احذروا الألفة مع الدم

د. خالد منتصر  خالد منتصر

ربط شاب فى عمود إنارة وشنقه حتى الموت وسط تهليل وتصفيق أهل القرية!!، كيف لهذا الخبر الذى نشرته «المصرى اليوم»، أن يمر مرور الكرام وكأن المشنوق ينتمى إلى عالم الصراصير؟!، لم تكن كوم حمادة محافظة البحيرة هى المكان الأول لمثل تلك الجرائم العلنية، ففى السنوات الأخيرة وبعيداً عن الحوادث الإرهابية لعصابة الإخوان حدثت بعض الجرائم المشابهة الفردية فى عدة محافظات، منها ذبح شخص وعرض جثته فى تروسيكل يلف البلد وسط تهليل أهل القرية، ومنها ذبح ثم تعليق أيضاً على أعمدة وجذوع نخل… إلخ، وأيضاً وسط تهليل أهل القرية أو الحى أو الشارع، بالطبع الشنق والذبح والقتل والخنق جرائم فى منتهى البشاعة والوضاعة، ولكن ما يسترعى الانتباه هو الجملة الخالدة «وسط تهليل أهل القرية»!!، والأكثر خطورة هو أن كل هذه الإعدامات العلنية والذبح على المكشوف مسجل على الهواء مباشرة صوتاً وصورة بالموبايلات!!، يعنى تهليل وتكبير وفرحة ونشوة وكمان ناس بتصور بالموبايل فى حالة توثيق جماعى لتلك البشاعة والوضاعة.

تزامن هذا الزار الدموى الهستيرى الجماعى مع مطالبات بالإعدامات العلنية وإلحاح على إذاعتها فى التليفزيون على الهواء بعد إكس فاكتور!!، شاهدنا وسمعنا هذه المطالبات فى برامج ومداخلات وقرأناها فى مقالات كتاب كبار، هذه الحالة خلقت لدى الشعب المصرى ألفة مع الدم واعتياداً على العنف وتبلداً تجاه مشاهد الذبح والشنق والقتل!، كل المجتمعات من العادى والمألوف أن نجد قاتلاً هنا وسيكوباثياً هناك، ولكن من غير العادى ومن غير المألوف أن نجد شعباً يسكنه وسواس الدم ويهلل لمشاهد النزف وينتشى بالشنق والسحل ويطالب بإذاعته على الهواء، بل ويجد وقتاً وأعصاباً وثباتاً لضبط كاميرات المحمول واختيار زوايا التصوير ودرجات الإضاءة لتصوير تلك المشاهد!!

الجرائم موجودة فى كل زمان ومكان وتحاول الدول المتحضرة مقاومتها، ولكنها لا تطمح أبداً للقضاء النهائى عليها، لأنه طالما وُجد بشر متنافسون فهناك لابد من جرائم، ولكن الخطر الذى لا تستطيع دولة متحضرة السكوت عليه هو تبلد الناس وتآلف الشعب مع تلك الجرائم واعتياد تلك المشاهد البشعة، بل المطالبة بالفرجة عليها إلى جانب برامج المنوعات والتوك شو!، هنا يكمن الخطر الذى لابد أن تنتبه له الدولة وتقف على أطراف أصابعها وتحشد كل جهودها لتحليله ومقاومته والقضاء عليه نهائياً، لابد أن نضع خطة وطنية شاملة لمنع الألفة مع الدم، سواء كان دم إنسان أو حيوان، ولنا فى مشهد ذبح الكلب الشهير بعد تعذيبه عبرة وعظة وذكرى، لابد أن نمنع حتى ذبح الحيوانات فى الشوارع علانية أمام الأطفال وترك الدم ينزف فى وسط الشارع والطلب من الصغار اللغوصة فى هذا الدم لوضع الكف خمسة وخميسة على ممتلكاتنا الثمينة!، لماذا عصاب العلنية وشو الذبح على الملأ الذى يسكننا؟! لا أستطيع قبول وتجاوز وطناش مشهد فنانين يذبحون عجلاً على باب الاستوديو قبل بداية التصوير للحصول على البركة ونشرها فى الجرائد والبرامج وسط الضحكات والتهليل!، لماذا خُلقت المجازر وأماكن الذبح المخصوصة؟ المفروض أن من يفعل هذا ممثل أو مخرج فنان مرهف الإحساس رسالته هى نشر الذوق والارتقاء بالشعور وليس التفاخر بالذبح العلنى!

يكفينا ألفة مع القبح فى القمامة وألوان العمارات الفاقعة وأشكال ملابسنا الفجة، يكفينا ندرة التماثيل فى الشوارع، وإلغاء الموسيقى فى المدارس، وتحريم الفن التشكيلى والنحت والغناء، يكفينا جاكيت الجبس الذى صب فيه وجداننا الذى صار غليظاً، يكفينا أعداء البهجة والحياة من المتطرفين الذين سمموا حياتنا، لو تآلفنا مع الدم وتعودت عيوننا وآذاننا على القبح والدمامة نكون قد خاصمنا الحضارة والحق والخير والجمال.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , . Bookmark the permalink.