المثلية: بين الدين وحقوق الإنسان.. بين الله وقيصر

أرنست وليم  ارنست وليم

بالتأكيد، ومما لا لبس فيه أن هناك نصوص واضحة صريحة في الكتاب المقدس بعهديه، تجعل من الممارسة الجنسية التي تجمع بين أفراد من ذات الجنس خطيئة تستوجب العقاب في العهد القديم/التوراة – وهذا العقاب هو القتل: “إذا اضجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا رجسا كلاهما، إنهما يقتلان ودمهما عليهما” (لاويين 20:13)، والوعيد بالحرم من دخول الملكوت السماوي في العهد الجديد، بدون تشريع عقوبة أو حد يطبق على المقترف لهذا الفعل حسب نصوص العهد الجديد من اناجيل ورسائل واعمال رسل.. إلا أن العالم المسيحي وفي ازمنة سلطة الكنيسة الموازية لسلطان الدولة أو المتفردة بالحكم اعتبرت العقوبة المنصوص عليها في العهد القديم سارية المفعول، إلهية من خالق البشر الأعرف بالبشر من معرفتهم لأنفسهم – وشريعته عادلة نورانية وفي تطبيق الحدود رحمة وما الحكم إلا لله 

وعلى ذلك تحولت المجتمعات الأكثر تساهلا في قبول المثلية الجنسية مثل المجتمعات اليونانية بثقافتها الهيلينية والهيلينستينية على السواء – أي اليونانية الكلاسيكية الأثينية، واليونانية الشرق أوسطية بعد الاسكندر الأكبر – وكذلك المجتمعات الرومانية اللاتينية والاتروسكية.. أو القبائل الجرمانية والبرابرة…… إلخ..إلى مجتمعات تجرم المثلية تدريجيا مع انتشار المسيحية بين هذه الشعوب.. وصارت القاعدة في الممالك المسيحية هي تطبيق عقوبة القتل العلني حرقا، كرادع وليشهد طائفة من المؤمنين هذا العقوبات البدنية بل ويشارك فعليا بوضع الحطب وتقريب النار أو رمي الأحجار وفق الفلسفة التشريعية التوراتية.

 ففي حالة المثلية الجنسية يتم عموما الأتي: يربط الاثنين معا وبينهم خازوق وإشعال النار تحته حتى تتطاير الأدخنة محملة برائحة الشواء البشري لإنسان – وكان هذا الحرق للمتهمين يتم غالبا وهم أحياء ولكنه صار مع الزمن يتم الحرق بعد تطبيق عقوبة الإعدام إما خنقا أو بقطع الرقبة بالبلطة – فالسيف كرامة لا يستحقونها – فسار الانجيل جنبا إلى جنب مع حرق المثليين متى كان لرجال الدين التأثير الفصل في وضع القوانيين وتطبيق الحدود..

وكما سبق واشرنا ونؤكد أن هذه العقوبة ما عُرفت ولا انتشرت إلا بانتشار المسيحية، وما استلهمته من الكتاب المقدس في تطبيق شريعة الله بحسب نص الكتاب المقدس ولا اجتهاد مع النص. 

في عام 1779م حاول توماس جيفرسون وهو حاكم ولاية فيرجينيا قبل ان يصير عام 1881 ثالث رئيس للولايات المتحدة الامريكية – وواحد من الآباء المؤسسين – التخفيف في عقوبة المثلية الذكورية باستبدال القتل بالإخصاء – بتر الأعضاء التناسلية -.. فهبت امريكا كلها ضده معتبرة اياه يريد اسقاط حد من حدود الله، مما اضطره للتراجع.

فقط في عصر الانوار أو المسمى أحيانا عصر الموسوعات – القرن الثامن عشر –  في فرنسا بدأ الفلاسفة وعلماء الاجتماع يفكرون في بشاعة العقوبة بالمقارنة لطبيعة ودرجة الجرم.. فيبقى في النهاية فعل يتم بالتوافق بين بالغين ليس فيه اجبار، وإن اتفق أغلبهم، أو على الاقل الاسماء الأكثر شهرة بينهم، مثل مونتسكيو، دنيس ديدرو – فولتير – روسوا – سيزار بوتشيريا…. إلخ، على اعتباره عمل منحرف شاذ ضد الطبيعة.. فتحول العقاب من القتل تدريجيا نحو السجن والعزل، ولم يكن ممكنا تحول العقاب من القتل إلى السجن إلا بعد التخلص التدريجي من ثقل النص المقدس والحكم على الأشياء وفق طبيعتها وتأثيرها على المجتمع لا بحسب قال الله وقال الكتاب والله أعلم وأدرى، ولا عقاب للمثليين إلا بالقتل فهو تنزيل من عند عزيز حكيم.

وتعتبر قضية ” جون ديو – و برينو لونوار” اللذان ضُبطا في ذات الفعل، عام 1750م هي اخر قضية مثلية يطبق فيها عقوبة القتل على المثليين في فرنسا.. وقد تم تطبيق الحكم عليهما بالخنق حتى الموت ثم حرق جثمانهما في واحدة من اكبر ميادين باريس في ذلك الوقت “بلاس دى جريف “…

ثم توالت القوانين في أوربا بتخفيف العقوبة لجعل المؤبد والعزل بديل لتطبيق حد التوراة في كل اوربا تدريجيا حيث لم يعد مقبولا القتل كعقوبة على المثلية.. فبرسم خريطة للعالم المسيحي الغربي تجد ان انحصار سلطة الدين على المجتمع وتحجيم تدخل رجال الكنيسة في الشأن العام يعني بالتبعية والضرورة تخفيف العقوبة. 

كانت فرنسا هي اول دولة تحذف المثلية من قائمة الجرائم او المخالفات التي يعاقب عليها القانون في عام 1791م.. ولما صدر القانون النابليوني عام 1810م لم يعود لتجريم المثلية بل اكد على الحرية الشخصية للبالغين.

 وكان للانتشار الواسع للقانون الفرنسي وأثره الكبير في الغرب ثقافيا وحضاريا وتشريعيا، جعل الكثير من الدول الأوربية إما أن تنهج ذات النهج او تخفف العقوبة تدريجيا.. حتى ان انجلترا رغم انها من الشعوب الاكثر تحفظا في اوربا – وحفاظا على التقاليد المتوارثة المتأثرة بطبيعة الحال بالثقافة “الجيدو-كرتين” (اليهودو-مسيحية)- قد خففت عقوبة المثليين إلى 10سنوات عام 1861م، وبعد ان كانت قد ابطلت الاعدام كعقاب منذ عام 1836م. 

بقيت المثلية ورغم تخفيف العقوبة عملا مستهجنا.. حتى عادت المذابح ضد المثليين مع النازيين، واعتبر النازي ان تهاون المجتمع مع المثليين والعقوبات الغير رادعة للحكومات المتتابعة “لجمهورية فايمر” [*] – التي حكت المانيا من 1919م بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولي إلى 1933م وصول النازيين وبداية تأسيسهم للريخ الثالث – هو سبب انحطاط المجتمع الألماني وسبب خسائره المتتالية وانحداره إلى الدرك الأسفل – تركنا حكم الله فتركنا- على طريقة الاصولية الدينية بكل تفريعاتها- 

وما أن تمكن النازي من السيطرة حتى نكل بالمثلين أشد التنكيل، وفي الفترة ما بين 1934 إلى 1945 كان هناك أكثر من 100 الف شخص تم القبض عليهم بتهمة المثلية من الألمان وحدهم.. 

الغالبية العظمى منهم قد لقي حدفه داخل المعتقلات النازية لتصفيتهم بأبشع الطرق، وكانت معاملة المثليين هي الأقسى على الإطلاق فقد عانوا مع اليهود كل ما تفتقت عنه العقلية النازية من سادية جنونية.. وكان عليهم ان يميزوا انفسهم وضع علامة على الكتف على شكل مثلث مقلوب باللون الوردي. 

طورت النازية في ذلك الوقت برامج علاج على اعتبار المثلية مرض – فخضعوا لتجارب كيميائية وجراحية شوهتهم مما دعى الكثيرين منهم يطلبون من القاضي أن تجرى لهم عملية اخصاء حتى يتم بعدها تخفيف العقوبة الصادرة بحقهم. 

حتى لا نطيل نقول لا يوجد مجتمع عنصري ديكتاتوري فاشي ثيؤقراطي أصولي إلا وكان موقفهم من المثلية لا يكتفي بالتقزز والاحتقار بل حسب درجة تأدلجه يصير جانحا إلى العقاب الذي يبلغ ذروة الاشباع بالقتل –على ان يكون بالنار على مثال سادوم وعمورة.. التي حكم فيها على أطفال ورضع لم يبلغوا سن الإدراك ليعرفوا معنى الجنس من الأساس.. فكان عقابا رادعا – استباقيا – والله أعلم بما سيصيرون عليه لو كبروا.. ونضرب للناس الأمثال لعلهم يعقلون.. 

……

فلو خرج علينا اليوم رجل دين مسيحي يقول مثلا: أنا أؤمن أو كنيستنا تؤمن أن هذا الفعل هو خطيئة تستوجب الندم والتوبة وطلب الغفران لأن النص يقول: “ام لستم تعلمون ان الظالمين لا يرثون ملكوت الله، لا تضلوا لا زناة ولا عبدة اوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو 6: 9،10) ويضيف واعظا: فكل هذه شرور وخطايا تحرم الإنسان الذي يستمر فيها من دخول الملكوت –الجنة- النعيم- الفردوس – حضن ابراهيم – حضن الآب – ملكوت ابن محبته……. [إلى أخره من الاسماء ذات المدلولات العقدية المختلفة على حسب اعتقاد البعض ولكنها تستعمل غالبا بنفس المعنى] وعليه فالكنيسة ورجال الدين يشجعون ويرشدون الناس بالتخلي عن كل هذه الممارسات لخير النفوس والأرواح في الدنيا والآخرة وقت أن يقف يسوع ليفصل بين الخراف الأبرار وبين الجداء الأشرار.. إلخ إلخ إلخ… كل هذا جيد لا يلومهم أحد عليه بل نقول ونؤكد على أن هذا دورهم وهم للنصح وللتعليم وللمشورة لأبناء كنيستهم بما هو موافق لعقيدة المؤمنين بهذه العقيدة.. نقول كل هذا لا بأس به، وهذا حقهم على رعيتهم وحق رعيتهم عليهم وفي الأيمان بهذا أو بغيره كما يحلو لهم.

فالعلمانية هي حماية الجميع في التعبير عن عقيدته فلا يجبر لا على الاعتقاد بشيء ولا على فعل وممارسة شيء لا يؤمن به

فهل انتهى الأمر برجال الدين الأصوليين عند هذا الحد.. أي الاكتفاء بالنص الذي يُحرم، فيصير ما حُرم بالنص حراما ومن أمن بعقيدته وكنيسته وكتابه أنه حرام، فليكن عليه حراما لا يفعله لأنه مدان من نص مقدس موحى به من الروح القدس.. وليس لهم دخل بما يحدث حولهم فأنهم يؤمنون أن العالم كله وضع في الشرير، واللهم ما نجنا من الشرير، والمسيح قال: لست اسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير.. نقول: لا.. وللأسف بل يريدون الإضافة والتزيد الذي يبلغ حد التحذلق والتفزلك الذي يصل أحيانا كثيرة إلى اظهار روح التعصب المقترن بالجهل مع التطفل والتنطع.. 

أما عن التنطع فالتاريخ العام المشترك أنهم دائما مع التدخل في فوانيين الدولة لفرض العقوبات.. لا على اساس الحفاظ على الحريات وخاصة حقوق الاقليات والمستضعفين كحرية الفكر والعمل والقول بما لا يضر الآخرين على اساس النتائج السلبية المترتبة على هذا الفعل.. بل من منطلق الحلال والحرام.. وهذا الحلال والحرام يحدده الشرع.. والشرع نجده في الكتب المقدسة والشروحات.. وهذه الكتب لا يفهمها أحد حق فهمها سواهم.. فهم ما يرشد الدولة في تشريعاتها فيرضى الله الدولة ويرضى المؤمنون عنها بأذن الله. 

في زمن شارلمان كانت عقوبة من يجاهر بالإفطار في صوم الأربعين الصوم الكبير القتل.. وصدر هذا القانون في عام 785م في مجموعة تشريعات “كابيتولا” الأول – الخاص بشعوب السكسون.. ولكن لا يوجد دليل على تطبيقه بالفعل – فهل كان للترهيب.. ولكن الشواهد تقول أن الضرب بالسياط للفاطر كان متبعا على نطاق واسع.

ما لقيصر لقيصر. *

لذلك نسأل لماذا يتحدث رجال الدين فيما هو لقيصر ؟؟.. ألم يقل يسوع ما لقيصر لقيصر ؟؟ فلقيصر أن يشرع، وكل تشريع وطبيعة التشريع اليوم هي أعطاء حريات لا اجبار الناس على فعل الاشياء.. فلماذا لا يبلع رجل الدين لسانه فيحسب له كرامة ؟؟

هي عقلية متنطعة خبيثة بطبعها.. تفعل المستحيل للتضييق على خلق الله.. فهل طلب أحد من الكنيسة أن تبارك زواج المثليين داخل الكنيسة ومن يمتنع يعاقب ؟؟.. فمن أراد الزواج حتى ولو بكلب فما دخلكم أنتم ؟؟ هذه الوصاية مرفوضة.. أكتفوا برأيكم لرعيتكم واتركوا قوانين الدولة للدولة...

نفس هذا المنطق الخبيث في قضية الزواج المدني للأقباط.. لماذا تفعل الكنيسة – بكل طوائفها مجتمعة في مصر – المستحيل للوقوف ضد الزواج المدني ؟؟… رجاء ألا ينطق جاهل أو ممن يريد استغفال الناس – عذرا على هذه الألفاظ ولكن هذا التوصيف هو ما يليق بمن يقول أن الكنيسة لا تمانع ولم تصدر بيان وراء بيان تعترض فيه على المطالبين للدولة بسحب قانون الزواج والطلاق من المؤسسة الدينية ليصير مدنيا وبعدها تقام المراسم الدينية على حسب اراده المتزوجين.. وعند نشوب خلاف فالمحكمة لا الكنيسة من تنظر في القضية من أولها إلى أخرها كما هو الحال في كل العالم الذي يعيش فيه البشر “بني آدمين”

منطق ما لله لرجل الدين – وما لقيصر أيضا؟؟.. صار مرفوضا تماما.. ولنضع الاسماء على مسمياتها ونقول هذا اجتراء وتنطع.. 

في المقال القادم.. المثلية: بين الدين والعلم 

Print Friendly
This entry was posted in ارنست وليم and tagged , , , . Bookmark the permalink.