(واسينيات؛ قراءات من «إِمرأة سَريعة العَطَب» (2

 نانا جاورجيوس  نانا جاورجيوس‎

كان على موعد مع عالم الأدب منذ نعومة أظافره، حين وقع بين يديه كتابه السحري « ألف ليلة وليلة» بنصه التراثي الذي أسس بنيته الأولى وغيَّر مسار حياته. حين سرق ذاك الطفل « لزعر الحمصي» الكتاب ذو الغلاف الأحمر من الكُتَّاب على أنه القرآن الكريم ليكتشف أنه كتاباً غير عادياً فيه عالم من السحر والخيال، فأصيب بلعنة الأدب مما جعله يدرس اللغة العربية بعد دراسته الأولى بالفرنسية، هذا التأثر رسم سمات حرفه وأعطاه مخيالاً واسعاً لأدبك، كما في روايته« الليلة السابعة بعد الألف» بجزأيها «رمل الماية» و«المخطوطة الشرقية». فمن يقرأ لواسيني يشعر أن نصه أقرب للشِعر الصوفي بتورياته البعيدة والمخبأة في عمق حرفه، و البعيدة كل البُعد عن التسطح اللغوي.

يشتغل رواياته على خلفيات تاريخية، يقول عنها أنه يواجه التاريخ بالأدب وأن الأدب الناجح يخترق الواقع ولا يوازيه كي لا يتسطح. فالتاريخ حاضر في أعماله لسرد تفاصيله الصغيرة ممزوجة بالواقع الإنساني، وهي تفاصيل قد لا يذكرها عادة المؤرخين، وهذا ما جسده في الكثير من رواياته عن وطنه الجزائر وآخرها « مملكة الفراشة» التي تحكي الحرب الأهلية الجزائرية بعشريتها السوداء التي تماثل الإرهاب الذي خيَّمت ظلاله على المنطقة العربية اليوم، وهي الرواية الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية.

هذا بخلاف روايته الجديدة التي لم تصدر بعد والتي يشتغل عليها حالياً بخلفية تاريخية معاصرة و مستقبلية، يتنبأ فيها الكاتب بالتاريخ االمستقبلي للمنطقة العربية وهي رواية « 2084.. العربي الأخير» والتي يتناول فيها الوضع العربي خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي وقبل أن تطاله التأويلات ومحاولات العبث بالتاريخ، وما سيؤول إليه الإنسان العربي حتى عام 2084  والتي تحاكي نص جورج أورويل 1984. والذي قال عنه: «أنه عمل يحذو حذو رواية الأديب الإنجليزي جروج أورويل (1984)، وأنه يحاول أن يحقق نوعاً من التناص مع الأدب العالمي والعربي مثل نص «ألف ليلة وليلة».

تكلمت رواياته كثيراً عن الوطن وعن محنة « التعددية الثقافية» في الوطن العربي وقبول الأخر بخصوصياته ليتشكل في النهاية جسد الثقافة الوطنية برعاية أنظمة سياسية سليمة. ويذكر أن هذه التعددية ملمح ضروري للمجتمعات الحديثة وأن رفضها هو نوع من إقصاء الأخر لما ينتج عنه خطورة تمزيق الهويّات الوطنية و بتر لجزء من الجسد الثقافي للشعب. وهذه الهوية وثقافة التعددية تكلم عنها بعمق في روايته «البيت الأندلسي» حيث نلمسها الآن في الأوضاع التي تمر بها المنطقة من صراع عرقي وديني، كيف تتحقق هذه التعددية الإيجابية في ظل هذا الصراع الدائر وماذا على الدول فعله لترميم مجتمعاتها وإلا مزيد من التفتت والدمار.

كتب معاناته مع المنفى وعن الوطن والحرية والتمييز العِرقي، خصوصاً في أول نصوصه «ألم الكتابة عن أحزان المنفى» ثم«البيت الأندلسي»، لهذا نجد أدب الإغتراب و المنفى حاضراً بصورة حيَّة تفصيلية، وكأنه يريد أن يقول أنه قهر بقلمه أحزان المنفى التي عاشها متنقلاً بعيداً عن وطنه الأم، وكتب عن كل القيود التي كبلته يوماَو كيف تعايش مع تجربة المنفى وتطور مفهوم الإغتراب في أدبه.

نعود لقراءة مقطع جديد من « إمرأة سريعة العطب»؛حيث يقول الكاتب تحت عنوان «هل تراني إذ اراك؟ » :

هل ترى وجهي؟ هل تراني إذ أراك؟ حتى لباسي الأحمر الذي كنت تغلق أزراره قبل أن نخرج، نسيتَه. ملامحي علاها صدأ النسيان وأنا في عز الشوق إلى قلبك وملامحك المنطفئة. الآن أنا لا أشبه إلا نفسي ولا خوف في قلبي إلا من موت لن يمنحني فرصة أن أقول لك كم كنتُ أحبك. متعبة حبيبي مثل عاصفة دارت في الفراغ ثم إصطدمت بنفسها قبل أن تموت في صمت. كل شيء يهرب من كفي. كلما حاولت أن أضع الغيمة الهاربة في قلبي انسحبت مني أو تلاشت بين أناملي. كيف لي أن أراك يا قلبي، وأنت تغيب مثل فجر يطلّ، وقبل أن افتح عيني، لأسرق بعض ضوئه، يهرب مني؟

ألست لي منذ أن عمدنا البحر بملحه ولونه؟ هذا الوجه الذي تسحبه بحرقة اليتيم لي، ولي أيضا كل ما هربته من ظلمة الخوف. هذه الملامح المنداة بعطر الغياب أعرفها، ما تزال مغطاة بتربة المسافات. خطواتك التي نحتتها المسافات لي، فلا تتعب نفسك يا هبلي بإقناعي، فأنا أعرفك أكثر منك ومن الريح ومن الصدف البحري الذي يحفظ أغاني الريح وتكسر الموج وعواصف السواحل.

هل لي أن أقول لك عن بعض سري؟ أنهكني الركض وأنت في دوخة لا ترسو على موجة، أو نجمة أو حافة. لو كانت المسافات تحكي لإستسلمت، وقالت تعبت من ركضه وهو يتمادى في إشتعاله. قطع البحر بلا أفق. والتربة والتاريخ وجغرافيا هشة، كل يوم تُجرح قليلا. سلك دروب أديان بلا عدد، تسحب وراءها أصداءها الخوف وحوافر الخيل، وصرخات الناس، وأصداء الأبواب الثقيلة.

لو كانت الروائح تحكي لقالت إن عطره من ليمون أشبيليا وخوف غرناطة، و حرائق طليطلة، وعرق ألميريا. لو كانت الشمس تحكي لقالت إنه منح لنظر للعميان والخفقان لقلوب ميتة، النور لتاريخ أعمى، بلا قلب ولا أرض ثابتة. لو كانت الرياح تتكلم لقالت إن المسلك القاسي كان واديا عبره واضعا يده على قلبه خوفا أن لا يصل إلى مشتهاه. دليله الأوحد قصص قديمة وثقة مستكينة في القلب. لو كانت هذه الجبال تعرف كيف تروي لقالت إنها رأت رجلا يعبر المسالك الوعرة ويذهب نحو أدغال الموت بلا تردد وهو سيد القائلين أن لا حرب تستحق روح إنسان. يسقط ويقوم، ينظر نحو سماء بلا سقف ولا لون، يسقط ثانية ثم ينشب أظافره في التربة والنبات الجارح، والشجر القاتل، لكي لا يقال عنه إنه خسر حربه قبل خوضها.

لو كان لهذه الخروبة ولتلك النار لغة، لقالت جاء بي من هناك رجل اختلطت عليه الأسماء والأديان. ركض في برية الموت ومضى بلا التفاتة يركض نحو شمس ظنها تدفئه وتحميه. لم أكن إلا ميراثه الصغير. كل يوم كان يغير تربة قلبه لكي لا تأكله أملاح العزلة والبحر والمنافي. قبل يمد ذراعه عميقا نحو الله ويصرخ بلا نهاية ويعوي مثل ذئب وحيد.

لو كان بمقدوري أنا حفيده الوفي لقلبه أن أروي قصته لما ترددت ولكني أعبر نفسى التيه في زمن لم يتغير كثير وجغرافيا أصبحا أصغر من قبيلة وأضيق من عرق وأبأس من طائفة. سيحزن جدي لو عرف إن التاريخ الذي أسكنه قلبه قبل أن يرحل خرج منا ليموت وحيدا في صحراء الربع الخالي. وأن الجغرافيا التي اقتطعت له أرضا يكبر فيها من أتى بعده سدت أبوابها وأسرتها واكتفت بالتأسف على زمن مضي. لو…. لكن ماذا لو نامت لو قليلا ودعتني أكبر في الفراغ وأموت في التيه. ماذا لو انسحبت لو من مشهد الحياة وتركتني أرى مشهد الحرائق التي تنتظرني في زاوية العبور. ماذا لو قبلت لو أن ترافقني وسرنا معا نحو خوف لم نصنعه ينام فينا منذ قرون. ماذا لو كان كل ما بيننا مجر حكاية. يسميها البعض التاريخ. آخرون الخيبة. وأنا التيه. يتعدد كل شيء وتقل الأعمال وتصغير الحياة.

وإلى قراءة واسينية جديدة لإمرأةٍ كانت سريعة العطب.

This entry was posted in نانا جاورجيوس‎ and tagged , . Bookmark the permalink.