فى التعليق على ضـلالة الفصل بين الدين والسياسة

د. علي مبروك  علي مبروك

فى إطار سعيها إلى «تجديد الخطاب الديني» اختارت مجلة الأزهر أن يكون مدخلها إلى هذا التجديد هو استدعاء أجواء الحرب التى أشعلها كتاب «الإسلام وأصول الحكم» قبل تسعة عقودٍ بالضبط.  وضمن هذا السياق، فإنها لم تكن لتراجع المسألة فى ضوء ما أسفرت عنه التطورات الأخيرة فى مصر من وجوب تحرير الدين من التوظيف السياسى الذى بدا واضحاً للجميع أنه يسىء إليه، بل إنها راحت، وللغرابة، تعيد التأكيد على اعتبار هذا التحرير من قبيل الضلالات التى تودى بصاحبها إلى المهالك؛ وبما يعنيه ذلك من إصرارها على التفكير خارج حركة الواقع.

وللمفارقة، فإنه يمكن التأكيد على أن هذا التحرير للدينى من قبضة السياسى هووقبل أى شىء – من مقتضيات التقليد السنِّى الذى يُفترض أن الأزهر، ومجلته، يفكران داخله.التقليد السنّى على تجنُّب النظر إلى الخلافة، ومسألة الحكم على العموم، على أنها من «الأصول» وأصر على اعتبارها من قبيل «الفروع»؛ وبما ترتب على ذلك من الحكم عليها بإنها «ليست– على قول الغزالي– من المهمات…وليست من أصول الديانات، ولا من الأمور الواجبات، بحيث لا يسع المُكلَّف الإعراض عنها والجهل بها، بل لعمرى إن المُعرض عنها لأرجى حالاً من الواغل فيها، فإنها قلما تنفكُّ عن التعصب والأهواء، وإثارة الفتن والشحناء…لكن لما جرت العادة بذكرها فى أواخر كتب المتكلمين، لم نر من الصواب خرق العادة بترك ذكرها، موافقة للمألوف من الصفات، وجرياً على مقتضى العادات». وهنا يلزم التنويه بأن تنزيل التقليد السنِّى للخلافة أو الإمامة على هذا النحو إلى مقام الفروع التى يُستحسن الإعراض عن الخوض فيها، قد تبلور فى مواجهة التقليد الشيعى الذى جعل الإمامة«أصلاً من أصول الدين التى لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها». وهكذا فإنه يمكن القول بأن التقليد السنِّى قد اقترب– فى سعيه إلى تمييز نفسه عن التقليد الشيعي– من اعتبار الخلافة– أو مسألة الحكم– من ضرورات الاجتماع المدني، ولم يعتبرها أبداً من ضرورات الدين.

ومن هنا فإن أبا الحسن الماوردى (وهو فقيه السياسة السنِّى الكبير فى القرن الخامس الهجريقد راح– فى «أدب الدنيا والدين»- يجعل السلطان والخلافة، ومعهما الدين ذاته، من ضرورات الاجتماع. فإنه قد مضى إلى أنه إذا كان «الدين المُتبع» هو القاعدة الأولى فيما يصلح به الاجتماع فى الدنيا، فإن القاعدة الثانية التى يقوم عليها هذا الصلاح هى «السلطان القاهر» (والخلافة إحدى صوره). واللافت هنا أنه لا يكتفى بالتمييز بين الدين والسلطان (أو الخلافةكقاعدتين لصلاح الاجتماع البشري؛ وبحيث تنفصل الواحدة منهما عن الأخرى، بل إنه يمضى إلى أن يجعل للسياسة(ومنها الخلافةشأناً فى تحقيق صلاح هذا الاجتماع يعلو على شأن كلٍ من الدين والعقل. ولهذا فإنه إذا كان فقيه السياسة السنِّى الكبير قد مضى إلى تقرير ضرورة الخلافة من أجل إقامة بعض المسائل الدينية؛ كالحدود بالذات، فإنه يظهر جليِّاً أن إقامة هذه المسائل يعد هو نفسه من ضرورات الاجتماع؛ وبما يعنيه ذلك من أن الدين والخلافة معاً يتحددان بضرورات الاجتماع. إن ذلك يعني– وبحسب ما ينطق به خطاب أحد الآباء المؤسسين للتقليد السنِّي– أن الخلافة ليست من مطالب الدين، بل إنها– ومعها الدين ذاته– مطلوبان من أجل الاجتماع. وإذ الأمر هكذا، فإنه لا يمكن الادعاء بأن ما مضى إليه صاحب «الإسلام وأصول الحكم» من اعتبار الخلافة من الخطط السياسية (التى تكون مطلوبة لصلاح الاجتماعيمثل انقطاعاً مع ما استقر عليه التقليد السنِّى من اعتبار السياسة من ضرورات الاجتماع، وليس الدين. بل إنه يبدو– وللغرابة– أن الناقدين لاجتهاد صاحب «الإسلام وأصول الحكم» من الذين صاروا إلى اعتبار الخلافة شأناً دينياً، هم الذين يقطعون مع ما استقر عليه التقليد السنِّى من اعتبارها من ضرورات الاجتماع.

وإذ يبدو هكذا أن انقلاباً قد طال التقليد السنِّي، على النحو الذى جعل القول بأن الخلافة من ضرورات الدين قولاً مقبولاً داخله، فإن المدهش هو ما يبدو من إن هذا الانقلاب قد تحقق كأحد تداعيات التلاقى العنيف بالذات بين هذا التقليد وبين الحداثة. وهنا يلزم التنويه بأن استجابات التقليد السنّى للتحدى الذى فرضته الحداثة الأوروبية على العالم الإسلامى منذ مطلع القرن التاسع عشر، لم تكن من طبيعة واحدة. بل المُلاحظ إنها قد تباينت فى بعض المجتمعات الإسلامية عنها فى الأخرى بحسب تباين الكيفية التى جرى بها التلاقى مع الحداثة. فإذ جرى التلاقى مع الحداثة فى مصر مثلاً بطريقة مباينة لتلك التى جرى بها فى الهند، فإن ذلك قد ترك أثراً واضحاً على طبيعة التفكير فى موقع «السياسة» من الدين. إذ فيما آل هذا التلاقى فى الهند إلى إسقاط حكم المسلمين الذى كان قد استقر فيها على مدى ثمانية قرون، فإن ذلك قد فتح الباب واسعاً أمام ارتقاء «المسألة السياسية» إلى موقع الأصل فى الإسلام. وأما فى مصر فإنه لم يترتب على التلاقى مع الحداثة فيها ما يرتقى بالمسألة السياسية إلى مقام الأصل فى الإسلام. وقد ارتبط ذلك بحقيقة أنه لم يترتب على التلاقى مع الحداثة فى مصر أى تهديدٍ للإسلام أو المسلمين، بل لعل هذا التلاقى كان مدخلاً لإعمال ما كان مُعطَّلاً من مبادئه الأصيلة؛ مثل مبدأ الشورى الذى ظل مُعطَّلاً على مدى حقبة الحكم المملوكى التركي، حتى جاء نابليون وأعاد المبدأ للاشتغال من خلال الإصلاحات التى أدخلها على طريقة الحكم فى مصر، ولاقت استحسان شيوخ الأزهر آنذاك.

ولعل هذا التباين بين استجابتين لتحدى الحداثة يجد ما يدعمه فى التباين الكبير بين نمطين فى مسار حركة الإصلاح الديني؛ يقف على رأس أحدهما من لا يمكن الشك فى انتسابه إلى فضاءات الإسلام الهندى (وهو جمال الدين الأفغانيالذى جعل المسألة السياسية جزءاً من الدين، بينما يأتى على رأس الثانى المصرى (محمد عبده)الذى لم يتورع عن لعن السياسة واعتبارها خطراً على الدين.فهل يبقى تحرير الدين من قبضة التلاعب السياسى من الضلالات؟!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. علي مبروك and tagged , , , . Bookmark the permalink.