الطب القائم على الدليل والبرهان

د. خالد منتصر  خالد منتصر

إذا ذهبت إلى طبيب ووجدته يقول لك: «أنا مزاجى كده، وأعالجك بالطريقة اللى أنا شايفها»، عليك بالخروج من العيادة فوراً واسترداد قيمة الكشف، بل مطالبة وزارة الصحة بنزع لافتة العيادة، وذلك لأن هذا الرجل لا يعرف أن ما يستحق لفظ وتوصيف الطب الآن هو الطب القائم على الدليل أو المستند إلى البراهين Evidence based medicine، انتهى عصر الفتوى والمزاج والكهانة وقدس الأقداس فى الطب، صارت الكلمة العليا لكم الأبحاث العلمية التى تبرهن على كلامك، لم يعد ينفع أن تفزعنى أو ترهبنى بأنك قد وجدت هذه المعلومة العلمية الطبية فى كتاب تراثى قديم أو نقلتها من على لسان حكيم كبير أو شيخ أو قسيس أو حاخام، عليك أن تفتح لى المجلات الطبية المحكّمة المعترف بها، وأن تحصى عددها وقوتها ووزنها العلمى ومدى تكرار نفس النتائج فى أكثر من مركز علمى موزعة على أنحاء العالم، هنا فقط أقتنع.

هات برهانك وامنحنى دليلك أمنحك الاعتراف، لم يعد ينفع عبارة «ده بديهى» و«أنا شايف من وجهة نظرى كذا»، هناك العلم الطبى شايف كذا، لم يعد ينفع أن تصر على علاج القرحة بمضادات الحموضة وتصرخ فى وجه المريض: هى كده وأعلى ما فى خيلك اركبه!! الأبحاث أثبتت أن هذه القرحة سببها بكتيريا وتشفى بمضاد لهذه البكتيريا، وإذا أغراك شيطان العناد وفتحت بطن المريض لكى تعالج القرحة مثلما كانوا يفعلون قبل هذا الاكتشاف الذى حاز صاحبه على نوبل، ستحاكم وتدخل السجن لأنك خالفت الطب القائم على الدليل، وللأسف الشديد طلبة كلية الطب، بل لمزيد من الأسف هناك بعض الأساتذة، لا يعرفون ما هو الطب القائم على الدليل، ويقومون بممارسات لا تمت إلى الطب الحديث بصلة، إما لأن لها جذوراً فلكلورية أو دينية أو اجتماعية، أو يقول لك أنا جربتها مرة ونفعت!! أو حتى لها جذور علمية ولكنها مازالت فى طور البحث والتجارب المعملية ولم تخرج إلى حيز التطبيق بعد، إلى آخر هذه الترهات والأوهام التى تصيب الطب فى مقتل.

لذلك نجد أطباء كثيرين مصابين بهشاشة فى منهجهم العلمى نتيجة غياب مفهوم الطب القائم على الدليل، الذى لابد من تدريسه كمنهج منفصل فى كليات الطب وغرس قيمه فى عقول الطلاب حتى تستقيم المفاهيم وتنضج الممارسات الطبية، لكن ما هو مفهوم وتعريف الطب المستند إلى البراهين؟ المفهوم هو تكامل الخبرات الإكلينيكية الفردية مع أفضل البراهين السريرية (الإكلينيكية) المتوفرة من البحث المنظم، وتعريفه بأنه هو «الاستعمال الصادق والواضح والحكيم لأفضل البراهين الحالية فى صنع القرارات بشأن رعاية المرضى»، كيف ظهرت هذه الفكرة الثورية؟

ظهرت من مجموعة الطب المستند إلى الأدلة (EBM group) من جامعة مكماستر بقيادة ديفيد ساكت وزملائه عبر المقالة الرائدة التى نشرت فى نوفمبر 1992، وهذا اسم المجلة والصفحة لمن يريد مزيداً من الاطلاع JAMA 1992, 268: 2420-5 أمثلة الاستفادة من الطب القائم على الدليل لا تنتهى، فمثلاً مشكلة الكبد الدهنى قديماً كانت لا تؤرق طبيب الكبد كما أخبرنى د. هشام الخياط عندما طلبت منه مثالاً، كان الطبيب يقول: «معلش، ده مجرد كبد دهنى»، لكن الآن لابد أن يؤخذ الأمر بمنتهى الجدية، فقد أثبتت الدلائل والبراهين علاقته بسرطان الكبد، وهناك عدة أمثلة ضربتها د. لبنى الأنصارى، الأستاذة السعودية المتخصصة فى طب العائلة، فى دراساتها المهمة حول مفهوم الطب القائم على الدليل، من ضمن هذه الأمثلة كان الأطباء فى الغرب دائماً يوصون بأن يوضع الرضع على بطونهم حين النوم وذلك تخوفاً من الارتجاع أو الاختناق، مما يؤدى إلى وفاة الرضع بشكل فجائى، وفى ثمانينيات القرن العشرين تساءل بعض الأطباء عما إذا كان هناك دليل يدعم هذه الممارسة، واتضح أن نسبة الوفيات نتيجة للإصابة بمتلازمة الوفاة المفاجئة للرضع كانت أقل بكثير لدى الأطفال الذين يرقدون على ظهورهم، مما أدى إلى إنشاء البرنامج الوطنى «النوم على الظهر» وتطبيقه فى أمريكا.

كما كان الأسلوب التقليدى لدى أطباء العيون فى علاج سحج القرنية البسيط corneal abrasion هو تغطية العينين ووضع قطرات تحوى موسعاً للحدقة ومضاداً حيوياً، ولكن لم يسأل أحد أبداً عما إذا كان ذلك مفيداً، فقد كان ذلك هو «الشىء المنطقى»، واتضح أن هناك على الأقل خمس تجارب معشاة (عشوائية) مضبوطة بالشواهد حول تغطية العين أو عدم تغطيتها، وجميعها خرجت بنفس الإجابة: ليس لتغطية العين أى فائدة، بل ربما تقلل من سرعة الالتئام وتزيد من عدم شعور المرضى بالراحة، وفى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، لاقى عقارا إينكانيد (encanide) وفليكانيد (flecainide) رواجاً كبيراً باعتبارهما الدواءين المنظمين لدقات القلب، ويرجع ذلك إلى قدرتهما على السيطرة على عدم الانتظام البطينى ventricular arrythmia، ولكن أظهرت تجربة معشاة كبيرة ومضبوطة بالشواهد (case-control study) أن نسبة الوفيات كانت أعلى بكثير بين من تلقوا أحد هذين العلاجين مقارنة بالشواهد (من لم يتلقوا العلاج)، وهذا يوضح مشكلة الاعتماد على نتائج «وسطية» أو نتائج تتعلق بالداء فقط مثل تنظيم دقات القلب، وليس بالأحرى النظر إلى مقاييس أكثر أهمية للفرد والمجتمع مثل نسبة الوفيات، وجودة الحياة.

كانت هذه مجرد أمثلة، ولكننا نحتاج إلى أن يتشرب الأطباء هذا المفهوم بجد وباقتناع.

Print Friendly
This entry was posted in Medcical امحوتب كلينك, د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.