يتجزأ من مصر، وضرورة إلغاء القوانين الاستثنائية، ومساواة الجنسيْن فى التعليم، وفتح أبواب التعليم العالى للفتيات، وتعديل قانون الانتخاب لاشراك النساء مع الرجال فى حق الانتخاب، وضرورة سَـنْ قانون يمنع تعدد الزوجات إلاّ للضرورة، كأنْ تكون الزوجة عقيمًا أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية، وفى هذه الحالات يجب أنْ يثبت ذلك الطبيب الشرعى، وكذلك سَـنْ قانون يُـلزم الرجل ألاّ يُطلــّـق زوجته إلاّ أمام القاضى، مع محاولة التوفيق بحضور حكم من أهله وحكم من أهلها قبل الحكم)) 

وفى عام 1925 أصدرتْ هدى شعراوى مجلة (المصرية) باللغة الفرنسية ((للتعريف بأحوال المرأة المصرية وتطورها)) وللسيدة الجليلة هدى شعراوى الكثير من الأفضال على الحركة الفنية، مثل إقامة المعارض لفن الخزف والفن التشكيلى، ومساعدتها للفنان الكبير سعيد الصدر عندما خصـّـصتْ له مكانـًا لـيُبدع فيه، وأمدّته بالمال لشراء الخامات اللازمة. ومساعدتها للنحات المُبدع عبد البديع عبد الحى (وهو فنان فطرى) وكذلك تخصيصها عدة جوائز للكتاب والفنانين. 

لقد كانت هدى شعرواى وجيلها من السيدات والرجال، أزهارًا فى حقل الليبرالية المصرية، الجيل الذى كتب سطور الانعتاق من عصور الظلمات، ووضعوا بذرة الدولة العصرية فى حنايا مجتمعنا المصرى، وعندما اقتربتْ لحظة ميلاد هذه الدولة، حدث الإجهاض القاتل على يد ضباط يوليو1952، ولعلّ ما كتبته د. لطيفة الزيات فى وصفها لجنازة عميد الثقافة المصرية (طه حسين) أنْ يكون أدق تعبير عن جيل الروّاد الذين أرسوا قواعد علمانية الدولة، حيث كتبتْ ((وأنا أشيّع جنازة طه حسين، شعرتُ أننى أشيّع عصرًا لا رجلا، عصر العلمانيين الذين جرؤوا على مساءلة كل شيىْ)) 

Print Friendly
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, Isis' Daughters بنات إيزيس, طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.