مصر دولة مركزية فلا تحاسبوا المحافظين

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

تعاني محافظات مصر من إهمال وانهيار في الخدمات على جميع المستويات التعليمية والصحية والأمنية والمرورية والنظافة والمجاري ومخالفات البناء والتلوث، بكلمة واحدة حالة انهيار كاملة في جميع المجالات والاتجاهات.

وهنا يكون السؤال من المسؤول؟

أغلبنا يعتقد أن المسؤول هو المحافظ فيبدأ في صب اللعنات عليه وعلى أمه وأبيه وإذا كان على دراية سياسية نوعا ما صب اللعنات علي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية باعتبار أنهم من عين هذا المحافظ أو ذاك وباعتبار المسؤولية السياسية. وقد نشأت في مدينتي الإسكندرية على أسطورة تقول أن كل رؤساء مصر يكرهون الإسكندرية وأهلها المتمردين على كل سلطة، ولذلك يرسلون لها دائما أسوأ المحافظين.

كل هذا جعلني أخيرا ابحث عن صلاحيات المحافظ، لأحدد مدى مسؤوليته عن الانهيار الخدمي الحادث في مدينتي، هل كل محافظين الإسكندرية فاشلين؟ هل بالفعل كل رؤساء مصر يكرهون الإسكندرية؟ وكانت المفاجأة أن المحافظ ليس له أي صلاحيات هو مجرد مراسلة بين الحكومة المركزية في القاهرة والمحافظة التي يتولاها. فهو لا يستطيع اتخاذ قرار إلا قرار إزالة كشك سجاير على ناصية حارة، وهو لا يستطيع محاسبة أي مسؤول في المحافظة عن إهمال، فلا يستطيع محاسبة مدير الأمن ولا مدير المرور ولا وكلاء وزارة الصحة ولا التعليم ولا هيئة النقل العام ولا يستطيع التغيير في ميزانية المحافظة ليضخ المزيد من الأموال على سبيل المثال لحل مشكلة النظافة، ولا يستطيع اتخاذ أي قرارات لزيادة موارد المحافظة المالية حتى يستطيع الإنفاق على الخدمات في المحافظة وإحداث تطوير حقيقي يسجل باسمه ويحسب له.

فالإسكندرية على سبيل المثال تمتلك من المقومات السياحية ما يجعلها مدينة سياحية من الدرجة الأولى ومقصد للرحلات البحرية التي تمر بمواني البحر المتوسط، ويمكن أن تتحول إلى متحف مفتوح للحضارة اليونانية الرومانية ومتحف مائي فريد من نوعه للآثار الغارقة، وهو ما يعنى ببساطة انتعاشة اقتصادية لمصر عموما والإسكندرية خصوصا وهو ما سينعكس على مستوى معيشة المواطن السكندري على المستوي الفردي والعام. فلماذا لم يقم أي محافظ للإسكندرية بذلك؟ بل على العكس تم إغلاق المتحف الروماني منذ ما يقرب من 7 سنوات وحتى الآن لا يبدو انه سيعاد فتحه قريبا.

ببساطة لأن المحافظ لا يملك صلاحية القيام بذلك.

المشكلة ليست في المحافظين، المشكلة في أننا دولة شديدة المركزية لا يستطيع فيها طبيب أو مدرس في اصغر قرية أن يحصل على أجازة بدون توقيع الوزير في القاهرة. هذه هي المشكلة التي لا يريد أحد أن يحلها بالرغم من أنني منذ وعيت على الحياة العامة وان أسمع عن تطبيق اللامركزية في مصر منذ السادات ومبارك ولكن لم يحدث شيء ولا أتوقع أن يحدث تغيير في هذا الأمر، فالنظم المستبدة ترفض اللا مركزية فكل الخيوط يجب أن تكون في يد الزعيم في النهاية، لضمان استقرار الزعيم على كرسي السلطة. فإذا حدث تطور ما كانت الشعبية للزعيم وإذا حدث إخفاق تلقى المسؤولية على الوزير أو المحافظ أو رئيس الوزراء على الأكثر.

لذلك قررت التوقف عن سب المحافظ فهو مجرد مراسلة لرئيس الجمهورية لينقل للموظفين أوامره ويتلقى الشتائم بدلاً عنه.  

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.