صعود الأبناء وسقوط الدول

نافز علوان – لوس أنجليس حكام العرب

كان اسم جمال مبارك وحتى عام ٢٠٠٢ لا يحمل أي ثقل سياسي في مصر. كان يحمل ثقلاً اجتماعياً كأن يكون واسطة لوظيفة كبيرة على سبيل المثال أو أن يخرج متهم من قضية قتل، ولكن لم يكن إسماً يحمل أي وزن سياسي مؤثر على أجهزة القرار في الدولة المصرية وحتى ذلك التاريخ. وقد كان لتولي بشار الأسد لمنصب رئيس الجمهورية في سورية أكبر الأثر في نفس جمال مبارك والذي اعتبر أن مرور هذا الأمر في سورية دون أن يحدث زلزلة لا في الشارع السوري ولا في الشارع العربي إشارة إلى أن شعوب المنطقة وبمن فيهم الشعب المصري سيتقبل هذا الأمر بل وأنه تخيل أن الشعب المصري سيرحب بأن يرث هو الآخر منصب رئاسة الجمهورية في مصر وأن هذا الأمر كان سيمر مرور الكرام على الشعب المصري المرهق بأعبائه الاقتصادية وحالة الفقر التي يعاني منها الشعب المصري.

كانت فكرة التوريث هذه هي آخر سرطانات المنطقة والتي زرعها حافظ الأسد في جسد الأمة العربية قبل أن يموت. كانت هذه هي إجابته ورده على العزلة التي كان يعيشها حافظ الأسد في أيامه الأخيرة من حياته. كان حافظ الأسد مهمشاً تماماً وبعيداً أشد البعد عن القرار السياسي العربي فكان أن ترك لهم هذا اللغم الذي يعلم انه سيترك العالم العربي ممزقاً الى الأبد.

في نفس الفترة الزمنية كان صعود سيف الإسلام القذافي على الساحة الليبية والدولية. وكان قد غذى ظهوره إعلامياً وعززه عند شراءه لعدد من النوادي الشهيرة وغير الشهيرة في كرة القدم الأوربية. تعززت فكرة تولي الأبناء خلفاً لآبائهم في مناصب الحكم في دولنا العربية وكادت أن تلقى نجاحاً في الصعود إلى سدة الحكم في معظم دولنا العربية لولا تدخل أجهزة استخبارية دولية والتي قررت أن نموذج بشار الأسد في سورية لا يجب تكراره، ثم أن هناك معلومات كانت تشير إلى ان هؤلاء الصبية لم يكن لديهم حس سياسي ملتزم يعتمد عليه من قبل الغرب وكانت ميول سيف الإسلام القذافي الإسلامية على سبيل المثال تعطي منحىً خطيراً أخطر من ذلك الذي توهمته المخابرات الأوربية في حكم الإخوان المسلمون في مصر وكان هناك أيضاً الخوف من أن يتدين فجأة جمال مبارك فهو وحسب تقارير المخابرات الألمانية آن ذاك في سن ومرحلة الذبذبة والتي قد ينتج عنها جنوح ديني متشدد كالذي يحدث فجأة للشباب في بعض المناطق العربية والذي لا تجد أجهزة الاستخبارات الدولية تفسيراً حقيقياً له. كان هذا التقرير الألماني من ضمن التقارير التي قامت المخابرات الأمريكية بتسريبها بعد فضيحة اختراق جهاز الاستخبارات الأمريكي لجهاز المخابرات الألماني والذي شهد ضجة معروفة في الآونة الأخيرة.

إلا أن، وبعد انقلاب معايير متشددة في تولي الحكم وخصوصاً في منطقة الخليج وفي المملكة العربية السعودية، معايير انقلبت على تقاليد تولي الحكم لم تكن في حسابات أجهزة المخابرات الدولية وعلى رأسهم المخابرات الأمريكية. معايير قامت بإلغاء طابور طويل من أبناء الملك عبد العزيز وحرمانهم من حقهم الذي أوصى به مؤسس المملكة العربية السعودية وهو أن يكون الملك بين الأخوة أبناء الملك عبد العزيز وحتى آخر أبناءه فكان هذا الانقلاب المباغت والاستيلاء المشوه للحكم في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال والذي قام ويقوم باستغلال الحالة الصحية والعقلية لآخر ملوك المملكة العربية السعودية من أبناء الملك عبد العزيز وقام بتنصيب أحد أبناء الأخوة لولاية العهد ليعود الحكم بعد ذلك إلى أحد أبناء الملك الحالي وهذا بالمناسبة لن يحدث بعد تولي أحد أبناء الأخوة هذا الحكم وسيقوم الملك الجديد بعزل ولي العهد الموعود بالحكم بعد ابن العم هذا، ولأنك كما تخون تخان، ولن يعقل أن يعطي الملك القادم الملك لابن عمه ولا يعطيه لابنه. سيحدث لولي ولي العهد هذا ما حدث لولي ولي العهد السابق ولن يكون بإمكان ابن الملك الحالي الموعود بالحكم بعد وفاة ابن عمه أن يغير أي شيء من قرارات ابن عمه وابن العم هذا في سدة الحكم وعلى عرش ملك البلاد ناهيك عن أن ولي العهد الحالي معروف بطموحه ودوره في تغييب وحرمان أعمامه من حقهم الشرعي بالسيف وقوة السلاح فما بالك بابن العم هذا والذي هو معروف بين أوساط العائلة المالكة باختلاله العقلي وأكبر دليل على ذلك هو قبوله بمنصب ولي ولي العهد الوهمي هذا.

هنا أيضاً كان لما حدث في إمارة قطر من انقلاب الابن على الأب للمرة الثانية واستيلاء على الحكم بالطريقة التي استولى والده على الحكم من أبيه أكبر الأثر أيضاً على مؤامرات الاستيلاء على الحكم في الخليج العربي وهاهو رئيس دولة الإمارات مغيَّب فعلياً ويدير أمور البلاد أخاه والذي هو الحاكم الفعلي لدولة الإمارات.

وكما نشاهد من كم القرارات الخاطئة التي تخرج عن كل الدول العربية حالة التخبط التي تحدث في مصر وعلى سبيل المثال إطلاق سراح كل رموز عهد مبارك والحكم لبعضهم بالبراءة والبعض الآخر في طريقهم الى البراءة أيضاً ولسرعان ما سيتم الإفراج عن مبارك تحت جناح مادة قانونية محكمة الحبك والسبك. ولن نتفاجأ بظهور جمال مبارك من جديد ليخوض خضم الحياة السياسية ولن نستغرب فوزه بمنصب رئاسة الجمهورية حتى وإن تأخر الوقت به بعض السنين. وهاهي القرارات الحربية والعسكرية التي تتخذها دول الخليج والذي كان مصدر هذه القرارات هؤلاء الأبناء الذين انفردوا بالسلطة بعيداً عن مركزية القرار الحكيمة وهذا الإقحام العسكري لجيوش بلدانهم أذاق تلك الجيوش طعم الدماء ومعنى استخدام السلاح والعنف ولسرعان ما ستتحول هذه البنادق إلى الداخل وصوب تلك العائلات الحاكمة لتلك البلاد ولا يسعنا سوى أن نقول إن الله قد قال في كتابه الحكيم … يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ. صدق الله العظيم.

This entry was posted in International Affairs شؤون دولية and tagged . Bookmark the permalink.