الخلافة بين الأرستقراطية والأوليجارشية

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في الخليفة حسب الفقهاء الذين يقولون بالخلافة، هي القرشية، أي أن يكون الخليفة من قبيلة قريش. وهو شرط يجعل نظام الحكم الإسلامي نظام أرستقراطي حيث يحصر السلطة في قبيلة وحيدة باعتبار أن الانتساب لهذه القبيلة هو دليل الأفضلية وبالتالي الأهلية للحكم. لذلك رأينا اطفال ومرضى نفسيين وعقليين يتولون منصب الخلافة لمجرد انتسابهم للأمويين أو العباسيين أبناء قريش رغم وجود الأكفاء الذين ينتمون لقبائل أخرى أو أمم أخرى كان بعضهم يصرف شؤون الخلافة بالفعل ولكن لا يستطيع تولى المنصب لأنه ليس بقرشي.

وقد حاول بعض الفقهاء الخروج من مأزق القرشية هذا وهم يرون ما وصل له القرشيين من مستوى متدني من العقل والقدرة على إدارة شؤون الدولة، فجاء عبد الرحمن بن خلدون بتأويل جديد لهذا الشرط ليصبح غير مرتبط بنسب الدم ولكن بالعصبية، أو القوة والقدرة على فرض السيطرة فشرط القرشية وفقا لابن خلدون هو رمز لما يسميه عصبية ولذلك فكل من يمتلك هذه العصبية يحق له تولي منصب الخليفة، وقد أُعجب الكثير من الإسلاميين بهذا التأويل حتى تحول إلى نظرية في العصبية.

فيقول ابن خلدون في مقدمته تحت عنوان “في اختلاف الأمة في حكم هذا المنصب(الخلافة) وشروطه”: فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة، علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه إليها وطردنا العلة المشتملة على العلة المقصودة من القرشية وهي العصبية. فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية. انتهى كلام ابن خلدون.

هكذا ينقل ابن خلدون شرط القرشية من شرط يقوم على النسب أو الأرستقراطية إلى شرط يقوم على القوة، فيصبح أولي القوة هم المستحقون للسلطة. ما يعنى أنه نقل نظام الحكم الإسلامي من حكم أرستقراطي إلى حكم أوليجارشي أو حكم القلة، وهو نظام حكم يقوم على سيطرة فئة معينة فى المجتمع على الحكم بسبب نفوذها المالي أو العسكري أو الثقافي أو العرقي مثل أن يستولى العسكر على الحكم أو رجال الأعمال أو طائفة دينية معينة أو مجموعة أسر تتوارث مراكز السلطة، أو كما يسميهم ابن خلدون أصحاب العصبية.

هذا هو النظام السياسي الإسلامي الذي ينادي به الإسلام السياسي نظام يتراوح بين الأرستقراطية والأوليجارشية في أحسن أحواله الخلدونية المستنيرة. فكيف يمكن أن نصدق من يقول أن نظام الخلافة نظام ديمقراطي؟ وكيف يمكن لشخص أن يجمع بين الأيديولوجية الاسلاموية والأيديولوجية الليبرالية، فيقول أنه ليبرالي إسلامي؟

هما نظامان مختلفان لا يجتمعان: حكم القلة وحكم الشعب.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.