السقوط المدوي لنهضة انقطعت عن الإنجاب

احمد خير الله      احمد خير الله    

انتهينا في المقال السابق ” الرشدية في عصر النهضة الأوروبية” من قراءة د.غالي شكري للمحور الاول من الاشكالية التي طرحها د.مراد وهبة في كتابه “مدخل إلى التنوير” ، وفي هذا المقال نستكمل تلك القراءة للمحور الثاني و هو موقف الرواد المصريين و العرب الكبار من الفكر الأوروبي في بدايات النهضة العربية الحديثة .

إذا كنا لم نربح معركة ابن رشد في بلادنا باسم الاكتفاء الذاتي و ربحه غيرنا في معركة العلمانية و التنوير في بلادهم – بالرغم من المفارقة : أن الرجل ينتمي إلينا و نحن نتمي إليه – فإننا خسرنا كذلك معركة النهضة حتى حين كنا ننفتح و نتحاور مع الآخرين .

و هذا هو المحور الثاني : كان ابن رشد أحد أطرافه غير المباشرين ، و كان الكاتب الروسي ليوتولستوي طرفا مباشرا ، و كان الطرف صاحب المبادرة وهو الأستاذ الإمام محمد عبده .

وقبل أن يترجم مراد وهبة رسالة تولستوي إلى محمد عبده لم نكن نعرف عن محتواها شئ ، و إنما كنا نسمع أن ثمة مراسلات بين محمد عبده و الكاتب الروسي و لم نقرأ فعلا سوى رسالة محمد عبده في كتاب عثمان امين – رسالته للدكتوراه – و بقى رد تولستوي مجهولاً حتى عثر عليه د.مراد وهبة في متحف تولستوي في موسكو ، و بادر إلى ترجمته و تصوير الأصل.

و د.مراد وهبة لا يكتفي بالكشف عن النص الأصلي للرسالتين المتبادلتين بين الشيخ المصري و الكاتب الروسي بل يمهد لاكتشاف الوثائق بكشف الرؤى، فيقول “إن المجتمعات التقليدية في العالم الثالث مجتمعات متفككة ، و ليس ثمة مبرر للنواح أو التجاهل فهذا واقع و حادث و ليس في الإمكان العودة إلى الوراء ، فليس أمامنا سوى السير إلى الأفضل أو إلى الأسوأ ، وفي هذه الحالة ليس أمامنا سوى سؤال واحد على النحو الثاني : هل يمكن السير إلى الأفضل؟

وفي هذا السياق تغدو العلمانية “روح الحداثة” ، ويكاد هذا التعريف أن يقتصر عند مراد وهبة على النموذج الإشتراكي مادام الاغتراب الرأسمالي لا يحقق العدالة الإجتماعية .

هنا يختلف د.غالي شكري مع الكاتب الكبير مراد وهبة ، لا لأن النموذج المتحقق من الإشتراكية في الماضي القريب قد انهار بل لأن العلمانية بحد ذاتها ليست صيغة شرطية لنظام محدد ، بل و هناك عدة تجليات للعلمانية كالديمقراطية و الاشتراكية نفسها – لا تلتزم بنظام اقتصادي أو اجتماعي : فالعلمانية التركية تختلف عن العلمانية النازية او العلمانية الستالينية ، و الأنواع الثلاثة تختلف بدورها عن العلمانية في النظم الليبرالية غربية كانت أو شرقية كما هو الحال في الهند .

ذلك ان العلمانية ليست نظاما بل إحدى الآليات الديمقراطية ، فهي ملازمة للديمقراطية و الليبرالية أيضاً ، وهاتان الخصيصتان تعرفهما الرأسماليات المنتجة المتقدمة ، و قد تعرفهما في المستقبل نماذج اشتراكية لم نعرفها بعد ، لذلك في العلمانية إحدى آليات أي نظام ديمقراطي ليبرالي و ليست بالتالي ” روح الحداثة” كما يراها مراد وهبة و ينظر إليها الكثيرين من العلمانيين حالياً و إنما بالضرورة إحدى آليات هذه الحداثة .

بالعودة إلى خطاب الشيخ محمد عبده إلى تولستوي ، فهو يخاطب تولستوي بالحكيم الجليل الذي أدرك “أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم و يثمر بالعمل ولأن تكون ثمرته تعبا ترتاح به نفسه و سعيايبقى و يرقى به جنسه” ثم يقول لتولستوي “كما كانت آراؤك ضياء يهدي به الضالون كما كان مثالك في العلم إماما يقتدي به المسترشدون . وكما كان وجودك توبيخا من الله للأغنياء كان مدداً من عنايته للفقراء . و إن أرفع جزاء نلته هو هذا الذي يموه بالحرمان و الإبعاد ، فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سواء اعتراف منهم اعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم كما كنت فارقتهم في عقائدهم و أعمالهم” و اختتم محمد عبده رسالته قائلاً “إذا تفضل الحكيم بالجواب فليكن باللغة الفرنساوية” وكانت الرسالة مؤرخة في 8 أبريل 1904محمد عبده

وقد أجاب عنها تولستوي في 12 مايو من العام نفسه قائلاً “إن رسالة الشيخ الإمام قد أتاحت له الاتصال برجل مستنير ، رغم اختلاف العقائد التي تكثر و لكن ليس هناك سوى دين واحد هو دين الحق آمل ألا اكون قد أخطأت إذا افترضت أن الدين الذي أؤمن به هو دينك الذي يرتكز على الاتعراف بالله و شريعته في حي الغير، و أن نتمنى للغير ما نتمناه لأنفسنا ، و أعتقد أن جميع المبادئ الدينية تندرج تحت هذا المبدأ كاليهودية و الابراهيمية و البوذية و المسيحيين و المحمديين…..) و كلما كانت الأديان بسيطة اقتربت من هدفها المثالي وهو وحدة الناس جميعاً ، وهذا ما يجعلني أقدر خطابك و أود استمرار اتصالي بك ” و في الخاتمة يطرح تولستوي على الاستاذ الإمام سؤالا : ما رأيك في عقيدة البهائية و مذهب بهاء الله و أنصاره ؟

و الامام محمد عبده هو الرمز الأكبر لأطروحة النهضة و معادلتها التوفيقية بين التراث و العصر ،فالرجل كان يمثل “الشريعة التي تجسد مفهوم التراث و التي عليها أن تقبل أو ترفض العصر” وكان اقصى ما توصل إليه الإمام أنه ليس في الإسلام “سلطة دينية” كتلك التي عرفتها الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى ، إلا أنه لم يرد على تلك الرسالة و كان قد توفى بعد عام من تلقيها .

وهنا يطرح د.مراد وهبة تساؤلاً : لماذا اختفى رد تولستوي من القاهرة ، و لماذا لم يجب محمد عبده عليه ؟ و يجيب بلسان مالك بن نبي بأن غياب الشرط الإيجابي أي غياب النهضة الحقيقية هو غياب الخطوة الحقيقية لتحرير الإنسان ، و يضيف “و غياب النهضة يعني غياب التفكير النقدي الذي يعني بدوره حضور المحرمات الثقافية” و يميل مراد وهبة إلى أن سؤال تولستوي عن البهائية – و التي كان يعرفها انها من المحرمات الثقافية التي ما كان الإمام محمد عبده سيجازف بإقتحامها ، و يختلف هنا د.غالي شكري مرة اخرى مع ميل د.مراد وهبة ليقول أن “نوع الإيمان عند تولستوي وقد بلغ من المساواة في العقائد أن يسلم الشيخ محمد عبده بأهمية الاستمرار في الحوار ، ذلك ان تاكيد الإمام على التوحيد و الفطرة و اختلاف تولستوي مع رجال الدين هو “كلام في الفكر” وما دام الكلام في الفكر فهناك سقف لا سبيل لاختراقه” .

هذا السقف الذي نتلمس ارتفاعه في حوار آخر للإمام مع المفكر السوري فرح انطون حول “ابن رشد” الذي يعود من جديد محكاً لهوية النهضة ومداها وما إذا كانت تفضي إلى التنوير أم أن حصادها الفعلي سيكون الظلام بغض النظر عن منجزاتها الكبيرة خلال فترات المد الوطني.

كان فرح انطون صاحب مجلة الجامعة قد نشر عام 1903 كتاباً عنوانه “ابن رشد و فلسفته” وقد انحاز لابن رشد و استخلص من فلسفته – خاصة في الحقيقة المزدوجة – ضرورة الفصل بين الدين و الدولة و ضرورة المساواة بين المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم ، و أضاف أن للعقل دائرة و للقلب دائرة أخرى و أن العلم بطبيعته من صنع الدائرة الأولى ، أما الثانية فهي مملكة الدين ، ومن المعروف ان هذه الأطروحه الرشدية قد أثرت في توفيق الحكيم و يحيى حقي و زكي نجيب محمود على امتدادات معاصرة دون أن تقضي إلى غايتها المروجوة التي أنجزتها الرشدية ذاتها في اوروبا قبل ستة قرون (كما وضحنا في المقال السابق) كان الزمن قد فات و كان السقف الذي حدده رفاعة الطهطاوي و محمد عبده قد ضاعف انخفاضه فوق الرؤوس بحيث أضحت حرية الفكر غاية المنى للنخب تحت هذا السقف الاخذ في التدني ، فمن حاول رفع رأسه ملليمتراً واحداً كطه حسين اصطدم عقله بأسياخ الحديد حيا و ميتا ، كما اصطدم من بعده فرج فوده و نصر ابوزيد ، فصارت حرية الفكر و ليس حرية العقل هي أقصى ما أصبحت تتمناه النخبة .

ولأن حرية “الفكر” تحت هذا السقف قد تمت بمعزل عن الناس ، قد لا يتحمس لها الناس في أكثر الأحيان ، ذلك أن حرية “العقل” كما يركز مراد وهبة عليها هي “الحرية التي تبصر في رجل الشارع الذخيرة الحية للتنوير لأنها ترتبط بحياته اليومية

وهكذا تزوج “الإكتفاء الذاتي” بـ “حرية الفكر” لتمتنع النهضة عن الإنجاب ، و لتزداد الفجوة بين النخبة و الشارع اتساعا ، و لتتمخض انكسارات النهضة في قرن و نصف القرن عن السقوط المدوي.

Print Friendly
This entry was posted in أحمد خير الله and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.