هنري كيسنجر: النظام العالمي و الصراع في الشرق الأوسط

احمد خير الله            احمد خير الله              

في كتابه “النظام العالمي” يرى كيسنجر الحاضر و المستقبل من منظور الماضر ، حيث يقدم قراءة فلسفية للتاريخ وصولا لفهم الممارسة الدبلوماسية ، فكيسنجر يرى أن التاريخ يمكن إكتشافه بصورة مستمرة ولا يمكن العثور على غايته النهائية  أو الإقرار بمغزى حركته.

يقدم كيسنجر في هذا الكتاب كما يراه جمال ابو الحسن في مقاله في مجلة السياسة الدولية “إنجيل السياسة الواقعية” السياسة التي تنطلق مما هو قائم و تتحرك في هامش محدد لا تتخطاه ، تتعامل مع الواقع بحسابانه معطى متغير ؛ حيث لا أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون في العلاقات الدولية ، إنما يوجد مصالح دائمة.

يرى كيسنجر أن الشرق الأوسط يعيش اليوم حالة شبيهة بالحروب الدينية التي خاضتها اوروبا أوروبا قبل صلح ويستفاليا ١٦٤٨ ؛ وهي معاهدة سياسية أنهت حرب الثلاثين عاماً التي مزقت أوروبا ، و افرزت الدولة ذات السيادة وهو ما تأسس عليه النظام العالمي سواء كان ثنائي أو أحادي أو متعدد الأقطاب .

ولا يرى كيسنجر في هذا الصلح أنه يمنع الصراعات و النزاعات و إنما يحصرها ويحددها بعيدا عن حروب فرض العقيدة الدينية إلى حروب من أجل تحقيق المصلحة القومية للدولة ، أما النقطة الأخرى الجوهرية في هذا النظام هي توازن القوى ، وهذه النقطة يراها كيسنجر تهديد رئيسي لهذا النظام حيث أن الواقع في تغير مستمر و بالتالي تصبح عملية احتواء الدول الصاعدة داخل النظام أكبر تحد يواجه استمراره.

جوهر التناقض بين الحضارة الإسلامية التي هي مصدر الإلهام لفكر الإسلام السياسي و بين نظام ويستفاليا ، هي أن التجربة التاريخية الإسلامية لم تكن نقطة إنطلاقها من الدولة و إنما مفهوم “دار الإسلام و دار الحرب” و فكرة الجهاد المقدس ، حيث أن الولاء للدولة القومية انحراف عن الدين و أن الحكم القائم في “دار الحرب” في نظر المسلمين يعتبر غير شرعي .

العالم الإسلامي أسس نظاما دولياً قائماً بذاته تمثل في الإمبراطورية العثمانية التي ظلت قرون أقوى من تحالفات أوروبا ، لكنها عندما ضعفت فإن الدول العربية التي نشأت من رحم انهيار الامبراطورية بواقع سايكس بيكو ١٩١٦ كانت دول بالإسم فقط و لكن داخلها الصراع بين الفكرة المرتبطة بالإسلام السياسي و الفكرة العلمانية .

ومن ثم فإن نظرة حسن البنا الذي وضع مبدأ استاذية العالم و من بعده سيد قطب الذي روج لفكر الجهاد من أجل الوصول لهذه الأستاذية للنظام العالمي ، نظرة رفض لهذا النظام ، وهذه النظرة لم تبقى خياليه و إنما وجدت هذه الأفكار من يؤمن بها و يعمل بحماس من أجل تطبيقها .حسن البنا وسيد قطب  اخوان

هذاالمشروع السلطوي عندما وصل إلى الحكم في مصر و بعض الدول العربية سقط أمام موجه عارمة من السخط الشعبي.

و يرى كيسنجر كما يوضح جمال أبو الحسن الباحث المتخصص في السياسة الخارجية ، أن الربيع العربي ظاهرة كشفت تناقضات العالم العربي ، لكنها لم تقدم حل ، و من منطلق الطابع المحافظ لكسينجر فإنه يقف أمام مخاطر الثورات و يقف عند هتاف “الشعب يريد اسقاط النظام” و يتساءل عن السياسة الأمريكية ؛ هل تساند الولايات المتحدة أي وكل انتفاضة شعبية ، حتى تلك التي تقع في دول تعد تعد مهمة لاستقرار النظام العالمي ؟

و هل أي مظاهرات تعد ديمقراطية ؟

هذه الأسئلة ارى اننا يجب أن نوجهها أيضا لأنفسنا ؛ فما هو النظام الذي سعينا لإسقاطه ؟

وما هو النظام الجديد الذي رغبنا في  استبداله محل القديم ؟

هل كل مظاهرة تعد ديمقراطية وعلينا أن نؤيدها؟

فإن كان في اسئلة كيسنجر اتهام بفشل السياسة الأمريكية في التعاطي مع ظاهرة الربيع العربي ، فإن إجابتنا نحن على الأسئلة تحدد الفرق بين الربيع العربي و الخريف الإسلامي الذي إن كان يهدد النظام العالمي و يسعى القطب الأكبر في هذا النظام لإحتواءه ، فإنه في نفس الوقت يهدد قيام الدولة القومية و التي هي أحد اركان قام عليها هذا النظام  العالمي

و في ظل دول انهارت بالفعل في المنطقة تحت تأثير هذا الخريف الإسلامي ، في ظل صراعات القبائل و الطوائف و حروب الجميع ضد الجميع ، اصبحت رقع سكنيه كبيره مرتع للإرهاب ، هناك دول أخرى لم تنجح في إقامة دولة بمفهومها الحديث و تتأرجح بين النجاح في الإستمرار بشكلها الهيكلي و الفشل في تلبية احتياجات و تطلعات المواطنين ، في الوقت الذي تواجه جماعات الإسلام السياسي التي تعتقد أنها تخوض حرب وجودية من أجل البقاء.

و في ظل هذا الصراع هناك دول اصبحت تفكر كثيراً قبل الإستماع للنصائح الأمريكية ، متجهه إلى توسيع هامش حركتها بالإعتماد على قوى عالمية أخرى ، بعد أن فقدت الولايات المتحدة مصداقيتها نتيجة تخليها عن نظم صديقة لها عقب اندلاع ثورات الربيع العربي ، وهو ما يعزز من قوة هذه القوى العالمية بشكل لا يمكن معه توقع شكل النظام العالمي القادم و الذي مازال قيد التشكيل .

كذلك فإن إيران تسعى لبناء امبراطوريتها التي تتستر برداء الثورة الشيعية المقدسة و التي تنظر لنفسها بإعتبارها قضية و ليست دولة تتعايش جنباً إلى جنب مع دول اخرى ذات سيادة و استقلال ، و هي شأنها شأن حركات الإسلام السياسي لا تعترف بالدولة ككيان شرعي ، و إنما سلاح يمكن اللجوء إليه وقت الحاجة من أجل شن الحرب الدينية المقدسة.

ولا تختلف اسرائيل مع هذا المنظور و إنما ترى ايضاً هدفاً مقدس يجب الدفاع عنه من أجل إقامة الدولة اليهودية و هو منظور يناقض فكرة الدولة الإسلامية التوسعية .

وهو ما يفسر رؤية كيسنجر للمنطقة بأنها تمر بفترة حرب فرض عقيدة ، يحارب فيها الجميع ضد الجميع.

و برغم ما يقدمه كيسنجر من فهم للحاضر بحسابه امتداد للماضي إلا أنه يصعب تخيل شكل النظام العالمي أو حتى الشرق أوسطي الذي يعج بأيديولوجيات و مشاريع سياسية لإسقاط النظام الإقليمي و العالمي بإعتبار هذه المشاريع خلاصية .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.