نريد العناقات الفعلية لا اللايكات

جمانة حداد   جمانة حداد

لطالما كنتُ من اللواتي والذين يرفعون عالياً شعار التكنولوجيا الحديثة، والتواصل الالكتروني، والـ”فايسبوك”، والـ”تويتر”، وكل ما يتصل بفنون العلاقات الافتراضية، ومِمّن يتغنّون بالامتداد الإنساني والفكري العظيم، والفعلي، الذي منحتنا إياه هذه الأدواتلكني صرتُ أشعر أحياناً أن سحر الشعار، راح ينقلب على الساحر، بعدما أصبح العيش في البعد الانترنتيّ إدماناً، ونوعاً من الكابوس المرضي، الذي بات من الضروري لجمه ووضع حدّ للمغالاة فيه.

لماذا؟ لأن العلاقات الافتراضية حلّت محلّ العلاقات الواقعية، الى حدّ إلغائها وطمسها. ولأن الشخص الافتراضي حلّ محلّ الشخص الواقعي الى حدّ إلغائه وطمسه. ولأن ما كان مطلوباً تحقيقه وتجسيده على أرض الحياة والواقع، من علاقات مُغنية بين الناس، تتخطى الحدود والاختلافات مثلما تتخطى المعوقات العائلية والاجتماعية، والتقاليد والعادات والممنوعات، لم يعد هو الهدف، بل أصبح يحتلّ مرتبة ثانوية ومهملة جداً في العلاقات بين البشر. حتى صار بعضنا يشعر بنوع من ردّ فعل معاكس، مضاد، وبإحساس جارف من الحنين الى الواقع، هو نتيجة نفسية وطبيعية معاكسة للنتيجة المترتبة على إلغاء العلاقات الواقعية وطمسها.

أقدّر أهمية أدوات التواصل الافتراضية في العلاقات مع أشخاص تفصلنا عنهم المسافات والمحيطات، لكني لا أفهمها عندما تصير بديلاً من جلسة حقيقية مع أصدقاء في المتناول. في مواجهة “الكسل” وحتى الجبن واجتناب المواجهة التي تدرّبنا عليها هذه العلاقاتُ أحياناً، فضلاً عن الزيف والأقنعة وانتحال الصفات التي تطغى على بعضها، باتت المطالبة بالعودة الى العالم الواقعي هي الغاية المنشودة.

نريد علاقات طبيعية، واقعية، فعلية، ملموسة، ساخنة، حارّة، بين الناس، لا علاقات هوائية، مسخّنة تسخيناً مصطنعاً، أشبه ما تكون بتخدير افتراضي سرعان ما يزول مفعولهرجل وامرأة في السرير

نريد العودة الى الأرض، الى الزمان، الى المكان، الى الحيّز الواقعي، الى النظرات، الى المشاعر، الى الأحاسيس. نريد العناقات الفعلية لا اللايكات، والمصافحات بالأيدي لا اللكزات. نريد العودة الى أجسادنا، الى أرواحنا، الى نبضات قلوبنا، بدلاً من منفى الشاشة البارد. المصقّع. المصطنع.

هذا الموقف لا يتضمن تراجعاً عن المفاعيل الإيجابية الهائلة لوسائط التواصل الاجتماعي. إنه ينبّه فحسب الى الخطر الإنساني الناجم عن الاستقالة الكاملة من لحم الواقع، من أحاسيسه، طلباً لأحاسيس لا يمكنها أن تكون بديلاً من أحاسيس الواقع وناره.

لا نار بديلة في العالم الافتراضي، نستغني بها عن نار الحياة الواقعية. هذا ما يجب أن ننتبه اليه جميعنا… قبل أن تنطفئ النار التي تشتعل بحطب الأجسام والقلوب، ويكون قد فات الأوان.

عن النهار

Print Friendly
This entry was posted in Variety جورنال المحروسة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.