المثلية الجنسية، والمجتمع الشاذ

 أرنست وليم  ارنست وليم

اليوم الذي يكف رجال الدين عن الحديث في العلم بغير علم، فبالتأكيد سيصبح العالم والعلم افضل..

اليوم الذي لا يحتاج رجل الدين لبرهان علمي على صواب رأيه الديني.. مما يضطره للكذب بأريحية تثير الشفقة، واطمئنان أنه يحدث قطيع من الجهلة، والماعز التي ستقول خلفه آمين.. فسيكون هذا بالفعل بشرة خير.. وتسلم العقول قبل الأيادي..

الزمن تغير يا أسيادنا.. زمن جريدة الأهرام وقنوات الدولة “البروباجندية” وإعلام عبد الناصر والقومية العربية والبعث والتحرير، والجماهيرية الليبية …… إلخ، أنتهى عصره بغير رجعة.. كنا نقرأ في الأهرام عن دخول الألمان في الإسلام أفواجا.. وفي فرنسا تتحجب النساء ويقررن في بيوتهن ألافا مؤلفة على الخير والتقوى لمجرد سماع صوت الآذان.. وفي الفلبين تهدم الكنائس وتشيد على انقاضها المساجد، وتتحول بيوت الدعارة  لأضرحة رابعة العدوية.. حتى قلت في نفسي لو قمنا بإحصاء عدد الذين دخلوا في الإسلام على صفحات جريدة الأهرام وحدها لفاق عدد سكان أوربا عشرة مرات..

وما دخلنا بقدم وساق، بل بورك وفخذ ومؤخرة، عالم الأعجاز العلمي للنصوص الدينية – أو على الأقل نفي أي تضارب بينها وبين حقائق العلم الحديث – حتى بدأ الصراع على قراءة العلم من غير المتخصصين أو اشباه المتخصصين الذين وجدوا أنه باب رزق سخي تتدفق حوله بحور من الدولارات اللينة الطرية الساخنة.. أما العلم الجاف البارد الشظف النظري في المعامل فهو زهدا وشقاء، وما خلق الله الإنسان ليشقى بل ليغنم وينعم ويقول الحمد لله.. لا على العلم، بل على نعمة الإسلام ولو في غير مناسبة.. 

وكان ذلك للجميع سهلا يسير.. فإن مولانا يقف على قفص، وحوله بط لا يفهم لا من لغة العلم قولا ولا من اللغة العربية حرفا.. ولكنه يسمع عجبا، وأعجازا ومعجزة مفادها : أطمئن فما أنت عليه فهو الحق.. وما ولدت فيه وما حكيته لك أمك، وأبو أمك، وسمعه عليك أبيك فهو سليم لا ريب فيه، وحق لا يأتية الباطل لا من الأمام ولا من الخلف ولا كبري بين الرجلين… والسمك البلطي مبارك فهو من مني الرسول، والقراميط حرام لأنها كالمرأة اللعوب.. والله أكبر الله أكبر نحن على الحق وغيرنا على ضلال.. 

الزمن تغير يا اسيادنا… لم يتغير على الجميع بالتأكيد، ورأس مالكم من الجهلة أو من أنصاف المتعلمين أو من الذين منعهم ايمانهم من للذهاب لأبعد من قول آمين.. فرصيدكم بخير في شرق قدس الجهل وجعل السؤال حرام.. والمعرفة تؤدي للضلال.. والتفكير مفسدة، والحرية انحلال.. والإبداع يتأرجح بين الكفر والزندقة.. أو هو هرطقة لأنه السير بغير مشورة طيش وغواية استعلاء وسقوط في خطيئة الشيطان، ومن فم الكاهن تطلب الشريعة.

هل نحن هنا نتكلم عن المسلمين دون سواهم ؟؟.. لا..!!،  بل على العقلية الشرقية.. والغلبة العددية تظهر الفضائح في تناسب طردي مع تمدد الرقعة..وما سمعناه ونحنا صغار ونحن خارج دين الإسلام لهو ذات عين الشيء،  بتنوع النغمة لذات اللحن.. المعجزات التي يفوق عددها عدد المرضى والتي لو صدق نصفها لما ذهب قبطي لمريض.. ولكن أروع معاني الإبداع الأدبي يأتيك عندما يقص عليك من نبأ أهل ملة الإسلام… فيكون البطل مسلم متعصب، كارها للمسيحيين وللمسيح حقودا لجوجا لدودا – تتخيله على صورة الحجاج الثقفي صاحب المنجنيق – فيصاب بكارثة.. سرطان، شلل رباعي، انزلاق غضروفي، استبحس في المخاصي……….. فيظهر له المسيح –لو كان القاص بروتستنتي – أو البابا كيرولس – لو كان الحاكي ارثوذكسي من جيلنا.. فيصنع له المعجزة ويصير مسيحيا فيعم الفرح أهل الأرض وبالناس المسرة.. آمين يا أخوه.. طيب هالليلو ياه…. 

وكم مرة يقص علينا اصدقائنا البروتستنت من الإنجيليين، والأصلاح أو خلاص النفوس.. المهتمين بالعمل التبشيري أن الإنجيل يدخل السعودية، والبشارة وصلت للعائلة المالكة، من خلال اقرباءهم في الكويت من أمراء وسفراء.. واغلبهم عرف الحق وسلم حياته للمسيح ولكنه لا يقوى على المجاهرة.. وأحنا نعيط..!!

ويأتيك الأرثوذكسي ليقص عليك بعض ما تيسر من أن جيهان السادات حدثت معها معجزة، وسوزان عملة عملية سرطان في السدي على يد الدكتور ماري جرجس الروماني، اتيا على حصانه بلا مشرط بل بسيف الحق الساحق للضلال، وقوة صليب مسيحه الموحي من بعد موات، فيخرج على الفور الداء طالبا السماح والعفو والغفران…

 ومبارك أصدر امرا وزاريا على أعلى مستوى طارئ طارق على جدران الوهم المنحلة، ليخرج قرار من رئيس الجمهورية.. بعدم المساس بدير ابو سفين بعد أن زارته الأم ايريني والقديس العظيم أبي سفين في غرفة نومه فقام فزعا وهو بالبجامة المقلمة كستور المحله -………….. إلخ

أما الشيخ الشعراوي الذي شل في لسانه لأنه استهزأ بالعقيدة المسيحية.. وما يذاع اليوم-وقت سماع هذه المعجزات – ما هو إلا حلقات مسجلة.. فالكل يتكتم حتى لا تهتز أركان الإسلام..

أما ما صنعه البابا كرولس وماري جرجس مع الشيخ كشك فيفوق الوصف والعد… أما مشايخ الأزهر فكلهم بالصلاة على النبي قد دخلوا المسيحية، ويقبلون يد البابا شنودة ويرجوه أن يستر عليهم… أنتوا أيه ؟؟ ما عندكمش ولايا.. وأحنا نعيط..!!

ولم نترك – نحن مسيحي الشرق الأغر تخريفة فاسدة سلك فيها أهل دين من الأديان إلا صرنا على نهجها وهديها نحن ومعنا صارت عليها باقي الأديان في انسجام عجيب رغم التنافر والتناحر، وله في خلقه شؤون.. 

ودخلت المسيحية الشرقية في لعبة الأعجاز التي خرج منها العقلاء من اليهود والمسيحيين الغربيين بعد أن روجوا لها قرونا ولكنهم تجاوزوها.. ولكننا شعب عاطفي يدفع عمره في لحظة حنين للماضي ولو كان الماضي اسود من لو ن الطين.. فنحن شرق يعيش في زمن مغاير عن باقي الخلق.. وهو مما أحسبه شذوذا عقليا اجتماعيا حضاريا… 

فبينما هجر الناس شكل الحكم والسلطة الامبراطورية لصالح الدول الوطنية ذات الإدارة المركزية، نجدنا نجنح لاشتهاء نموذج الامبراطورية الإسلامية في شكل الخلافة، حيث تجمع الأموال من الأقطار على حسب الجنس والملة من جراية وذكاء وخراج وجزية ليصب في بيت مال أمير المؤمنين في عاصمة الخلافة المزدهرة – فإن شاء أعطى بسخاء عثمان ابن عفان وعبد الملك ابن مروان، أعطى.. وإن شاء ضيق تضيق عمر ابن الخطاب وعبد الله أبن الزبير، ضيق.. إن شاء أن يبقي على الكنائس أبقى، وإن أراد هدم هذه الأشياء هدما، هدم.. وأهل الذمة أن اعترضوا خرجوا من عقد الأمان باعتراضهم فأحلوا دمائهم بأنفسهم.. 

نعم نحن مجتمع شاذ يسير في طريق هجره من ساروا فيه قبلا فوجدوه منزلقا نحو الجحيم، ونحن أيضا جربناه فهلك منا من هلك.. ولكن العالم كله تعلم الدرس.. ونحن ما تعلمنا شيئا.. ونريد العوده للهاوية.. فمن يأس الحياة اشتهى الموت، فهل يأسنا الحياة حقا أم حقدنا على غيرنا وشعورنا بالضعة والضئالة يجعلنا نكون شوقا يأخذ الجميع لكارثة فنتساوى، ولأول مرة، مع الآخرين في التراب والقبر حيث العفن ودود الأرض قاسما مشتركا… ألسنا بهذا، وفي هذا، شواذ..؟؟!!

العالم هجر مرة وإلى الأبد بيع وشراء البشر، الإنسان كسلعة تثمن وتعرض في سوق نخاسة فيشتريه واحدا من علية القوم، أن أراده محاربا صار محاربا وإن أراده خادما صار خادما وإن اراده مركوبا صار مركوبا.. فهل هجرنا نحن فكرة العبودية والإنسان-الشيء العبد، أم مازلنا ندرس فقه العبودية في معاهدنا الدينية من القيروان إلى أم القرى مرورا بأم درمان، ولا يتخلف عنهم الأزهر بل يتشدق هذا برفع الراية.. 

وفي ظل كبح القانون الدولي للعبودية نجد في الدعاء والتمني وشوق الملهوف لعودة دولة الخلافة تحررا من قيد كفر قوانين حقوق الإنسان.. وفي انتظار تحقيق هذه الأمنية، ما أن تملك دولة مال من كارثة النفط الهباب، حتى تبتكر وتبدع وتنسق وتخطط قوانين الكفيل.. عبودية جديدة مخففة لتخدع الغرب المضطر للصمت خسة منه وطلبا للمنفعة… 

أما عن النساء، وسبايا الحرب.. والعالم كله يشاهد ما يحدث من اسواق النخاسة في العراق وسوريا وفي افريقيا بوكو حرم.. والاغتصاب الجماعي والضرب والقتل فيهن ويصمت، فهذا عار على جبين الإنسانية كلها يلطخ جبيننا إلى أن نموت.. وما ندعوه اليوم العالم العربي والإسلامي الذي منه خرج طالبان وداعش والنصرة والقاعدة وبوكو حرام……. فهؤلاء لا نصفهم إلى بكلاب جهنم بل أضل سبيلا… 

المجتمع الذي يتحدث عن الفضيلة، ويريد “سينما نظيفة” وأغنية هادفة راقية، ويحرم بعضهم خروج المرأة ولو محجبة أو منقبة على التلفزيون أو خارج البيت.. هذا مجتمع شاذ شاذ شاذ.. ففي شوارعه تسمع ألفاظا يصير معها اقبح عمل سينمائي لغتا وسبا، اشارة وتلميحا، نقول أنها وبالمقارنة تصير اقذع ما يخرج من فم أبطال اكثر الأعمال اسفافا في عمل سينمائي كتواشيح دينية في عشق الرحمان أو ترتيله في الطهر والعفاف وجمال الحياة الديرية في مقابل اللفظ الدارج لشباب جيل السبعينات فما فوق من شباب الصحوة الإسلامية والانتكاسة الأخلاقية.. من تفشي الرشوة والمحسوبية وسوء الطبع مع الجهل…

يا أهل النفاق أما سمعتم لغة شارعكم.. فهل تريدون “سينما نظيفة” ليست مرآة لقذارة لغتكم المسموعة في شوارعكم وحواريكم وميادينكم… عن أي طهر وعفاف تتحدثون ونسائكم يتحرش بهن في الشوارع، وبعضا منهن تعرى في الميادين بفعل ابنائكم الكرام الخلق والدين.. ويلتصق الذكور بالإناث في علاقات حيوانية بلا مشاعر ولا حتى ابتسامة في المواصلات وفي الاسواق ومتى اتيح لهم لذلك سبيلا.. أهو الغرب الفاجر الذي يبيح ما حرم الله.. مرحا، مرحا.. هكذا أنتم تقرأن على ابليس السلام..!! 

لن أطيل وإن كان في الجعبة لكثير.. حتى لا يزداد انزعاج المنزعجين مني وهم كثر.. ولكني أقل وباعتدال وعلى باب الاحتمال، لعل مجتمعنا هو الشاذ.. ونحن من تخلفنا عن الحضارة والإنسانية والعمران فصرنا في الدرك الأسفل من الانحطاط وقلة المقام.. 

فلماذا نحن مُصرين على أن نخلط الدين بالسياسة، الدين بالعلم، الدين بالطب، الدين بالاقتصاد، الدين بالقانون… ؟؟؟

ربما هذا هو سر شذوذنا عن العالمين.. فلما لا نترك لكل شيء مجاله، وحقل عمله بحرية..؟؟.. لماذا نريد أن نجرجر الدين خلفنا ونحن في الحمام، ونحن مع زوجاتنا، نحن ومع فنجان قهوتنا، ونحن في أحلامنا وكوابيسنا..؟؟… لعل هذا هو عين الحرام..!! 

فما اقبح أن نعطي الناس دروسا في الطب، والغرغرينة في الساق وفي العين.. متى نكف عن تلقين الناس دروسا في الخلق ونحن الأول في العلم في اغتصاب الأنثى والتحرش بها ومذلتها، والأول في هتك عروض الأطفال الذكور بل والرضع.. متى لا نتهم الناس بالقذارة ونحن قبورا غير مبيضة لا من الداخل ولا من الخارج بل تختلط عظامنا بقباب من المخلفات وكل اشكال الزبالة.. 

كيف يفتح “كلب نتن” أو “برغوث ميت” –( وهذه تعابير من النص المقدس المشترك وهو التوراه، فهي إذا ليست شتيمة، فالشتيمة حرام )– ليعطي درسا في الفضيلة والتعفف والعلم.. فهذه أشياء لا تشترى.. ولا يغني فيها القول عن العمل.. والباطل فيها لا يطعم جائع.. ولا يُسكن ألم ولا يصنع دواء..

فمتى يصمت الشاذ عن النقد والتحقير للغير وإعطائهم الدرس ؟؟؟.. لعل أول خطوة تكون بالصمت، والإصغاء والتعلم من الغير.. ثانيا : فصل الدين عن العلم والطب والاقتصاد والسياسة وقراءة الفنجان و”تفسير الأحلام ” لأبن سيرين أو “نواضر الأيك في معرفة النيك” للإمام العالم الحافظ جلال الدين السيوطي.. وبعدها يحلو الكلام.

وبمناسبة صدور حكم المحكمة العليا الامريكية قبول طلبات زواج المثليين في كل الولايات الامريكية.. ورأي رجال الدين في ما اسموه شذوذ، مخالفة للفطرة والأخلاق والأدب والوقار بالأدلة العلمية الكونية الدامغة..

فقد اثبتوا نصهم بأدلة فوق الشبهات على اساس مخالفته للطبيعة من الناجية الفيسيولوجية والعضوية والبيولوجية والهرمونية – والطبية والنفسية والصحة العقلية – والتاريخ والجغرافية وعلوم الفضاء… حتى وصلنا إلى عالم الحيون – نحن – وما نريد أن نأخذ منهم المثل في سلوكهم الطاهر البريء، المعتدل القويم فهذا سيكون موضوح طرحنا في المقال القادم بأذن الواحد الاحد القهار…

وسنأخذ على ذلك مثال الأنبا روفائيل –حبيبي- سكرتير المجمع المقدس ليشرح لنا نظريات علمية جديدة، اعجاز علمي – في قضية المثلية الجنسية.. ووقع اختيارنا المبارك على المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية لأننا نتصور ان الداء في العقلية الدينية الشرقية ورؤيتها للدين لا في هذا الدين أو ذاك… فكلهم في السوء سواء..

فإلى اللقاء في المقال القدم

Print Friendly
This entry was posted in ارنست وليم and tagged , . Bookmark the permalink.