قراءة في السياسة التركية

محمود خاطر تركيا

اعلنت الأيام الماضية نتيجة الانتخابات التركية، والتي حقق فيها حزب أردوغان -العدالة والتنمية- فوزا بطعم الخسارة، إذ لم يتمكن من الحصول علی 60% من إجمالي المقاعد التي تمنحه الأغلبية المطلقة الكفيلة بالأرتداد عن القيم الديمقراطية، التي حصلت عليها تركيا في العقدين الماضيين. والحقيقة فإن تلك النتيجة لم تكن صادمة أبدا بالنسبة للخبراء في الشأن التركي، أو بالنسبة للمتابع العادي، فقد كانت كل المؤشرات تؤكد بأن حزب العدلة والتنمية سيفشل في الوصول لمبتغاه لعدة أسباب منها:

أولا: تراجع شعبية الحزب علی نحو ملحوظ، فطبقا لمتسلسلة رياضية بسيطة كان من السهل جدا التوقع بتلك النتيجة ؛ففي عام 2002 حصل الحزب علی 363 مقعدا، وفي عام 2007 حصل علی 341 مقعدا، بينما في عام 2001 حصل علی 326 مقعدا. أي أن الزمن لم يلعب في صالح حزب العدالة والتنمية، بل علی النقيض تماما كما يبدو من الأرقام سالفة الذكر، هذا يعني أن فشل الحزب في الحفاظ علی مؤيديه سمة أساسية مصاحبة له، وبالتالي لم يكن من المستغرب أن يحصل الحزب علی تلك النسبة الضئيلة -مقارنة بطموحه- والتي بلغت 258 مقعدا من أصل 550 مقعدا.

ثانيا: أفول نجم أردوغان نفسه، أثر بشكل مباشر علی شعبية الحزب، باعتباره الرجل الأول فيه. فكانت الضربة التي أصابت الحزب متوقعة مع تزايد الإجراءات القمعية، التي اتخدها أردوغان مؤخرا، مع تزايد شعوره بالغرور من جانب، وشعوره بالارتباك في الوقت نفسه. فبداية من العام الماضي، بدا الرجل لي كما لو كان فقد عقله تماما، واتضح هذا جليا في خطاباته “العصبية ” الغير منضبطة، فعلی سبيل المثال لا الحصر، كان الرجل يتحدث بكل جراءة عن ضرورة حجب مواقع تويتر، وفيس بوك في الخطابات العامة، في مشهد يشي بفقدانه ابسط قواعد الحنكة والمناورة السياسية.بالاضافة إلی رغبته المكشوفة في استعادة مجد بلاده الأمبراطوري علی نحو هزلي، فلك أن تتخيل أن يستقبل الرئيس الفلسطيني ومن وراءه حرس الشرف مرتديا الزي العثماني. كل هذه الشواهد تؤكد بأن الرجل اصبح غريب الأطوار، كما تؤكد أيضا حالة الارتباك يعيشها ذالك الرجل، وقد تجلت هذه الحالة في أزهی صورها العام الفائت، وبدا الرجل بمظهر العاجز أمام الدولة الموازية داخل البلاد، التي اتهمها صراحة بأنها من تقف وراء تسريباته مع نجله بلال، وابنته “سمية”، والتي اكدت تورطه الصريح في قضايا فساد مالي. ثم أعلن الحرب علی أجهزته الأمنية -العام الماضي- وأحال عددا من العسكريين ورجال الأجهزة الأمنية إما إلی محاكمات، أو إلی التقاعد، بتهمة التعاون مع دولة “جولن الموازية “.

 ثالثا: تصاعد رائحة الفساد التي ازكمت الأنوف في تركيا والتي طالت اردوغان وعائلته -كما سبق الذكربالأضافة إلی تراجع حرية الصحافة والإعلام في تركيا، ولك أن تعلم تركيا اليوم في المرتبة ال 149 من اجمالي 180 في مقياس حرية الإعلام والصحافة، في تراجع صريح عن قيم الديمقراطية التي سعت تركيا إليها في العقود القريبة الماضية.

 رابعا: بينما كان حزب العدالة والتنمية يدخل في معارك شرسة مع الصحفيين، وبينما كان “يتشاجر” مع العلمانيين في ميدان تقسيم، كان خصمه “العنيف”، وهو الفصيل الكردي، يجمع قواه وشتاته لخوض معركة الانتخابات. ولا شك أن تجمع الأكراد تحت حزب واحد، وهو حزب الشعوب الكردي، قد أضر بشعبية الحزب، وساهم في سحب بساط الأصوات منه، فعلی سبيل المثال، انخفضت نسبة التصويت للعدالة والتنمية في مدينة ديار بكر من 35% في الانتخابات الماضية إلی 15 % فقط في انتخابات هذا العام، وبالطبع ذهبت أصوات المدينة الكردية إلی “الشعوب الكردي “.

 خامسا: الإحلال والتجديد داخل الحزب نفسه اضعف قدرة الحزب علی الحفاظ علی كتلة تصويتية كبيرة كانت تصوت لشخصيات بعينها داخل الحزب، وذالك بسبب الائحة الداخلية للحزب التي تقضي بضرورة ألا يخوض الانتخابات نفس الشخص لأكثر من 3 فترات متتالية. و برأيي فإن عدم تعديلها -أي اللائحة- كبد الحزب خسائر كبيرة، إذ جردت تلك اللائحة الحزب من أكثر من 70 شخصية مثلت مراكز قوی للحزب طوال السنون الماضية. أما عن النتائج فأنه من المبكر جدا الحديث عن اي نتائج علی صعيد السياسة الخارجية، خاصة مع ترجيح احتمال إجراء انتخابات مبكرة، لأن الطريق الأخر وهو تشكيل حكومة ائتلافية يستدعي إلی أذهان الشعب التركي حالة اللاستقرار؛ فتاريخ تركيا الحديث لديه خصومة مع ذالك النوع من الحكومات الائتلافية، حيث أنه لم تكمل أي حكومة ائتلافية فترة حكمها بسبب حالة الفوضی التي شهدتها تركيا في عهد تلك الحكومات، كما كانت ذريعة للانقلاب العسكري عام 1980 ولنظيره الأخر عام 1997.

 وعلی عكس ما يروج له بعض خبراء السياسة، فأن وجود الأكراد في البرلمان، ستدفع أردوغان للتدخل أكثر وأكثر في الشأن السوري، ودعم تنظيم داعش بسخاء، لمحاربة الأكراد في سوريا وحرمانهم من السيطرة علی المناطق الحدودية مع تركيا ؛ وذالك حتی يجعل حديث الأكراد في البرلمان عن الدولة الكردية مجرد أحاديث ساسة لا تتخطی كونها اماني واحلام، لأن فكرة أن يطالب الأكراد في البرلمان التركي بدولة كردية، بالتزامن مع سيطرة ميدانية كردية علی الأرض هو أمر كارثي لا شك بالنسبة لتركيا. فالعمل علی إقامة دولة كردية مستقلة يجری الأن علی قدم وساق، ولن يفرط الأكراد في هذه الفرصة الذهبية لإقامة دولتهم في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها سوريا والعراق. يتضح هذا بوضوح مع سيطرة الأكراد مؤخرا علی مدينة تل ابيض، والتضييق علی العنصر العربي لمغادرة المدينة، وحديث بعض التقارير الإعلامية عن استقدام الأكراد لمواطنين من شمال العراق، وكوباني، بغية تغيير البنية الجغرافية للمدينة، ومحاولة ربط مناطق السيطرة الكردية ببعضها البعض لإعلان الدولة الكردية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, محمود خاطر and tagged , , . Bookmark the permalink.