تَجْدِيْد الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ المَسِيْحِيِّ.. ضَرُوْرَةٌ قَوْمِيَّةٌ

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

الأقباط في مصر لهم خصوصية، بل يمكن التصريح بغير تلميح أن مسيحي مصر منذ عقود مبارك لهم مشهد استثنائي من الصعب البوح به وإن تم البوح عن طريق الدراما الفنية أو ديوان شعري أو قصة تتناول رصدا لملامح هذا البوح قامت قيامة الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ويظهر بطريرك الأقباط آنذاك ليعلن ثمة أمور مفادها أن الكنيسة لها شئونها الخاصة وأن الموضوع أو القضية التي تمت إثارتها وإزاحة الستار عنها شأن داخلي لا يهم سوى الأقباط وحدهم وهذا ما ألفناه منذ عهد مبارك.

وربما منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورة يناير البيضاء والأقباط في مصر رأيناهم يتصدرون المشهد والحراك الاجتماعي والسياسي والأصوات التي استمرأت الركون على المقاعد الجلدية بجوار المدفأة ارتفت وثارت وظهرت جنبا بجنب المسلمين وهم يطالبون أولا بالعيش والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية انتهاءً بمطلب إسقاط الرئيس وقد كان هذا المشهد مرة ثانية إبان عزل الرئيس السابق محمد مرسي.

وعلى فترات متباعدة تظهر ثورة الأقباط ضد مؤسستهم الدينية لاسيما حينما يتعلق الأمر بمشكلة الطلاق والتصريح بالزواج الثاني، وربما يغفل كثير منهم المشكلات التي تتعلق بالاحتقان الديني أو الممارسات العنصرية تجاههم ببعض المؤسسات أو من خلال إقصائهم عن بعض مشاهد الحياة الاجتماعية وهذه الصورة كانت بالقطع سائدة طيلة فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك وكانت بالطبع الأكثر بزوغًا خلال الفترة الرئاسية القصيرة للمعزول محمد مرسي.

ومن جديد قامت قيامة الأقباط ضد الكنيسة الأرثوذكسية في مصر من جديد لكن هذه القيامة الجديدة تبدو مختلفة لأنها لم تقتصر على ثمة مطالب فئوية تتعلق بتصريح الزواج الثاني أو مشروعية الطلاق وهما الأمران الذي لا ينبغي أن أفتي بمشروعيتهما في العقيدة المسيحية إيمانا بخصوصية الاعتقاد، لكن هي قيامة تجاوزت في مطالبها إلى المطالبة بضرورة عزل الأنبا تواضروس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وظهر هذا العصيان الاستثنائي في تاريخ الأقباط في مصر من خلال تدشين صفحة إليكترونية على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك باسم البركان للأحوال الشخصية والتي أعلن مستخدموها التمرد العلني على الكنيسة وقراراتها وتصريحاتها بشأن مشكلتي الطلاق والزواج الثاني وطالبوا بعزل الأنبا تواضروس من منصبه الديني والنزوح إلى العبادة بالدير.

بينما أرجع بعض المشاركين بالصفحة الإليكترونية عزل البابا إلى أمر مختلف تماما عن الأحوال الشخصية المسيحية  بحجة أن الأنبا تواضروس أخفق فى حل مشاكل منكوبي الأحوال الشخصية، وسلم شعبه للشرطة بعدما تظاهروا للمطالبة بلقائه.

ويقود هذه الحملة الثائرة ضد الكنيسة المصرية إسحق فرنسيس وقد صرح بصدد هذه الثورة التي لم يعد مسكوت عنها بأن الأنبا تواضروس هو أول بابا فى تاريخ الكنيسة يخالف تعاليم المسيح ويقبل معمودية الكاثوليك ويدرس تثبيت عيد القيامة بالاتفاق مع باقى الطوائف، بالإضافة إلى أنه حطم الرقم القياسى فى الرحلات الرعوية بأوروبا وأمريكا تاركًا شعبه فى مصر بلا أى اهتمام.

ومثل هذه التصريحات أو حالات الغضب لم تكن شائعة في السنوات التي سبقت ثورة يناير الرائعة، وسرعان ما كانت المشكلات الخاصة بالأقباط يتم احتوائها بصورة تبدو غير رسمية عن طريق المشاورة التي تتم بالكنيسة أو من خلال جلسات النصح والإرشاد من أجل رأب الصدع، لكن يبدو أن لغة الثورة امتدت من الشارع إلى الصحافة مرورا بتجديد الخطاب الديني واستقر قطارها الآن إلى المؤسسة الدينية المسيحية الرسمية.

لكن الأمر في الكنيسة الأرثوذكسية يبدو مختلفا تماما، فالكنيسة عبر متحدثها الرسمي أعلن أن تلك المطالبة بعزل الأنبا تواضروس غير مقبولة ومرفوضة تماما ولا تليق بمقام المنصب البابوي الرفيع، وأضاف القس بولس حليم المتحدث الرسمي باسم الكنيسة أن  اختيار البابا فى الكنيسة القبطية يحمل ثلاثة أمور، فهو  انتخب من الأساقفة والكهنة وأراخنة الشعب، وهم ممثلو الشعب، وهو أيضا ـ حسب تصريح القس بولس حليم ـ اختيار من الله من خلال صوم وصلوات الكنيسة كلها وإلقاء القرعة نتيجة لهذه الصلوات، مؤكدًا أن قواعد الكنيسة تحتم أن يستمر البابا فى كرسى الباباوية حتى آخر عمره

بينما أضاف المحسوبين على تيار النخبة المسيحية في مصر أن تلك الدعوات يتصف أصحابها بالهامشية وأنهم غير ذوي شأن في المجتمع وهي لغة نخبوية بالقطع لكن بات من الصعب إخفاء أو تضليل الرأي المصري العام بأن ثمة مشكلة تعترض المؤسسة الدينية الرسمية المسيحية في مصر.

وتناصا مع الجملة الشعرية للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين من قصيدته الرائعة نقطة من دم المحارب الحزين بأن( الكلام الذي لم ينتهي سيفتح بابا جديدا للحرب أو للكلام) ، فإن تلك الثورة التي تخص بالفعل المسيحيين وحدهم وشأنهم الخاص إلا أن الشأن المصري العام يتطلب أيضا الحفاظ على الأمن القومي الذي يتبنى وجوب التوعية والتنوير وهذا يستلزم بالضرورة تجديد الخطاب الديني المسيحي أسوة بمطالب تطويره وتجديده على مستوى الفكر الإسلامي، وأن دعوى التطوير لم تعد قاصرة فحسب على الخطاب الديني الإسلامي، بل إن المسيحيين في مصر إذا اعتبرناهم بحق يمثلون مع المسلمين نسيجا واحدا لمجتمع أصيل فبات من الأحرى وجوب تفعيل دعوى تجديد الخطاب الديني المسيحي من خلال الرؤى والأفكار والطروحات الفقهية التي تتناسب مع المجتمع.

وهذا التطوير على مستوى الخطاب يتطلب أيضا الجلوس على مائدة حوار واحدة بأهداف مشتركة وغايات منشودة للارتقاء وليس الهدم والهجوم، وهذا يتطلب أيضا عدم إقصاء أي جانب من جوانب هذا الحوار إذا كنا بالفعل ننشد مجتمعا قويا يتنافس في الرقي والتقدم مع باقي المجتمعات الناهضة، وذلك أيضا لأن الوطن اليوم بحاجة إلى الوحدة وليس الفرقة والانقسام ومصر التي تمر بفترات حرجة في تاريخها وتسعى لتحقيق طفرة في النمو الاقتصادي لا بد وأن يوازيه حراك اجتماعي إيجابي وليس تشاحنا واحتقانا، هذه هي مصر العظيمة التي ننشدها ونبتغيها وهذا قدرها بالفعل أن تبقى وطنا عظيما، تحيا مصر.

د.بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

قسم المناهج وطرق التدريس

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , . Bookmark the permalink.