الله وقيصر

د.مراد وهبة مراد وهبة

عنوان هذا المقال صالح لأن يكون موضع حوار فى شأن «الثورة الدينية» أو «تجديد الخطاب الدينى» أو «الفاشية الدينية» على نحو ما ارتأى الرئيس عبد الفتاح السيسى فى إثارته لهذه المصطلحات الثلاثة. وهو صالح أيضاً لأن يكون موضع حوار فى شأن الصراع الدائر بين الأصوليات الدينية والعلمانية. هذا مع ملاحظة أن عنوان هذا المقال منقول من مجلة «لوماتينيه» الفرنسية الصادرة فى 10 ديسمبر 2005 بمناسبة مرور مائة عام على » قانون الفصل بين الكنائس والدولة« فى 9 ديسمبر 1905 وجاء فى بنده الأول أن الجمهورية الفرنسية مع حرية الضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وفى بنده الثانى أن الدولة لا علاقة لها بدين معين، وبالتالى فإنها تمتنع عن تمويل أي مؤسسة دينية.

وفى إيجاز يمكن القول بأن العلمانية الكامنة فى قانون 1905 تعنى أن الدولة تمارس وظيفتها بلا دين، ومن ثم بلا مرجعية دينية تستند إلى سلطة دينية. وقيل فى حينها إن السيد المسيح هو أول علمانى فى تاريخ البشرية عندما قال: «اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، وأردفه بقوله أن «مملكتى ليست من هذا العالم».

إلا أن هذا الفصل بين المملكتين لم يدم طويلاً، إذ بعد قرنين أو ثلاثة أصبح المسيحيون ضحية السلطة السياسية بقيادة الامبراطور قسطنطين الذى تحول من الوثنية إلى المسيحية التى اتخذ منها ديانة رسمية لإمبراطوريته. وبعد ذلك صك مصطلح «الهرطقة» ليصف به خصومه من المنشقين. ومن يومها والهرطقة أو الزندقة تطارد المفكرين والفلاسفة الذين يتجاسرون على إعمال العقل فى النص الدينى. فكُفر ابن رشد فى القرن الثانى عشر وكُفر فلاسفة التنوير على الرغم من أن بعضهم لم يكن ضد الايمان بوجود الله مثل روسو وديدرو ومونتسكيو وفولتير. ومع ذلك فقد نجحت الثورة الفرنسية فى إدخال العلمانية فى تاريخ فرنسا. إلا أن نابليون أعاد العلاقة الحميمة بين الدين والدولة من أجل تدعيم سلطته السياسية. ومع ذلك عادت العلمانية مرة أخرى فى عام 1879 عندما قرر البرلمان الفرنسى إقصاء الشعارات الدينية من الحياة العامة، ومن ثم تخلى علماء اللاهوت عن مكانتهم السياسية للعلمانيين. وفى القرن العشرين حدث تحول فى الكنيسة الكاثوليكية بين عامى 1906، 2003. ففى عام 1906 أدان البابا قانون عام 1905، أى قانون العلمانية. أما فى عام 2003 فقد أعلن البابا يوحنا بولس الثانى أن العلمانية جزء من تعاليم الكنيسة.

هذا موجز لما حدث فى أوروبا فى شأن العلاقة بين الله وقيصر. فهل هذا الذى حدث صالح لأن يكون موضع حوار فى مصر فى إطار المصطلحات الثلاثة التى أذاعها الرئيس عبد الفتاح السيسى؟

وأجيب بسؤال:

ما العلاقة بين هذه المصطلحات الثلاثة؟

تجديد الخطاب الدينى يعنى إجراء تعديلات جزئية فى إطار خطاب دينى قائم أما الثورة الدينية فتعنى تغييراً جذرياً لخطاب دينى قائم وذلك باستدعاء خطاب دينى قادم، ومبرر استدعائه بزوغ فاشية دينية بمعنى أنه دون الفاشية الدينية ليس ثمة معنى للثورة الدينية.

والسؤال اذن:

ماذا تعنى الفاشية الدينية؟

تعنى الدعوة إلى هوية عنصرية شمولية غايتها التحكم الكامل فى السياسة والاقتصاد والثقافة. فإذا أضفت الدينية إلى الفاشية فإنك تحصل على هوية دينية عنصرية غايتها التحكم فى أي هوية دينية مخالفة إلى الحد الذى تندفع فيه إلى إفنائها بالقتل. وبناء عليه تكون الثورة الدينية هى المطلوبة للاجهاز على الفاشية الدينية، وتكون الثورة الدينية، فى هذه الحالة، هى المسايرة لظاهرة الكوكبية التى تتميز بموت المسافة زمانياً ومكانياً الأمر الذى يترتب عليه أفول الهويات الدينية العنصرية لأنه مع موت المسافة تموت الحواجز ومعها يموت ملاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم تكون الفرصة مواتية لبزوغ العلمانية. ولا أدل على صحة ما أذهب إليه من الحوار الذى أجرته مجلة لوماتينيه مع غالب بن شيخ «رئيس المؤتمر العالمى للأديان من أجل السلام»جاء فيه أنه ليس ثمة تناقض بين الإسلام والعلمانية، ولا أدل على ذلك من أنه فى القرآن ليس ثمة إشارة إلى العلوم السياسية أو إلى أي سلطة دينية. ثم إن ما يسمى الجهاد يعنى الجهد المبذول من قبل الانسان وهو فى طريقه إلى الله. أما ما يشاع عن ضرورة الدفاع عن الاسلام فى مواجهة أعدائه على نحو ما يرى الاسلام السياسى فإن بن شيخ يتساءلأى اسلام يكون موضع دفاع؟ هل هو اسلام اندونيسيا أم اسلام اليمن أم اسلام بن لادن؟

وأظن أن بن شيخ محق فيما يرى، وهو في رؤيته منحاز إلى الثورة الدينية التى تعلن أن العلمانية لاتتناقض مع الاسلام إلا أن هذا الاعلان لا يتسق مع مسار الفكر الاسلامى. وقد عبر زكى نجيب محمود عن هذا المسار عندما قال فى حديث له نشرته صحيفة «الأهرام» عام 1985 : «إن الذين يقولون إن العلمانية خطر على الاسلام فاتهم أنهم فى كل ما ذكروه إنما يتكلمون عن ديانات أخرى غير الاسلام. وأنا أطالبهم بأن يذكروا لى مثلاً واحداً ليوم واحد مر فى التاريخ الاسلامى كله على شعب مسلم قد تم فيه الفصل بين الدين والدولة». وبناء عليه فإنه يمكن القول بأنه إما أن تكون مع بن شيخ أو تكون مع زكى نجيب فإن كنت مع الأول فأنت منحاز إلى الثورة الدينية وإن كنت مع الثانى فأنت لست فى حاجة إلى ثورة دينية ولا إلى تجديد الفكر الدينى، بل أنت فى حاجة إلى أن تسأل ذاتكلماذا أنت ضد الإخوان المسلمين؟

This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, د. مراد وهبة and tagged , . Bookmark the permalink.