نشأة الأصوليات الدينية والدور الأمريكى

طلعت رضوان  طلعت رضوان

كتب كثيرون من المُـهتمين بالأصولية الدينية، أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، هى صانعة تلك الأصولية، وهى التى جنــّـدتْ ووظــّـفتْ أتباع الديانة العبرية بشـُـعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وذلك بهدف تعظيم الغيبيات لدى الشعوب التى لم تتخلــّـص بعد من الميتافيزيقا، وأنّ تلك الميتافيزيقا هى المدخل الذى يستغله الأصوليون لترويج بضائعهم المُـستهلكة، والتى تحرص الإدارة الأمريكية على الترويج لها لتحقيق هدفيْن رئيسييْن: الأول احتقار مفهوم الولاء للوطن ليكون البديل الولاء للدين، والهدف الثانى: احتقار كل المُـنجز الحضارى للبشرية، ذلك المُـنجز الذى يمكن تلخيصه فى عبارات قصيرة وسريعة: احترام العلوم الطبيعية والإنسانية، احترام آليات حكم الشعوب فى العصر الحديث، مثل تداول السلطة من خلال منظومة ديمقراطية لا تـُفرّق بين المواطنين على أساس الدين أو المذهب أو العرق، احترام وتكريس مبادىء الليبرالية بشقيها الفكرى والسياسى الخ. ومن الكتب المهمة التى تناولتْ هذا الموضوع كتاب (لعبة الشيطان – دور الولابات المتحدة الأمريكية فى نشأة التطرف الإسلامى) تأليف الكاتب والصحفى الأمريكى روبرت دريفوس، والكاتب برويز أمير على بيود خاصة فى كتابه (الإسلام والعلم – الأصولية الدينية ومعركة العقلانية) وهو حاصل على جائزة نوبل فى الفبزياء بالاشتراك مع العالم الباكستانى محمد عبد السلام، ومن مصر كتب د. مراد وهبة كثيرًا عن هذا الموضوع فى أكثر من كتاب من كتبه. 

دأبتْ الإدارة الأمريكية (خاصة بعد الحرب العالمية الثانية) على توظيف اللغة الدينية وترسيخها لدى الشعوب التى تستهدف السيطرة عليها، وبلعتْ الأنظمة الحاكمة (بوعى أو بدون وعى – بحُسن نية أو بتعمد) الطـُعم ومشتْ وراء السياسة الأمريكية فى (تغييب عقول شعوبها) 

ولم يكن توظيف وتجنيد الآلاف من الشباب فى التنظيمات الإسلامية، المُعادية للانتماء الوطنى، والداعية لعودة (الخلافة الإسلامية) والمُـتبنية أسلوب العنف الدموى، وقتل كل من ترى أنه من (الكفار) إلخ، لم يكن احتضان الولايات المتحدة لهؤلاء الشباب، وليد أيامنا هذه فى عام 2015، إنما تعود جذوره إلى النصف الأول من القرن العشرين، وكان من بين أدواتها لتحقيق ذلك إنشاء (جامعات أمريكية) فى العديد من الدول التى تستهدف السيطرة عليها ثقافيًا (وما تستتبعه تلك السيطرة من السيطرة على عقل الشعب) ومن هنا أقامت الولايات المتحدة الأمريكية (الجامعة الأمريكية بالقاهرة) والجامعة الأمريكية ببيروت – لبنان إلخ. 

وهل هى مصادفة أنْ يكون إنشاء الجامعة الأمريكية بالقاهرة فى عام 1919، أى فى الفترة التى شهدتْ أقوى وأعظم ثورة فى الشرق الأوسط ضد الاحتلال الإنجليزى ؟ وهى الثورة التى قام بها شعبنا فى شهر برمهات/ مارس 1919، وحصد ثمارها سعد زغلول وحزب الوفد، وهو الحزب الذى لم يكن فى مستوى تطلعات شعبنا الذى كان (وقود) الثورة من الشباب المقتول بسلاح الجيش الإنجليزى غير الجرحى إلخ. أما أهم كوارث سعد زغلول (وحزبه) فهى وقوفه ضد الشيخ على عبد الرازق فى محنة كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وكذلك وقوف سعد زغلول ضد عميد الثقافة المصرية (طه حسين) فى محنة كتابه (فى الشعر العربى) 

ونظرًا لهذا التراخى من حزب الوفد، ومن أغلب السياسيين، تمّ تأسيس جماعة الإخوان المسلين عام 1928، أى قبل رحيل العشرينات التى شهدتْ ثورة 1919 من القرن العشرين، ولأنّ الدول الإستعمارية ضد استقلال الشعوب، وضد حريتها، وضد أية تنمية اقتصادية حقيقية، لذلك قرّرتْ تلك الأنظمة الاستعمارية (وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا) عدم تكرار ما حدث فى ثورة 1919، وبالتالى لابد من السيطرة على شعوب الدول الخاضعة للاستعمار، فكان من بين أسلحتها لتحقيق هذا الهدف هو (تغييب عقل الشعوب) وأنّ المدخل لهذا (التغييب العقلى) هو الدين، ومن هنا اهتمتْ الجامعة الأمريكية بالقاهرة بنشر الفكر (المثالى) المُـتعارض مع فكر الفلسفة المادية، بمراعاة أنّ الفكر الأول يُرسخ ويُروّج للميتافيزيقا، بكل فروعها وأشكالها، بما فيها أعلى درجة من الخرافات، فتكون النتيجة اعتقال عقل الشعب فى (معتقل الغيبيات) فيؤمن بكل ما هو غيبى وخارق للطبيعة، ويهتم ب (الآخرة) حيث الجنة وما فيها من الغلمان وحور العيون، وبالتالى يتغاضى (الشعب) عن كل مشكلات حياته الواقعية (المادية) على أرض الواقع، وهذا ما حرصتْ الجامعة الأمريكية بالقاهرة على نشره بين شعبنا المصرى.الاخوان وأمريكا

وللتدليل على ما أذهب إليه ما ورد فى مجلة (الفجر الجديد) التى أصدرها التيار اليسارى المصرى عام 1945 برئاسة المفكر الكبير أحمد رشدى صالح (1920- 1980) الذى كان يكتب افتتاحية كل عدد. وكان العنوان الفرعى للمجلة (مجلة الثقافة الحرة) والتى كانت تصدر كل أسبوعيْن. وفى عدد 16 يونيو1945 عرضت المجلة ما حدث فى احتفال الجامعة الأمريكية بالقاهرة السنوى لتسليم شهادات الخريجين، واختار كاتب المقال عنوان (إلى متى ؟) وكتب فى بداية المقال ((إلى متى تريد الجامعة الأمريكية أنْ تسير فى طريقها العتيق الذى لم يعد لنوعه مكان ويجب أنْ ينمحى أثره)) ثم ذكر أنّ جمهور الحاضرين كان كبيرًا، وكان خليطــًا من المصريين والأمريكيين والأجانب. وكان مظهر الحفل (تمثيليًا) وفيه ((شهدنا صلاة باللغة العربية (أقامها) شخص أمريكى، ثم عرضًا للأساتذة والخريجين على مسرح (قاعة ايوارت) ولكن الذى أثار نفرًا غير قليل من الحاضرين – ويُـثير كثيرين غيرهم – النغمة الرجعية التى تردّدتْ فى خـُـطب الخريجين ومدير الجامعة. 

ثم جاء الدور على أول متحدثة أمريكية فقالت أنّ ((المدنية الحاضرة لا تقوم على أسس مادية)) فعلى أى أساس تقوم إذن ؟ أجابتْ ((وإنما تقوم على قواعد مثالية وأخلاقية. وأنّ الحرب الأخيرة (الحرب العالمية الثانية) لم تكن بين الفاشية والديمقراطية، وإنما كانت ظاهرة لانحلال الأخلاق)) وهو نفس الكلام الذى يقوله عتاة الأصوليين فى كل دين. وكان تعقيب كاتب المقال أنّ المتحدثة الأمريكية ((شاءت أنْ تتعرض بالقدح فى الفاشية، ثم خلطتْ بين الفاشية والاشتراكية (أى ساوتْ بينهما) ودعتْ إلى ((تدعيم (الروح) وتدعيم (الأخلاق) إلى آخر ما يقوله السطحيون من المثاليين)) 

ثم جاء الدور على مدير الجامعة فأكد على ما قالته زميلته المتحدثة الأمريكية التى سبقته، فأشار فى كلمته إلى موضوع (الروح) وموضوع (الأخلاق) 

وكان تعقيب كاتب المقال ((إنّ فصل متحدثى الجامعة الأمريكية بين الديمقراطيات، وخلطهم الاشتراكية بالفاشية، والسماح لبعضهم أنْ يحملوا – ولو فى جملة واحدة – على بعض الديمقراطيات، خيانة للظفر العظيم الذى نالته أمريكا وإنجلترا وروسيا والصين وغيرها من الدول المعادية للفاشية. وأنّ تلقين طلبة الجامعة الأمريكية (مثل هذه السفسطة المثالية) وإبعادهم عن خير ما فى الثقافة الأنجلو/ ساكسونية، خيانة للرسالة التعليمية)) 

هذا ما حدث فى عام 1945 من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، أى الترويج للفكر المثالى: الاهتمام ب (الروح) و (الأخلاق) وزغزغة مشاعر الحاضرين بالصلاة التى أقامها شخص أمريكى، فتكون الرسالة ويكون الهدف (بطريق غير مباشر) التحريض على الابتعاد عن الفكر (المادى) أى الفكر الذى يتعامل مع معطيات (الواقع) على الأرض التى يعيش عليها الإنسان، أما إذا أهمل الإنسان الواقع، وغرق فى الغيبيات فإنه يسهل السيطرة على عقله، وبالتالى السيطرة على وطنه. وهذا هو مُـخطط الإدارة الأمريكية وسبب دعمها للأصوليات الدينية (خاصة بعد الحرب العالمية الأولى) وهو المخطط الذى استمرّتْ عليه حتى لحظتنا الراهنة، بدعمها وتمويلها وإنشائها للتنظيمات الإسلامية المسلحة (القاعدة، داعش، النصرة إلخ) من أجل تأجيج الصراع داخل الوطن الواحد وتقسيمه إلى عدة دويلات (العراق نموذجًا) لتنفيذ المُـخطط الأكبر الذى تحلم به الولايات المتحدة الأمريكية منذ أربعينات القرن العشرين، وهو مشروع (الشرق الأوسط الجديد) فهل تعى الأنظمة الحاكمة فى الدول العربية، وفى مصر خطورة هذا المُـخطط ؟ وهل لديها الإرادة السياسية لتحدى هذا المُـخطط ؟ وماذا فعلتْ تلك الأنظمة ؟ والمُـخطط الأمريكى تمّ تنفيذه بالفعل ويسير بخطى مُـتسارعة، وبدأ بتقسيم العراق واليمن، وفى الطريق سوريا وليبيا ؟ وهل تعى تلك الأنظمة أنّ الإدارة الأمريكية تـُوظــّــف الدين من أجل تحقيق أهدافها الاستعمارية ؟ أم أنّ تلك الأنظمة (تتغاضى) عن ذلك، لإنها هى الأخرى تسير على نفس المنهج (توظيف الدين) لأغراض السياسة، حت يسهل عليها قمع شعوبها، طالما ظلــّـتْ تلك الشعوب فى (مُعتقل الغيبيات) ؟ أسئلة تتجاهلها الأنظمة الحاكمة فى الدول (العربية) كما يتجاهلها أغلب المُـتعلمين المحسوبين على الثقافة السائدة فى تلك الأنظمة، وكما يحدث فى مصر، خاصة بعد أنْ وصمها عبد الناصر بأنها (عربية) 

This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.