عَوْدٌ عَلَى بَدْءٍ.. تَحْيَا مِصْرُ

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

 اعتدت منذ الصغر على سماع وقراءة عبارة أعداء الوطن التي تفيد أن ثمة أشخاص يعيثون في الأرض فسادا ويحاربون الوطن ويسعون للقضاء وهلكة مقدراته المادية والبشرية، وهؤلاء استمرأوا إشاعة الفوضى والعبث في الشارع ومؤسسات الدولة، وساعدهم في ذلك ويسر لهم المهمة الخبيثة تقاعس بعض الأنظمة الأمنية في عقود مبارك الثلاثة، وزاد الأمر واستفحل في فترة حكم المعزول بأمر الشعب محمد مرسي الرجل الذي لا يزال يراهن على رجوعه كثيرون من المنتمين لفكر الجماعة والتي لست الآن بصدد تأويل ممارساتهم السياسية إيمانا مني بأن الوطن أكبر من الحديث عن فصائل صغيرة وقصيرة النفس في وقت تحتاجنا مصر للوقوف بجانبها.

في أسبوع واحد وحوادث الإرهاب تسيطر على بقاع الوطن، دونما أدنى تأويل بأن المشهد الراهن يتصدره تنظيم الدولة الإسلامية داعش كما تشير إلى ذلك بعض الصحف الأجنبية ووكالات الأنباء التي لا تزال تعيش في غيبوبة إخبارية منذ سقوط مرسي وجماعته ونظامه، لكن لا أعتقد أن تنظيم داعش أصبحت له أيادٍ داخل المحروسة إنما الأمر يتعلق بأغبياء الوطن وليس أعداءه فقط.

 لأن هؤلاء الذين يجتهدون في ترويع الآمنين وشيوع القلق والتوتر وقتل الأنفس بغير حجة أو دليل إلا لمجرد اتباع الهوى وعبث العقول إنما يحاولون للمرة الأخيرة أن يقضوا على هذا الوطن وقلنا مرارا وتكرارا حتى يتعلم الشطار وفقا للمثل الشعبي الثائر ( التكرار يعلم الشطار ) بأن مصر وطن يصعب مراسه وبات من المستحيل تطويعه لمصلحة فصيل سياسي لم يعد له وجود سلمي وشرعي في الشارع المصري ووجودهم فقط استقر في ملامح محددة أبرزها رائحة الشماتة والتشفي فيما يحدث للوطن والوطنيين وتكفي صفحات التواصل الاجتماعي الإليكترونية ورصد تعليقاتها والمنشورات المتضمنة بها لنعرف حجم المرض النفسي الذي يعاني منه هؤلاء.

لهؤلاء أقص عليهم قصة قصيرة قبل نومهم غير الهانئ، للهنود الحمر عبر التاريخ القصصي القابع في أذهاننا منذ قرون سيرة ذاتية استثنائية من أبرز ملامحها الوحشية والقتل والطباع الفطرية غير المهذبة اجتماعياً، ورغم ذلك امتلك هؤلاء قدراً من الحكمة التي جعلتهم لفترة في مواجهة المستكشفين لعوالمهم المجهولة، ومن هذه الحكمة، حكمة قديمة تقول إنك لو اكتشفت فجأة أنك تركب فرساً ميتاً أو بالأحرى على وشك الموت فإن أفضل طريقة هي أن تنزل عنه بسرعة. وكان على الصبية والشباب الذي هرول إلى سماع أفكار بعض المتطرفين أن ينزلوا بسرعة من على ظهر حصانهم الميت والمستغرق في الموت الطويل سياسيا واجتماعيا.

وهذه الفكرة تروق لكثيرين من مدربي التنمية البشرية الذين ملأوا الأرض صخباً وجدالاً ولغطاً نفسياً حتى أصبح بعضهم وليس الكل عبئاً على مجتمع ينهض لأنهم لا يزالوا يفكرون بمنطق القرون الوسطى ويظنون أن التنمية البشرية أشبه بالعلاج النفسي للمريض المزمن وهي ليست كذلك بالطبع، وهذا منطق معظم المصريين اليوم الذين يفكرون في القفز من على الحصان الذي لم يمت بالفعل بل إنه بحاجة ماسة إلى استخدام استراتيجيات وطرائق متعددة لبث الحيوية فيه وفي الفارس أيضاً الذي يمتطيه.

والبعض يرى أنه من الأفضل استخدام سوط ( كرباج ) سوداني أو صومالي أو قطري أو من أي بلد من أجل إيقاظ هذا الحصان فتكون النتيجة القطعية هلاكه لا نشاطه. والبعض الآخر يظن أن مقارنة هذا الحصان بأحصنة أخرى تبدو ميتة أو ميتة بالفعل هي أفضل وسيلة لقبول الأمر الواقع المرير.

وفي هذا الصدد أنقل نصا ما كتبه الكاتب الصحفي والشعر المحترم صديقي الأستاذ وليد علاء الدين على صفحته الشخصية وهو يعمل مديراً لتحرير مجلة تراث التي تصدر بدولة الإمارات العربية المحترمة، يقول :  ” لا تزيدون المصريين سوى كراهية لكم واصطفافًا حول قيادتهم حتى لو اختلفنا معها في تفاصيل. الشهداء يرحمهم الله.. ولا يعني سقوط شهداء أن جيش مصر غير قادر. إنما يعني أنكم خونة وأنذال ولا تجيدون سوى الغدر. إنها معركتكم الأخيرة فقد سقط القناع ومن كانت لديه ذرة تعاطف معكم فقد ساعدتموه في اتخاذ القرار “.

وبالرغم من أن مشاعر الأسى والحسرة قد كست وجوه الوطنيين في مصر بعد الاغتيال السافل والحقير الذي تعرض له محامي الشعب المستشار هشام بركات النائب العام المصري وأعقبه مقتل جنودنا البواسل الذين ينتمون لأشرف جيش عظيم هو الجيش المصري في نهار رمضان، إلا أن كل هذه المحاولات الخبيثة للترويع ونشر الفزع والرعب جاءت متزامنة مع احتفاء الوطن بحدثين ومناسبتين مهمتين في تاريخ الوطن المعاصر، الحدث الأول هو ذكرى ثورة يونيو الرائعة والتي أتفاخر بأنني شاركت فيها ولو دعيت مرة بعد مرة للمشاركة فيها لشاركت لأنها كانت ثورة صوتية واجهت فيها عصى وقنابل يديوية بسيطة وساذجة لككنا انتصرنا فحق لي أن أحتفي وأحتفل، ولا أزال أتذكر أنني تركت أسرتي الصغيرة للنزول إلى الميدان ولم نكن وقتها صورا فوتوشوب أو كارتونية أو لقطة سينمائية من عدسة المخرج خالد يوسف كما تشيع ذلك القنوات الفضائية التي تنتمي لتيارات الإسلام السياسي وتحديدا جماعة حسن البنا.

ويونيو الأحمر كما أسميته في مقال سابق لي بتارخ التاسع والعشرين من يونيو أي قبيل الثورة بيوم واحد عددت فيه أسباب الثورة ومبررات الخروج على المعزول محمد مرسي وليس من المنطقي أن أبرر وجود رئيس لمجرد وجود وزير للتموين وفر أسطوانة البوتجاز أو زجاجة الزيت أو تحسين رغيف الخبز.لأنني باختصار وغيري لم يبع صوته يوما مقابل كرتونة غذائية، وكيف يقبل عقلي أن مصر العظيمة يمكن اختصارها في توفير الغذاء فقط وهي وطن عريق واسألوا كتاب التاريخ ينبئ بذلك. 

أما اليوم التالي لثورة الثلاثين من يونيو كتبت بأن الأول من يوليو هو يوم الشعب، هذا الشعب العظيم الذي قال عنه كاتب مصر العظيم توفيق الحكيم مقولته الشهيرة ” أمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى أو معجزات، لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلى الأبد “. هذا الوطن الفريد والعجيب والمثير بتاريخه وحضارته وشعبه وقيمه يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته.

فكيف يظهر المؤيدون لرئيس الصناديق الانتخابية الفائز وهم يعلنون نصرة الشريعة والجهاد ضد الليبراليين الكفرة والمدنيين الفجرة والعلمانيين السحرة رغم أنهم في زمرة وحضن وحرمة الإسلام الحنيف الجميل الرقيق وفي الوقت نفسه يظهر الرجل الذي يؤيدونه معلناً ضرورة الحوار والتوافق والمشاركة مع أولئك السحرة الكفرة الفجرة؟ أي فصام في الفكر والتصرف ذلك تعاني منه فصائل الإسلام السياسي التي فشلت سياسياً وسقطت دينياً بفضل تصرفاتها منذ الثلاثين من يونيو.

أما الحدث الثاني الأهم هو افتتاح المجرى الملاحي لقناة السويس الجديدة التي أكتفي بجملة واحدة بصدد هذا الحدث الأبرز في تاريخنا المعاصر فأقول : تحيا مصر.

اسألوا عن جيش مصر وأهلها.. اقرأوا التاريخ العسكري لجيوش العالم لتدركوا كيف حارب هذا الجيش العظيم أعداءه لتدركوا الفرق بينه وبين أولئك الخبيثين الذين يسعون في الأرض فسادا، جيشي هو أبي وأخي وابني وأنا.

جيشي هو الحصن الأمين الذي لا ينام و تأبى عيونه أن يغلبها النعاس من أجل وطن يستحق لأنه ولد ليس فقط ليعيش بل ليعلو ويعلو ويعتلي القمة بعزيمة شعب أصيل.

إن الذين فكروا وقدروا ثم فكروا من أجل قتل أبنائنا الجنود البواسل ظنا منهم بأن هذا سيقوض الوطن، فلأغبياء الوطن أقول انزلوا الشارع واجلسوا على المقاهي وتصفحوا صفحات ومجموعات شبكات التواصل الاجتماعي لتعرفوا حجم أبناء الشعب الذين يتمنوا أن يلتحقوا بجيش مصر العظيم. فقط لأنه عظيم وهم بالقطع شعب أعظم.

عاشت مصر التي تلفظ كل خبيث، عاشت مصر التي تأبى أن يُذبح تاريخها ومستقبلها، عاشت مصر الجميلة التي ترفض الاستقطاب والاستبعاد والمغالبة والإقصاء، مصر التي باستطاعتها أن تأكل وتبلع وتهضم كل شئ إلا (الأونطة)!.

د.بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

قسم المناهج وطرق التدريس

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.