المثلية في الدولة العباسية

احمد خير الله     احمد خير الله             

كان لحكم المحكمة العليا الأمريكية بحق المثليين في الزواج ، أصداء واسعة في المجتمعات العربية وما بين التضامن المعلن بحرية الفرد و الذي لا يجب أن تكون على منهجه لتتضامن معه ، و بين الرفض و الإمتعاض و التريقه على حق الغير في اختيار اسلوب حياتهم ، بل و الإدعاء أن التلوط هو نهاية أمريكا ، و كأن نهايتها حلت بإقرار الحق ، و لم تحل في السابق بممارسة الحق دون اقراره .

و بين هذا و ذاك هناك من إدعى أن حضارة الغرب هي التي اباحت الشذوذ ، و أن هذا الحكم هو دعوه للتلوط ، وهذه الأصوات قد لا تعرف بأن دورنا لم يكن أبداً مقتصر على النقل من الغرب ، فقد كان العرب مبتدعين و لهم الريادة في هذا الشأن

فهل لدى الغرب حاكم مثل الواثق ، و خادم مثل مهج يخطف عقل الخليفة العباسي المسلم ، فيقول الخليفة الواثق في مُهج الشعر

مهج يملك المهج         بسجى اللحظ و الدعج

حسن القد مخطف      ذو دلال ذو غنج

ليس للعين إن بدا       عنه باللحظ منعرج

وهذا المهج غلام الخليفه يدخل على خليفة المسلمين يمضي إليه متثنيا منكسر النظرة يناوله وردا و نرجس ، فينسى الخليفة حاشيته و يشعر في مُهج بألفاظ تعبر عن عشقه العظيم للغلام ، حين يسيل دمعه على خده فلا يدري الواثق أهو دمع الهوى أم دمع الجوى أم دمع الصد ، وهو صاحب الجسد المعتدل المترنح في خطواته بسكرات الهوى ، فيستنجد خليفة المسلمين بالرعية أن تنصفه من مولاه مهج المغرور المنكر للوعد ، و لك أن تتخيل في هذا العشق ما هو الوعد الذي ينكره مهج .

أما إذا غضب الغلام على الخليفه فإن مصالح الدولة و الرعية تتعطل و يخشى كبار رجال الدولة أن يدخلوا على الخليفة الواثق بعد أن طار عقله بسبب غضب مهج عليه ، الذي بات ليلته لا يريد أن يكلم الخليفة الذي اغضبه ، فيقول الواثق الشعر في مهج من جديد

ياذا الذي بعذابي ظل مفتخرا   ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا

لولا الهوى لتجارينا على قدر   وإن أفق منه يوما ما سوف ترىعرب مسلمين

لكن الخليفة الواثق لم يفق أبداً من عشق مهج و ظل هائما به ، و لكن الواثق لم يقض فترة خلافته في عشق مهج ، فقد كان يخرج للرعية ينظر في شئونهم ، و حامياً للعقيدة التي يحكم بها، و مناضلاً من أجل صحيح الدين ، فهو أحد من دافعوا عن كون القران مخلوق وهو أمر كان محل جدل بين المذاهب

ولم يكن الواثق هو الفارس الميدان الوحيد ، فقد نافسه في الصولات بين الغلمان ، محمد الأمين ابن هارون الرشيد وهو سادس الخلفاء في الدولة العباسية ، الذي اشترى الخصيان و جعلهم لخلوته و رفض النساء و الجواري في وقت انتشر فيه الرق و تعددت الجواري المستمتع بهن كجزء من إطار الحياة لم ينكره الإسلام ، و إنما حث على العتق كباب من أبواب الخير و أحد جوانب روح الإسلام الذي عالج المشكله بالتوافق مع الزمن الذي نزل فيه بالتشجيع على العتق ، وهذا موضوع اخر

و نعود إلى الخليفة الأمين الذي تعلق قلبه بكوثر كمان تعلق قلب الواثق بمهج

يذكر أن المأمون هاجم بجيشه الأمين ، الذي خرج معه كوثر فأصابته رجمة في وجهه ، فجعل الأمين يمسح الدم عن وجه غلامه و قال فيه :

ضربوا قرة عيني ومن أجلي ضربوه 

أخذ الله لقلبي من إناس حرقوه

ثم طلب من الشاعر عبدالله التيمي أن يكمل فقال له :

ما لمن أهوى شبيه فبه الدنيا نتيه

وصله حلو ، ولكن هجره مر كريه

من رأى الناس له الفضل عليهم حسدوه

مثل ماقد حسد القائم بالملك أخوه

و هكذا إنشغل أمير المؤمنين عن القتال و عن سقوط حكمه بجرح حبيبه كوثر الذي يطيب له وصله

كل ذلك لم يكن غريب في عهد الغلمان من سمي (جميله) و آخر (فاتن) ، هذا يلقي ملابسه و آخر يفتح ازراره ليطلب من أهل المجلس من يستفتح به ليقترب إليهم بولاؤه ، لينبض العرق في الجماعة و يفك قلوبهم ، و الغلمان يداعبونهم

هذا هو فعل الخلفاء ، و العجب أن نجد من يمجد هؤلاء الخلفاء بإعتبار أن عصرهم كان عصر نهضة و إزدهار و فتوحات ؛ وهو كذلك بالفعل و يضعهم في منزلة أمراء المؤمنين القائمين على الدين و الدولة ، نجد أنهم يتهمون الغرب بنشر الفجور و اللواط و يطالب المجتمعات العربية بالعودة إلى الأصالة و عصر النهضة الإسلامية

وهو العصر العباسي اكثر عصور الدولة الإسلامية نهضة و حضارة و فقهاً و طهارة و فسق و مجون ، حيث انتشر الأدب و الفقه و الشعر و الترجمة و الحانات و اسواق النخاسة و الغلمان

Print Friendly
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , , , . Bookmark the permalink.