تحت السيطرة: الهروب ليس صعباً.. الأصعب هو ما بعد الهروب

خالد عاشور  تحت السيطرة . نيلي كريم . مسلسل          

في التجارب على الفئران لدراسة تأثير المخدرات على سلوكها النفسي والحياتي … جاءت النتائج عجيبة… فاللفئران سلوك غريب بعض الشيء وهبته الطبيعة لهم.. الفأر في أول رد فعل يفعله حين تضع له الأكل في القفص هو أن يأخذ بعض الأكل ويدفنه في مكان خاص به وريما يتبول عليه لكي يعرفه ويميزه عن باقي الفئران.. الفأرة الأنثى تخرج فرميون (عطر) تخبر به الذكور أنها في حالة طلب تزاوج ولن يجرؤ فأر على الاقتراب منها طالما لم تخرج هذا (الفرميون – العطر).. الفأرة الأنثى لا تميل إلى التزاوج مع فأر قد تزوجت منه قبل ذلك حتى تحافظ على تجديد دماء الأجيال التي تأتي بعدها وتحميها من أي مرض وراثي…الفئران حين تستكشف مكان ترسل في البداية فأر ذكر كبير.. وإن لم يوجد سترسل فأرة أنثى عجوز وصلت لسن كبير وتقترب من النهاية.. وان لم تجد أرسلت ذكر شاب تزوج وأنجب .. وإن لم تجد ترسل ذكر صغير.. وان لم تجد في النهاية ترسل أنثى شابة… الفئران تحترم الأنثى ولا تضحي بها لأنها الحياة.

بعد فترة من إعطاء الفئران مخدرات (خاصة الهيروين.. المورفين.. والترامادول ) تتغير سلوكها… فيهجم فأر ذكر على أنثى لم تخرج له فرميون… ويدفن فأر أكله في مكان مخصص لفأر غيره حين يبحث عنه يحفر في حفرة تخص فأر غيره.!

تتغير سلوك المدمن بعد التعاطي .. وحتى بعد التعافي يظل فترة طويلة غير متزن نفسياً إن لم يكن هو ذاته قد اتخذ قراراً بالابتعاد عن التعاطي.!

ربما كان لا بد من هذه المقدمة فانا لا أميل إلى إقحام المصطلحات العلمية كثيراً حتى لا يتوه القارئ … المهم ان الحلقة الثامنة من (تحت السيطرة) بدأت قوية كسابقتها.. رأينا نيلي كريم (مريم) وهي تبحث عن حل مشكلتها بنفسها .. هي مؤمنة بأنه مهما وقف بجانبها الغير.. حتى أقرب من لها فلن يخرجها من كبوتها ان لم تمتلك هي إرادة الخروج.

نيللي كريم أبدعت في مشاهد الحلقة (8) طريقة جلوسها وهي في قاعة المتعافين الذين يبحثون عن علاج.. حركة ركبتيها وقدميها المضمومتين يخبرك انها في حالة توتر.. حالة من عدم الثقة.. التوتر.. التيه.. الشرود.. حركة أصابعها وقدمها وتعبيرات وجهها كانت رائعة… نيللي كريم نضجت حد الإبهار… أروع ما في نيللي كريم انها لا تعتمد على جمالها كأنثى.. هي تجبرك على ان تنحني لها لأنها تخرج لك الإنسانة التي بداخلها… نيللي كريم أكثر ما يميزها انها تخلع نيللي كريم منها كلما قامت بدور .. ترتدي نيللي كريم شخصية العمل باتقان يضعها في مصاف النجوم الكبار.. ليس النجوم الكبار فقط.. إنها نجمة عالمية باقتدار.. ثم تأتي لقطة نيللي كريم (مريم) وهي تقرأ من الكتاب الأزرق و12 خطوة للتخلص من الإدمان:

أصبحنا نؤمن بأن هناك قوى أعظم منا باستطاعتها أن تعيدنا إلى الصواب.. نحن مرضى.. لدينا مرض متفاقم.. وقاتل.. ولا شفاء منه.. وبطريقة او بأخرى.. نشتري ضميرنا بالتقسيط.. “

هاني عادل (شريف) :

اللهم امنحنى السكينة وتقبل الأشياء التي لا استطيع تغييرها.. والشجاعة لتغيير الاشياء التي استطيع تغييرها… والحكمة لمعرفة الفرق بينهما.!”

لاحظ إشارات المخرج تامر محسن التي يرسلها ليؤكد لنا ما يريد ان يضع تحته خط.. مشهد الموبايلات عنده … تامر محسن يدرك ما يفعله… فاللقطة التي تتعدى أكثر من 3 ثواني لها دلالة عنده… لقطة (مريم وهي ترسل رسالة لزوجها الهارب منها وهي تكرر إرسالها ليخبرك أنها أرسلتها أكثر من مرة .. وليخبرك ايضا أنه “اذا كان الحب عند الرجل لحظة.. فهو كل حياة المرأة”…. لقطة (سلمى – انجي ابو زيد) وهي ترسل لأخوها (شريف) رسالة اعتذار… تامر محسن عبقري لا شك… وتبقى مريم هي بطلة الحكايات……….. تخبرنا البطلة (مريم) أنك “إن لم تكن طبيب نفسك.. فلن يفلح معك أي طبيب آخر.

************

التاريخ لا يعيد نفسه… البشر هم من يدمنون على إعادته.!

************

القصة الثانية المحورية في (تحت السيطرة) هي قصة الفتاة الصغيرة (هانيا) … ابهرني أداء تلك الفتاة الصغيرة.. هذه الفتاة لها مستقبل كبير في القادم من الأيام… فهي (جميلة عادل محمد عوض) ابنة المخرج الشهير عادل عوض وحفيدة الكوميدي الراحل محمد عوض.. ووالدتها هي الممثلة راندا محمد علي.. هذه الفتاة أدت دوراً صعباً باقتدار وبعبقرية تحت قيادة المخرج المبدع والمتميز تامر محسن… القصة هي إسقاط لحياة مريم القديمة… المسلسل مكتوب بحرفية عالية من سيناريست عبقرية هي (مريم نعوم).. أكرر أننا لسنا عمل درامي عادي… نحن أمام دراسة سيكو دراما عالية الدقة والتميز… بمصاحبة موسيقى لعبقري مثل تامر كروان… لاحظ ذكاء تامر محسن في لحظة تعاطي الفتاة الصغيرة (هانيا)… تامر محسن يهتم بأدق التفاصيل… الغني الذي تعيشه الفتاة برغم صغر سنها فهي تمتلك (كارت فيزا).. لا يوجد من يحاسبها ليوضح لنا هنا أن غياب الأسرة هو أول طرق الإدمان.. فأن لم تجد من يحاسبك لن ترى غير الضياع… تامر محسن مخرج اثبت بما لا يدع مجال للشك انه عبقري فعلاً.!

************

لا تمنح شخصاً اهتمام لا يستحقه.. حتى لا يمنحك وجعاً لن تتحمله.!

************

ينتقل بنا مسلسل (تحت السيطرة) في دراسته السيكودرامية .. في حياة شخصيات ما قبل الإدمان وما بعده … ويعزف في هدوء على حياة مدمني الحياة … (مايا – سمر مرسي) و (هشام – هاني خليفة) .. هاني خليفة تميز في المسلسل… أما (سمر مرسي) كما أؤكد وكلي يقين أننا أمام ممثلة عبقرية تمتلك كل أدوات النجمة… جراءة المرأة وكسرها (لتابوهات) مجتمع أكثر مرضاً وإدمانا لعادات وتقاليد غبية مشوهة .. سمر مرسي أدت دورها بعبقرية لا تقل عن عبقريتها العام الماضي في سجن النسا في تطور ملحوظ لإثبات نجوميتها ولتخبرنا أننا أمام نجمة كبيرة .. تأخرت صحيح.. ولكنها ظهرت قوية كبيرة … لامعة.!

لاحظ تعبيرات وجه سمر مرسي وهاني خليفة في مشهد الزواج.. نحن أمام حالة إنسانية رائعة.. رجل هارب من كبوة زواج سابق.. وامرأة لم تتزوج وتخشى ان تنهار حياتها دون زواج.. الذكاء هنا أن سمر مرسي أدرت دور المرأة الذكية التي تبحث عن رجل بذكاء أنثى.. وبعبقرية امرأة تبحث عن أن تكون أم… ترسل لنا سمر مرسي من خلال تعبيرات هاني خليفة رسالة طمأنة مفادها ” مهما كانت المرأة قويه .. هي تحتاج إلى رجل تشعر معه بضعفها … إذا لم تشعر بضعفها معه .. لن ترى فيه رجل.! .. أعترف هنا أن هاني خليفة عبقري أدي دوره بجمال رائع.

************

هناك رجل يستحق أن تحارب المرأة من اجله كل شيء.. وهناك رجل الحرب من اجله هزيمة مؤكدة.!

************

القصة المحورية الأخرى هي قصة (سلمى – انجي ابو زيد) و (طارق – أحمد وفيق) .. طارق متعافي من الإدمان.. غير انه عاد إليه.. أحمد وفيق أبدع في هذا الدور … إبداعه هنا في ما قدمه من تجديد لنفسه… القصة هنا فيها (أحمد وفيق… أنجي أبو زيد… هاني عادل) الثلاثة اثبتوا أنهم عباقرة… عبر بهم المخرج تامر محسن شواطئ جديدة في تاريخهم الفني… فهاني عادل مطرب جميل.. ولكنه ممثل أجمل… وأحمد وفيق مبدع أصيل.. ولكنه في تحت السيطرة اثبت انه نجم.. أما انجي ابو زيد فأثبتت أنها لا تقل عن أي فرد في سفينة (تحت السيطرة) فنحن أمام عمل كبير بطله هو الحكاية.. كلهم نجوم .. وكلهم عباقرة.. غير انه يبقى الأكثر عبقرية هنا هو الإخراج والسيناريو… وتظل نيللي كريم من وجهة نظري هي الأروع هذا العام.

نحت السيطرة هو عمل متميز رائع لأنه لا يقدم لك رسالة فنية.. انه تأسيس لمدرسة جديدة في علم السيكودراما بكل ما تحمل الكلمة من معنى.. أضف إلى ذلك انه دراسة متميزة في علم النفس عامة… وعلم نفس الإدمان خاصة… وتبقى موسيقى تامر كروان تبهرني لأنه الأروع في موسيقاه.

أعجبني التعاطي مع نفس لغة المدمنين (ضرب.. سرنجاتي.. بودرجي … ابرانجي ) ان تحاكي الواقع أجمل من ان تجمله بتزييف

دور (ليلى عز العرب) جميل… الثلاثي (ليلى عز العرب… حنان يوسف… ماجدة منير) ثلاثي مرعب كبير.

Print Friendly
This entry was posted in خالد عاشور and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.