العلم والإيمان

 مادونا عسكر / لبنان  مادونا

عندما نتحدّث عن صراع بين فكرين أو منهجين أو إشكاليّتين، فلا بدّ أن نحكّم العقل أوّلاً ونستدلّ به على أفكار منطقيّة وحجج عقلانيّة، تساهم في بلورة الأفكار المطروحة. ثمّ ندفعه ليلعب دور الموفّق بين الفكرين في حال تعسّر الاستغناء عن أحدهما. كما علينا استدعاء مخزون الذّاكرة من خلال خبراتنا الشّخصيّة في الحياة، سواء أكانت نظريّة أو عمليّة، وبالتّالي وضعها رهن هذين الفكرين أو المنهجين أو الإشكاليّتين، ليتسنّى لنا فهم الصّراع واستيعابه انطلاقاً من الواقع وليس انطلاقاً من النّظريّة فقط. إلّا  أنّنا نحتاج كذلك إلى خبرتنا الرّوحيّة والّتي هي جزء مهمّ في مسيرة حياتنا. فالإنسان ليس عقلاً فقط، وإنّما هو عقل وعالم داخليّ لا يمكن اكتشافه إلّا بتأمّل الذّات من خلالّ كل ما يدور من حولها، ومن خلال انفتاحها على المطلق. وعلى الرّغم من وجود أشخاص لا يؤمنون بالمطلق إلّا أنّه لا يمكن غضّ النّظر عنه وذلك لأسباب عدّة، أهمّها توق الإنسان إليه. فالإنسان يبحث باستمرار عن المطلق بمعنى غير المقيّد والمكتفي بذاته، كبحثه عن الحقيقة أو عن الحرّيّة، أو عن الحبّ. فهو لا يبحث عن الحقيقة الجزئيّة وإنّما المطلقة. كما أنّه لا يبحث عن الحرّيّة المقيّدة وإنّما المطلقة، أي أنّ الإنسان يتوق إلى ذلك الأساس الجوهري في كينونته.

ولكن إذا كان الصّراع قائماً بين منهجين، أحدهما  يتطلّب تصديقاً بالقلب، وهو الإيمان، والآخر يفترض تصديقاً بالعقل، وهو العلم، فكيف يمكننا أن نجمع بينهما في حين أنّ الإيمان لا يمكن شرحه منطقيّاً أو عقلانيّاً،  وإدراجه ضمن معادلات حسابيّة. كما لا يمكننا أن نجد له صيغة علميّة أو تعريفاً علميّاً ومنطقيّاً، وإلّا لآمن الجميع أو أقلّه لما تخلّى مؤمنون كثر عن إيمانهم.  بالمقابل، يفترض العلم منطقاً حسابيّاً، ونقاطاً محدّدة وثابتة من خلال الاختبار العقليّ والتّجريبيّ. كما أنّه يخضع للحسّ والحواس، ومتى ثبتت نتيجته أصبح حقيقة واقعيّة. قد تختلف مدارس العلم، وتختلف الآراء، إلّا أنّ التّجربة خير برهان لإثبات أي نظريّة أو لتأكيد أي مفهوم فكريّ أو فلسفيّ، أو لتعزيز أي رأي علميّ والعمل به.

ولمّا كان الإيمان لا يخضع للمنطق في حين أنّ العلم يخضع له، صعُب التّقارب بينهما، خاصّة أنّ الحقائق العلميّة مقنعة للعقل البشريّ أكثر من الحقائق الإيمانيّة.

 

– بين العلم والدّين:

إنّ مسيرة الإنسان منذ البدء، مسيرة اكتشافات علميّة وابتكارات إبداعيّة، ساهمت بتقدّم الحياة الإنسانيّة على جميع المستويات الفكريّة والعمليّة. فتعرّف الإنسان من خلال هذه الاكتشافات على واقعه وأهمّيّة الأشياء من حوله. وتطلّبت منه هذه الاكتشافات خبرات طويلة تأرجحت بين الفشل والنّجاح، وبين الاختبار والتّجريب والحصول على نتائج. ولا بدّ أنّه في هذه المسيرة اكتشف ذاته الخارجيّة، وتساءل طويلاً حول ذاته الدّاخليّة، ذلك العالم الدّاخليّ الّذي يستفزّ العقل للبحث فيه أكثر فأكثر.

هذا العالم الدّاخليّ والعميق، نافذة نحو التّطلّع إلى الجوهر الأساس في حضور الإنسان، وهو التّأمّل في ما هو أبعد من المادّة وأعمق من الحسّ وأعظم من الطّاقة المعرفيّة العقليّة. إنّه الإيمان، أيّ التّفاعل الإنسانيّ مع الصّوت الدّاخليّ الكامن فيه، والعلاقة القائمة بينه وبين النّور الدّاخليّ المرشد إلى الحقيقة.  ونجاح هذا الإيمان أو هذا التّفاعل، يتوقّف على عامل أساسي: الاختبار الشّخصيّ والفرديّ، والسّماح للعقل بقبول هذه الحقيقة، مع احترام أنّ هذه التجربة الشّخصيّة تختلف من إنسان إلى آخر. وبما أنّها علاقة اختباريّة، فلا بدّ أن تختلف، وتتميّز وتعبّر عن ذاتها بحسب كلّ إنسان. هذا التّفاعل بين الحالة الإنسانيّة وحالة النّور الدّاخليّ، خلق فكرة الإله، ولا نقول خلق الإله. لأنّ الفكرة غير الشّخص، والمقصود بخلق الفكرة، هو خلق المفهوم لهذا النّور وتبيّن جوهره. نتج عن ذلك عدّة منظومات اجتماعيّة، انغلقت تدريجيّاً على بعضها البعض لتخلق مبدأ” الدّين”. ونرى في كلّ دين عدّة مفاهيم نتجت عن خبرات الإنسان، وتدرّجت بحسب مفهوم الإنسان للحضور الإلهي. بمعنى أنّها انطلقت من واقعها لتفسّر ظواهر وحقائق عدّة، كالحياة والموت، والطّبيعة… لكنّ هذا لا ينفي أنّها استشفّت الحضور الإلهي ساعية جاهدة إلى إدراك حقيقته. ولئن اختلفت الخبرات الدّينيّة الإنسانيّة، نظرنا إلى الإيمان كمبدأ ثابت، لأنّه أعظم من المنظومة الدّينيّة، إذ إنّه يعتمد على علاقة بين شخصين، الإنسان والإله، ولا يعتمد على قوانين جامعة. فالإيمان كعلاقة تفاعليّة بين الإنسان والإله، عكس ما هو أبهى من الالتزامات التّشريعيّة وأرفع من الطّقوس.   كشف الإيمان عن حقيقة جوهر الإنسان التّائق إلى الحقيقة الإلهيّة المتجلّيّة في داخله، ولقائه بالإنسان نتيجة هذا التّفاعل. وبالتّالي فالحديث عن الإيمان يختلف بشكل أو بآخر عن الحديث عن الدّين.

يستطيع العلم أن يتدخّل في الدّين وأصوله الكتابيّة، وتبيّن صحّة نصوصه وتاريخه، وتصويب ما أمكن تصويبه، واستبعاد مضمونه الأسطوريّ. لكنّه لا يستطيع أن يتطفّل على الإيمان من حيث أنّه اختبار شخصي وعلاقة تفاعليّة. كما أنّ العلم لا يمكنه شرح هذا الإيمان من النّاحية المنطقيّة البحتة، لأنّه نتج عن هذه العلاقة حبّاً بين العلو والعمق، يعسر على العلم والتّحليل فهمها جوهريّاً.

من هنا يمكن الفصل بين العلم والإيمان، فالأوّل يخضع للتّحليل والاختبار الحسّي والمادّي، وأمّا الثّاني فتفاعل علائقيّ حرّ لا يخضع إلّا لإرادة الإنسان الحرّة، وقدرته على استيعاب النّور الكائن فيه. إلّا أنّه ينبغي أن يكون علاقة بين العلم والدّين، من حيث إثبات الحقائق الكتابيّة وتاريخيّة النّصوص والمخطوطات، وصحيّة حدوثها، لا من حيث حقيقة الوحي. فالعلم ساهم إلى حدّ بعيد في الوصول إلى تفسير ظواهر عديدة عجز عنها الدّين، ذلك لأنّ مهمّته روحيّة وليست علميّة. وبالتّالي فعلى الدّين أن ينفتح على العلم كيما يتمكّن من الخروج من القوقعة الدّينيّة والانغلاق الفكري، ومن إقناع نفسه بامتلاك الحقيقة المطلقة. هذا اللقاء بين العلم والدّين، لا ينفي بطبيعة الحال حضور الوحي الإلهي، فليس من شأن العلم إثبات هذا الوحي، مع التّأكيد على انعدام قدرته.

قد يعتقد البعض أنّ العلم يهدّد الدّين، كونه وصل إلى نتائج مخالفة لما ورد في الكتب الدّينيّة، بيد أنّه كما ذكرنا، أنّ العلم ينطلق من حقائق وإثباتات ودراسات، وأمّا الدّين فانطلق من واقع إنسانيّ ليشرح ما لم يفهمه. فبين قصّة الخلق في شتّى الرّوايات الدّينيّة والإثباتات العلميّة، اختلاف كبير.  هذا الأمر لا يهدّد بأي شكل من الأشكال الدّين، لأنّ الإنسان لم يكن شاهداً على عمليّة الخلق، وبالتّالي كلّ ما قدّمه العلم بهذا الخصوص يخضع للدّراسة بهدف إثبات ما يمكن إثباته، واستبعاد ما ليس منطقيّاً. ومتى ثبتت الحقائق العلميّة، فلن تؤثّر بأيّ شكل من الأشكال على الدّين، لأنّها ستصبّ في عمليّة الخلق. مع الأخذ بعين الاعتبار، أنّ للعلم حدود معيّنة يقف عندها ويعجز عن إدراكها. فيمكن للعلم أن يشرح كيفيّة ولادة الإنسان، ويتابع نموّها ويحدّد تفاصيلها، لكنّه لا يستطيع أن يشرح ماهيّة الحياة. ويستطيع أن يدرك أسباب الموت، لكنّه غير قادر على تبيّن ماهيّة الموت. 

– بين العلم والكتب المقدّسة:

حارب رجال الدّين العلماء في ما مضى بشراسة، نظراً لاكتشافاتهم المتناقضة والمعلومات الموجودة في الكتب المقدّسة. وإلى يومنا هذا ما زالت بعض الجماعات الدّينيّة ترفض الانفتاح على العلم، معتبرة أنّه لا يجب المسّ بالكلام الإلهي، مهما شكّلت البحوث العلميّة حقائق مثبتة. بيد أنّ على الكتب المقدّسة أن تعترف بأنّها ليست كتباً علميّة. الكتب المقدّسة  خطّت الخبرة الإنسانيّة مع الله عبر العصور، ولا بدّ أنّها تلقّفت الكلمة الإلهيّة على ضوء قدراتها، سواء أكانت قدرات ضعيفة أو قويّة. وبالتّالي لا يمكن اعتبارها كتباً علميّة أو تاريخيّة. وما تحمله هذه الكتب من معلومات تاريخيّة أو علميّة، يمكن أن تندرج في إطار الوحي أو الصّورة الرّمزيّة للخبر، أو عدّها خبرة روحيّة تُرجمت بصورة معيّنة.

من الخطير اعتبار الكتب المقدّسة كتباً علميّة، لأنّ العلم قابل للنّقد والتّطوّر. وقد تنفي نظريّة علميّة نظريّة أخرى، وتضحد اكتشافات حديثة اكتشافات سابقة. وبالتّالي فمن غير الممكن الأخذ بعين الاعتبار معلومات الكتب المقدّسة العلميّة كحقائق ثابتة لا نقاش فيها. بالمقابل، إنّ اعتبار الكتب المقدّسة كتباً تحتوي على حقائق علميّة مهين بحقّ الله. فوكأنّنا نقول إنّ الله أعطى معلومات ناقصة أو غير دقيقة، وتاه عنه ذكر معلومات علميّة تقدّمت على الكتب المقدّسة.

على الكتب المقدّسة أن تنفتح على العلم، وتقبل باجتهاداته الفكريّة، وتحترم نتائج أصول التّنقيب والبحث العلميّ. مع التّأكيد أنّ هذا الاحترام للعلم لا يمسّ بالوحي الإلهيّ، لأنّ ليس هدف الإله إعطاء البشريّة معلومات علميّة أو تاريخيّة، بل هدفه إشراك الإنسان في تحقيق السّعادة على الأرض وتحقيق ذاته فكريّاً ونفسيّاً وروحيّاً.   

 

– توافق العلم والإيمان، أو تباين العلم والإيمان:

من المؤكّد أنّ للعلم رسالة مغايرة للرّسالة الدّينيّة لكنّ الاثنين معاً يصبّان في خدمة الإنسان. كما أنّ العلم يسعى إلى تحقيق الصّورة الإنسانيّة بطريقة مختلفة عن تلك الّتي يسعى إليها الإيمان. فالعلم يحاكي ما هو منظور، ويعالج ما يرى، ويستنتج وفقاً لدلائل ماديّة. أمّا الإيمان كعلاقة خاصّة بين الإنسان والله، يتعاطى مع الإنسانيّة وسلوكها بلغة أخرى، ونكاد نقول أنّه يتبيّن من خلال هذه العلاقة الأرضيّة السّماويّة ما هو غير منظور، محاولاً تحقيق الكمال الإنسانيّ. بالمقابل، إذا ما فصلنا بين العلم والإيمان، فوكأنّنا نبتر جزءاً مهمّاً من الحياة الإنسانيّة ونحوّل الإنسان إلى آلة عقليّة، تحلّل وتتفحّص وتستنتج وحسب. وقد يسعنا القول إنّ العلم بدون إيمان، يحوّل الإنسان إلى وحش. لأنّ للعلم كلّ الإمكانيّات في تدمير الإنسانيّة لمصلحة الفرد. والإيمان بدون العلم، إيمان اعتباطي وهشّ، يخضع للجهل، ويقف عند حدود التّصديق عن غير وعي. 

طالما أنّ العلم في خدمة الكرامة الإنسانيّة، فهو يتوافق مع الإيمان. لكنّه عندما يُستخدم في سبيل انتهاك حرمة الإنسان والاعتداء على كرامته، يختلف مع الإيمان بشكل قاطع. إنّ العلاقة بين الله والإنسان، أي الإيمان، تفترض علاقة مع الآخر. فإذا كانت العلاقة مع السّماء سليمة، اتّخذت نفس السّلوك مع الآخر، والعكس صحيح.

العلم والإيمان جناحا الإنسان، يطير بهما نحو الإنسانيّة الكاملة. والتّخلّي عن أحدهما يسهم في اعوجاج السّير نحو اكتمال الإنسانيّة.

This entry was posted in مادونا عسكر and tagged , . Bookmark the permalink.