(الشكاية والوشاية في مسودة القانون الجنائي (تتمة

د. محمد ناجي  محمد ناجي

السيد وزير العدل والحريات المحترم

في القسم الأخير من هذه الرسالة الثانية، سوف أتطرق إلى إبراز بعض الملاحظات المتعلقة بالتعديل الجوهري المدخل على عقوبة الوشاية الكاذبة في المادة 445 من المسودة، ومقارنته بمدى خطورة هذه الجريمة؛ مستشهدا بنوازل مستفادة من الواقع، أو مما راجت أطوارها في محاكم المملكة؛ وذلك بعد أن بينت في القسم الأول [ها1] ما يعتري تلك المادة من اضطراب وتداخل في استعمال مصطلحات الشكاية والوشاية والبلاغ رغم ما بينها من فروق؛ عملا بقاعدة اللاترادف الواجب احترامها في أي نص قانوني، إلا إذا أشير إليه، وأشرت إلى ما بينها من فروق دلالية وركنية خاصة فيما بين الوشاية والشكاية، يمكن أن أختصرها في نقطتين:

الأولى: أن الوشاية تكون من شخص معلوم أو مجهول؛ بينما الشكاية لا تكون إلا من  شخص معلوم.

والثانية: أن الوشاية لا يكون صاحبها (أي الواشي) طرفا في الواقعة المبلغ عنها؛ ولو كان معرفا به فيها، مما يعني أنه لا يمكن أن يُـنَـصِّـب نفسه مطالبا بالحق المدني في الدعوى العمومية. بينما الشكاية لابد يكون صاحبها (أي المشتكي) طرفا فيها باعتباره متضررا من الواقعة المبلغ عنها، مما يؤهله لينصب نفسه مطالبا بالحق المدني في الدعوى العمومية؛ حتى ولو قُـدِّمت الشكاية من طرف شخص آخر، كولي الأمر أو الوصي أو الكفيل أو الزوج أو أحد الأقارب؛ إذا كان المتضرر أو الضحية في حالة عجز أو في وضع لا يسمح له بتقديم شكاية بنفسه، كأن يكون في المستشفى، أو محتجزا، أو في وضعية حرجة أو غير ذلك، كما سيتضح من الواقعة الذي سنستشهد بها.

وعليه فإنه يمكن اعتبار مصطلح “الإبلاغ” هو المصطلح الجامع بين الشكاية والوشاية في حالة صحة الوقائع المبلغ عنها ..

أما في حالة عدم صحة تلك الوقائع؛ فهنا يجب التمييز بينهما، أخذا بالاعتبار دخول عنصر ادعاء الضرر في الشكاية الكيدية، وعدم ادعائه في الوشاية الكاذبة.

ولذلك فإذا نظرنا إلى العمليتين: أي تقديم وشاية أو تقديم شكاية، من جانبيهما المحـتَـمَـلين، وهما صحة الوقائع المبلغ عنها او كِـذْبُـها واختلاقها؛

 فإن الوشاية الكاذبة يُـحتمل فيها حسن النية أو سوء النية معا. وذلك باعتبار قابليتها لاستيعاب مسألة الصدق والكذب بشتى أوجهها عند الفقهاء والأصوليين والمناطقة والبلاغيين، من حيث تعريف الخبر الصادق بمدى مطابقة الكلام للاعتقاد والواقع، أو مدى مطابقته للاعتقاد دون الواقع أو مطابقته للواقع دون الاعتقاد، والخبر الكاذب عكسه فيها جميعا، مما نعتقد أن القانون الجنائي في غنى عنه، حيث يكون المشرع  حريصا على عدم استعمال الكلمة التي تحتمل تأويلات متعددة، أو قراءات مختلفة..

أما الشكاية الكيدية، فلا وجه فيها لحسن النية؛ لأنها اختلاق وافتراء متعمد، يُـقصد منه الإضرارُ بالمشتكى به البرئِ أصلا وعِلما من كل ما يتهمه به المشتكي باطلا وافتراء.

وبالنظر إلى مجموع القانون الجنائي فيما يتعلق بهذه المسألة؛ فإننا نجد أنه عالج قضية البلاغ الكاذب في الفصل أو المادة 264، مستعملا مصطلحا آخر هو إهانة القضاء:

المادة 264

« يعتبر إهانة ويعاقب بهذه الصفة قيامُ أحد الأشخاص بتبليغ السلطات العامة بشكل مباشر أو غير مباشر، عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها أو بتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية أو التصريح لدى السلطة القضائية بارتكاب جريمة لم يرتكبها ولم يساهم في ارتكابها.»

وهي مادة نعتقد أنها تحدث خللا واضطرابا في القانون الجنائي، إذ ما الفرق حسب هذه المادة بين إهانة للقضاء؛ وبين الوشاية الكاذبة في المادة 445:

« … من أبلغ بأي وسيلة كانت عن سوء نية، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر السلطات القضائية أو ضباط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيئات مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الذي يعمل لديهم. …. »

فإذا قارنا بين المادتين  من حيث الألفاظ والعبارت، نجدها تقريبا هي هي، وتفيد نفس الشيء:

 فالإهانة: هي (التبليغ بشكل مباشر أو غير مباشر). والوشاية هي (التبليغ بأي وسيلة كانت) .. فما الفرق بينهما؟

وفي مادة الإهانة: (التبليغ عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها، أو تقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية)

يقابلها في الوشاية الكاذبة: (من أبلغ عن سوء نية وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر). وواضح أن التبليغ ضد شخص أو أكثر لا يعتبر جريمة إلا إذا كان تبليغا عن فعل يجرمه القانون، ويكون المبلغ عالما بعدم وقوعه كليا أو جزئيا. فهل هناك تبليغ يدخل في القانون الجنائي عن فعل لا يعتبر جريمة؟

أما عن تقديم الأدلة الزائفة؛ فهي ممكنة وواردة حتى بالنسبة للوشاية الكاذبة.

فما الفرق مرة أخرى بينهما؟

ثم جاء في الفقرة الثانية من المادة 445: «إذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب عقوبة تأديبية .. » وهو ما أراه حشوا ليس فيه أي إضافة نوعية أو قانونية؛ لأن الإبلاغ عن فعل أو عن وقائع لا تستوجب عقوبة تأديبية، لا يَـلتفت إليه القانون الجنائي، لأنه إما أن يكون فعلا مباحا أو غير مجرم، أو أن يتعلق بالقانون المدني، أو بالقانون بالتجاري أو بالإداري أو غير ذلك من القوانين.. فالتبليغ الذي يدخل في الوشاية الكاذبة، لابد أن يكون بوقائع تستوجب عقوبة تأديبية.

إن وضع الشارع لهذه الفقرة مبتدئا إياها بإذا الشرطية، يفهم منه أن هناك وقائع أو أفعالا يمكن أن يُـبَـلغ عنها، ولكنها في حد ذاتها لا تستوجب عقوبة تأديبية.. ولقد أعياني البحث في القانون الجنائي عن فعل من هذا القبيل فلم أعثر عليه.

 ومن ثم فإنه لا يبقى هناك فرق بين الوقائع التي تستوجب عقوبة تأديبية حسب المادة 445، وبين وقوع جريمة حسب المادة 264؟

الفرق الآخر بين المادتين، هو أن الإهانة يدخل فيها تبليغ الشخص عن نفسه بادعاء جريمة لم يرتكبها، وهذا أيضا يمكن إدراجه ضمن الوشاية الكاذبة الموجهة ضد أي شخص، بما فيه شخص الواشي نفسه، حيث نعتبر أنه جرد من نفسه شخصا ووشى به كذبا وافتراء؛ والتجريد معروف ومتداول في الثقافة العربية شعرا ونثرا؛ ومن ثم لا يكون هناك فرق من الناحية العملية، ولا من حيث الإجراءات المسطرية، بين أن يكتب المبلغ اسمه في الوشاية المقدمة، وبين أن يكتب اسم شخص آخر معلوم ومعرف به وبمكان إقامته، أو بين أن يتقدم إلى مركز للشرطة أو للنيابة العامة ويقدم وشاية شفوية  بارتكاب شخص ما لجريمة،، وبين أن يقدم وشاية شفوية بجريمة ينسبها لنفسه، فليس هناك فوق فيصبي القضية وجوهرها.

والفرق الأخير بينهما هو أن المشرع جعل الوشاية الكاذبة أعـمَّ من الإهانة، لأن الوشاية الكاذبة قد تكون إلى رؤساء المبلَّـغ ضده، أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم؛ وفي هذه الحالة  فهي لا تدخل في إطار الوشاية الكاذبة بمفهومها الجنائي؛ إلا إذا كان الفعل المقترف يعتبر من الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي. وإذا كان الفعل المبلغ عنه منصوصا عليه وعلى عقوبته في القانون الجنائي، فإن التبليغ في تلك الحالة يجب أن يتحول إلى شكاية توجه إلى السلطات القضائية؛ إذ ليس من حق الرئيس أو رب العمل أن يعاقب شخصا على جريمة تكون عقوبتها منصوصا عليه في القانون الجنائي، فهذا من اختصاص القضاء وحده؛ اللهم إلا إذا اعتبرها خطأ مهنيا وتعامل معها  على ذلك الأساس، وعاقب عليها عقوبة إدارية؛ كالعامل الذي يسرق بعض وسائل الإنتاج، أو يسرق كمية مما ينتجه أو يحضِّـره المعمل أو المصنع للتوزيع، ثم يُـضـبط فيعاقبه رب العمل بصرفه عن العمل مدة من الزمن مثلا، فالقانون لا يمانع في ذلك باعتبار أن رب العمل اعتبرها خطأ مهنيا، وعاقب عليها عقوبة إدارية. مع الإشارة إلى أن هذا لا يُـسقط حق رب العمل في المتابعة القضائية عن الفعل إذا تكرر وقوعه، سواء من طرف نفس الفاعل أو من طرف غيره..  

أما إذا كانت الوقائع المبلغ عنها إلى رؤساء الفاعل أو أرباب عمله لا تعتبر من الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجنائي، مما يعتبر أخطاء المهنية، فهذه لا تدخل في مفهوم الوشاية الكاذبة حسب مفهومها في القانون الجنائي، لأن رب العمل قد يعاقِـب عليها عقوبة إدارية كخصم من الأجرة، أو تـنـقيـل من مكان إلى مكان، أو تنزيل في الدرجة، أو طرد نهائي، وهذا كله ينظمه قانون الشغل، وليس القانون الجنائي.

وبهذا يتضح أن الوشاية الكاذبة تتضمن كل الجرائم المنصوص عليها في إهانة القضاء، مع زيادة فيها لا تضيف شيئا، بل هي حشو لا فائدة منه. كما يتضح منه أيضا أن المسألة ليست إلا مسألة اختلاف في التسمية، وليس في الفعل المقترف، فتتغير العقوبة بناء على الاسم الذي سمي به التبليغ عن الفعل:

فالذي يبلغ السلطة القضائية عن جريمة مختلقة إذا سمينا ذلك التبليغ إهانة للقضاء، تكون عقوبته من شهر إلى سنة، وإذا سميناه وشاية كاذبة تكون عقوبته من ثلاثة أشهر إلى سنتين. حيث الفعل هو هو، والمبلغ هو هو، والمبلغ إليه هو نفسه أيضا وهي السلطة القضائية، والاختلاف فقط في تسمية عملية التبليغ: وشاية أو إهانة.

أليس هذا إرباكا للقانون، وتشويشا عليه لا مبرر له، ولا فائدة منه؛ ناتج عن مجرد تغيير اسم فعل التبليغ في ذاته بين فصل وفصل؟.

 مع العلم أنه لا يوجد في القانون الجنائي ما يفرق بين الجريمة المبلغ عنها كذبا والتي يمكن اعتبارها إهانة للقضاء، وبين الجريمة المبلغ عنها كذبا أيضا والتي يمكن اعتبارها وشاية كاذبة، كما لا يوجد فيه أي جرد أو حصر لأي نوع منهما. 

وبهذا يتضح أن إهانة القضاء، هي نفسها الوشاية الكاذبة. وأن تخصيص مادتين في القانون الجنائي لمعالجة نفس الجريمة بعقوبتين مختلفتين فيه نوع من الاضطراب والخلط.

ولذلك فلتصحيح هذه الوضعية يجب حذف المادة 264 من المسودة . تداركا لخطإ مُـعـمَّـر في القانون الجنائي المغربي منذ أكثر من نصف قرن.

كما يجب أن نفرق في تشريعنا الجنائي بين نوعين من الوشاية الكاذبة:

فالوشاية الكاذبة الصادرة عن حسن نية، وعن اعتقاد بوقوع الجريمة، أو توهُّـمِ التحضير لها، دون نية الكذب، يعتبر إجراء لا يستوجب عقوبة . وهذا معمول به في المحاكم المغربية.

 أما الوشاية الكاذبة التي تستوجب العقوبة، فهي التي تكون صادرة عن سوء نية بقصد الإضرار بالموشى به. وفي هذه الحالة لا مناص من مراجعة العقوبة المقررة للوشاية الكاذبة، لجعلها مناسِـبة لخطورة الوقائع أو الجرائم المختلقة أو المكذوبة المبلغ عنها، وذلك بمراعاة نوعية العقوبة التي كان من الممكن أن يعاقَـب بها المبـلَّـغ ضده، أو الموشَى به، لو استطاع الواشي أن يضلل العدالة، ويحقق أهدافه الإجرامية من وشايته الكاذبة؛ فتكون عقوبة هذا النوع من الوشاية الكاذبة، هي نفس العقوبة المقررة للجريمة المبلَّـغ بها، حتى ولو صدر حكم ببراءة المبلغ ضده.. حيث لا يمكن أن نسوي بين وشاية كاذبة بجريمة جنائية ثقيلة تستوجب أحكاما قاسية، كالتبليغ عن شخص برئ واتهامه بأنه هو الذي أضرم النار في غابة أو سوق مثلا طبقا للمادة 218-17 (= الفصل 581 ق.ج)، وبين وشاية كاذبة بجريمة بسيطة كالذي يبلغ عن ظهور شخص في مكان محظور عليه بحكم قضائي (المادة 318)، أو يدعي عليه أنه غادر مكان الإقامة المجبر على عدم مغادرته، (المادة 319 المسودة ).

فهل يصح وضع الوشايتين الكاذبتين معا تحت سقف واحد من العقوبة .

وما قلناه عن الوشاية، يقال مثله أو أكثر منه في الشكاية الكيدية أو المفتراة. لأن الشكاية الكيدية أو المفتراة، يدعي فيها المشتكي أنه تعرض لأضرار مادية أو جسدية أو نفسية أو غيرها، حيث تزداد جريمة التبليغ بوقائع كاذبة شدة بإدخال عنصر الضرر اللاحق بالمدعي بالباطل، وهو ما ليس في الوشاية الكاذبة، حيث لا يكون المبلغ مدعيا لأي تضرر مباشر لحقه منها. قانون

وما دمنا نستدل على رأينا بأمثلة توضيحية، فسوف أستشهد على خطورة الشكاية الكيدية بواقعة حقيقية عمت أخبارها كل أرجاء المغرب؛ حتى أصبحت تعرف بقضية أستاذ تارودانت، والتي مفادها أن شخصا تقدم في سنة 2011 إلى الدرك الملكي بشكاية يذكر فيها أنه قد توصل بمكالمة هاتفية مجهولة المصدر تخبره أن أخاه المتغيب منذ أكثر من خمس سنوات، محتجز بقـبْـوٍ في إحدى ضيعات شخص من أعيان المنطقة وأحد أقطابها السياسيين الكبار ورئيس جماعتها القروية.

فما كان من الدرك الملكي إلا أن رافقه إلى الضيعة المذكورة، وداهمها، فوجد الرجل محتجزا فعلا في قبو، وهو في وضعية مزرية، مكبل اليدين بالسلاسل، وعليه علامات الإرهاق والضنى، فخلصوه من محجزه ونقلوه على الفور إلى المستشفى لتلقي العلاجات الاولية والعناية اللازمة. 

 وهي واقعة تفاعل معها المغاربة بشكل كبير؛ وتناولتها كل وسائل الإعلام، وواكبتها ساعة بساعة؛ حيث نشرت صور ذلك الشخص المسن، الذي يبدو عليه أنه تجاوز الخمسين من عمره، وهو قابع في ذلك القبو بلحية كثيفة طويلة مهملة، يبدو أنها لم تحلق لمدة طويلة جدا، ولون شاحب، وعيون دامعة، وجسم نحيل، مما شكَّـل ضغطا معنويا وإعلاميا هائلا على المسؤولين، وخلف ردة فعل مستنكرة من طرف المجتمع المدني الذي تعاطف بشكل كبير مع ذلك الأستاذ المسن المحتجز لأكثر من خمس سنوات.

فلما ألقي القبض على صاحب الضيعة وقدم إلى قاضي التحقيق، أمر بوضعه هو وثلاثة آخرين من عمال الضيعة رهن الاعتقال الاحتياطي ..

ثم انتهى التحقيق بإصدار قرار بعدم متابعة المشتكى به، لعدم ثبوت الأدلة الكافية..

غير أن غرفة المشورة ألغت هذا القرار، واعتبرت القرائن والوقائع المصرح بها، كافية لإثبات وقوع الاحتجاز وممارسة التعذيب على الأستاذ المحتجز، وأمرت بمتابعة المشتكى به بما نسب إليه.

ما بعد هذا لا يهمنا، وسوف نتعامل مع ما بعد هذه المرحلة من النازلة على سبيل الافتراض فقط، باعتبار أن الشاهد عندنا هو  صدور قرارين قضائيين مختلفين في هذه القضية، ولذلك فكل ما سيرد لاحقا، لا علاقة له بمآل النازلة ولا بما صدر أو سيصدر فيها من أحكام؛ إلا لمزيد من التوضيح .

ذلك أن المعمول به في دراسة أي نازلة هو استحضار كونها تحتمل الإدانة كما تحتمل البراءة، وعلى الدارس أن يستخلص النتائج من الحالتين معا.

ولدينا في هذه النازلة الحالتان معا: قرار قاضي التحقيق، الذي يستفاد منه أن الوقائع المذكورة في الشكاية غير ثابتة ثبوتا قانونيا، مما يقتضي إصدار قرار بعدم المتابعة، ولو لفائدة الشك . وقرار غرفة المشورة التي لم تقتنع بقرار قاضي التحقيق، واعتبرت أن الوقائع الواردة في الشكاية يرجح أن تكون صحيحة، فألغت ذلك القرار.

ومن ثم فأي الموقفين اعتمدناه أو افترضناه، يكون صالحا، لأنه مؤسس على قرار قضائي صادر في النازلة.

وسنفترض أن الشكاية أحيلت على الغرفة الجنائية؛ وأنها هي الأخرى اقتنعت بصحة الوقائع، وحكمت على المتهم بالمنسوب له، فلا شك أن حكمها قد يصل إلى عشرين سنة سجنا،  بحسب ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 436 من القانون الجنائي المعمول به ساعة وقوع الجريمة، والتي تنص على أنه: «إذا استغرقت مدة الحبس أو الحجز 30 يوما أو أكثر كانت العقوبة بالسجن من 10 سنوات إلى 20 سنة ».

ونظرا لطول مدة الحجز التي تعرض لها الرجل، والتي لا تعد بالأيام أو الشهور، بل بالسنوات،

ونظرا لخطورة الوضع الذي كان عليه محتجزا في قبو، قد يتعرض فيه إلى لسعة عقرب أو لدغة أفعى، مما يجعل حياته معرضة لخطر قاتل،

ونظرا للتعذيب الذي تعرض له أثناء الاحتجاز بتكبيله بالسلاسل ..

فإن العقوبة لا مناص أن تكون في أشدها؛ حيث ليس فيها أي ظرف للتخفيف.

  بالإضافة إلى الحكم المدني الذي سيصدر لفائدة الرجل المحتجز بالتعويض عن تلك المدة الطويلة من الحجز، وانقطاعه عن عمله، والأضرار الجسدية والنفسية التي لحقت به وبأسرته إلى غير ذلك، وهو ما قد يكلف صاحب الضيعة أموالا طائلة، قد تذهب بكل ممتلكاته، أو أكثر، للإيفاء بها.

إذن نحن نفترض هذا، ونفترض أن صاحب الضيعة المشتكى به أودع السجن .. وأنه قـضَّى فيه ثمان سنوات أو تسعا، أو ما شاء الله له أن يُـقَـضِّـيَـه وراء القضبان؛ ثم حدث ما لم يكن في الحسبان، وظهر شيء ما يثبت براءة الرجل، كتراجع شاهد عن شهادته، أو ظهور شاهد يكون قد رأى ذلك الشخص الذي ادعى انه كان محتجزا، بينما كان هو يقضي تلك المدة في مكان آخر، أو غير ذلك يجعل الأمور تعود إلى نقطة الصفر، وتثبت أن وشاية ذلك الأستاذ كانت كاذبة مفتراة  .

[وهذا هو ما حدث بالفعل؛ إلا أنه حدث قبل فوات مدة طويلة على اعتقال الرجل صاحب الضيعة المشتكى به؛ حيث ظهرت بعض الأدلة على أن الأستاذ لم يكن محتجزا في ضيعة رئيس الجماعة، وإنما كان مختبئا في مكان ما، فرارا من متابعات قضائية كانت تهدده أو تلاحقه، بعضها بسبب شيكات بدون رصيد، وبعضها بالنصب على أشخاص في عقار، وأنه لكي يتخلص من ذلك الوضع دبر مكيدة مع بعض فراد أسرته]

وهكذا انقلبت الأوضاع، واتضح أن تلك الشكاية مفتراة، ولا تعدو أن تكون مكيدة حُـبِـكت بإتقان؛ دبرها الرجل بمساعدة أخيه؛ الذي عمد إلى إدخاله سرا إلى الضيعة، وقيده في قبو داخلها بسلاسل حديدية، في غفلة من صاحب الضيعة، وأهمله يومين أو ثلاثة أيام، ثم بلغ عنه مدعيا أنه توصل بمكالمة مجهولة المصدر تدله على مكان أخيه، وأن الخدعة انطلت على غرفة المشورة،

ولذلك فلو ذهبنا بعيدا في الافتراض، وافترضنا أن المكيدة انطلت على الغرفة الجنائية أيضا، وهو أمر لم يكن مستبعدا نظرا لافتقار صاحب الضيعة إلى الأدلة المادية التي تثبت براءته وتثبت أن الأستاذ كان مختبئا في مكان ما، وافترضنا أن تلك الوقائع التي ساعدت على تأكيد براءة المشتكى به لم تظهر، أو لم يكن لها وجود؛ فلم يكن الأستاذ متابعا بقضية ما، ولا كانت له شيكات مدفوعة بدون مؤونة؛ وزيادة في الافتراض المحتمل الوقوع: أن يحضر الأستاذ أو أخوه شهود زور ــ وما أكثرهم وما أرخصهم في المغرب الذي انتشرت فيها أسواق لبائعي شهادات الزور مقابل 100 درهم إلى 500 درهم [ها2] ــ؛ يشهدون بأنهم سبق لهم أن أحضرهم ـ كلهم أو بعضهم، أو فردا فردا، لإنجاز بعض الأشغال في الضيعة، وأنهم لاحظوا أن صاحب الضيعة كان يحتاط أو كان يمنعهم من الاقتراب من المكان الذي يوجد فيه القبو؛

فلا ريب أن المحكمة لن يكون أمامها إلا أن تحكم بإدانة صاحب الضيعة على احتجازه للأستاذ طوال تلك المدة في حالة مزرية، ووضعية خطيرة تعرضه للموت المحقق، مع التعذيب بتكبيله بالسلاسل الحديدية؛ معللة حكمها بثبوت وجود الشخص في الضيعة، وهو حالة التلبس بالجريمة، وبحالته الصحية أو مظهره الموحي بتدهور حالته الصحية، بالإضافة إلى تصريحات شهود الزور،

ففي هذه الحالة سيكون المشتكى به معرضا لحكم شديد القسوة من سجن لا يقل عن عشرين سنة، وتعويضات بعشرات الملايين للمشتكي الضحية .. وكل هذا إنما هو في الحقيقة والواقع مبني على شكاية كاذبة ملفقة مدعمة بوقائع مختلقة وشهود زور ..

فإذا افترضنا أن المحكمة فعلا أدانت صاحب الضيعة المشتكي به بعشرين سنة سجنا؛ وتعويضات طائلة، ثم ظهر بعد عدة سنوات ما يفيد براءة السجين؛ كأن يتراجع أحد الشهود عن شهادته، خوفا من الله وتخفيفا من عذاب الضمير ..

ثم أفـرِج عن ذلك المسؤول ليجد أسرته تشردت، وأمواله تبددت، وكل شيء ضاع، بما فيها صحته المنهارة من طول مدة السجن وما تـورثه من أمراض وحالات نفسية وغيرها ..   

فتقدم إلى النيابة العامة بشكاية بذلك الأستاذ بالوشاية الكاذبة ـ كما تسميها مسودة القانون الجنائي أخذا بنفس التسمية عن القانون الحالي ـ  

 فهل هذه الوشاية الكاذبة تستحق عقوبتها سنتين فقط، كحد أقصى، حسب المادة 445 من المسودة؟ 

لقد اتضح بهذه النازلة الواقعية، والتي جرت أطوارها في محاكم المملكة، والتي كان للصدفة، ولطف الأقدار الدور الحاسم في الكشف عن مكيدتها وافترائها، وكيفية تدبيرها بشكل متقن انخدعت له غرفة المشورة؛ يتبين من كل هذا أن التنقيص من عقوبة الوشاية الكاذبة أو الشكاية الكيدية، وتحويل حدها الأقصى من خمس سنوات في القانون الجنائي الحالي إلى سنتين في المسودة، ليس له ما يبرره إطلاقا؛ ولا يستطيع أحد أن يدافع عنه، إذ ليس من شأنه أن يقلل نسبة اقتراف جرائم من هذا النوع، بل بالعكس فهو يشجع عليها؛ خاصة مع استحضار العقوبات البديلة، مما يفتح للمفترين المغامرين أبوابا واسعة للخروج من جرائمهم القاتلة بأخف الأضرار، حتى مقارنة بتلك التي ألحقوها بضحاياهم . بل إن عقوبتهم يمكن أن تتحول بكاملها إلى مبالغ مالية قد لا تمثل أدنى شيء بالنسبة لمجرم من العيار الثقيل، أو مجرم فاحش الثراء، أو ذي دخل يومي يتجاوز بعدة أضعاف مبلغ الغرامة اليومية التي قد تتحول إليها عقوبته الحبسية، ولو كانت في حدها الأقصى..

كما لا يمكن أن نتذرع بأن الضحية له حق المطالبة بالتعويض عن الأضرار في دعوى مدنية، لعدة أسباب

أهمها: أن المغربي أكثر الناس ترفعا عن المطالبة عما لحقه من أضرار في كرامته، ومن جروح غائرة في نفسيته؛ كما أن أي تعويض، مهما بلغت قيمته، لا يمكن أن يعوضه عن شخص يكون قد فقده وهو في السجن، أو جراء الوقع الشديد لذلك الباطل الماحق الذي صُـبَّ عليه صبا، فقصم ظهره وحول حياته إلى جحيم، وحول بيته العامر إلى خربة مهجورة، وأفقده منزلته بين معارفه وذويه.. هذه الأضرار لا يمكن أبدا التعويض عنها بمال مهما بلغت قيمته،

ثانيها: أن المجرم صاحب الوشاية الكاذبة التي أهلكت الموشى به ودمرته؛ قد يكون متوسط الحال أو فقيرا، وليس له ما يؤدي به تلك التعويضات المستحقة للضحية المفترى عليه .. 

ثالثا: أن من البديهيات العقلية الثابتة أن يكون العقاب مكافئا لحجم الجريمة وخطورتها وشناعتها؛ وهذا هو جوهر العدل وروحه.

ولذلك فإذا كنا قد اقتبسنا هذا الفصل الجنائي من القانون الفرنسي منذ أزيد من نصف قرن، فكيف نقتصر في الاقتباس على التعريف والوصف الجرمي، ثم نتحول عن ذلك الاقتباس في الشق المتعلق بالعقوبة .

لقد جاء في الفصل المتعلق بالوشاية الكاذبة في التعديل الأخير للقانون الجنائي الفرنسي:

Article 226-10

Version consolidée du code au 15 novembre 2014.

 La dénonciation, effectuée par tout moyen et dirigée contre une personne déterminée, d’un fait qui est de nature à entraîner des sanctions judiciaires, administratives ou disciplinaires et que l’on sait totalement ou partiellement inexact, lorsqu’elle est adressée soit à un officier de justice ou de police administrative ou judiciaire, soit à une autorité ayant le pouvoir d’y donner suite ou de saisir l’autorité compétente, soit aux supérieurs hiérarchiques ou à l’employeur de la personne dénoncée, est punie de cinq ans d’emprisonnement et de 45 000 euros d’amende. La fausseté du fait dénoncé résulte nécessairement de la décision, devenue définitive, d’acquittement, de relaxe ou de non-lieu, déclarant que le fait n’a pas été commis ou que celui-ci n’est pas imputable à la personne dénoncée. En tout autre cas, le tribunal saisi des poursuites contre le dénonciateur apprécie la pertinence des accusations portées par celui-ci.

 فهل نحن أرأف بمجرمينا من فرنسا بمجرميها؟

أم أننا أكثر حفاظا على حقوق الإنسان منها؟

أم أن جرائم المغاربة في الوشاية الكاذبة أو الشكاية الكيدية أخف من جرائم الفرنسيين فيها؟

إننا إذا أردنا أن نتفوق فعلا على القانون الفرنسي، أو عن أي قانون آخر في العالم، يجب عن نحافظ على مبدإ التناسب بين الجريمة وعقوبتها، وهذا لن يتأتى في الوشاية الكاذبة، أو في الشكاية الكيدية؛ إلا إذا ربطنا عقوبتهما بالحد الأقصى لعقوبة الجريمة المخـتـلقة المبـلَّـغ عنها . وهذا ما نقترحه لهذه المادة بعد تقسيمها إلى أكثر من مادة واحدة، نفرق فيها بين الوشاية الكاذبة، والشكاية الكيدية، باعتبار ادعاء الضرر أو عدم ادعائه، وبالنظر أيضا إلى مدى خطورة الجريمة المبلغ عنها، كذبا وافتراء، عن قصد وسوء نية، وهو أمر  يتوجَّـب على المشرع  أخذه  بعين الاعتبار. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

[1] رابط القسم الأول من البحث المنشور في نفس الموقع:

http://www.civicegypt.org/?p=57618

[2] قدمت إحدى القنوات التلفزية المغربية شريطا وثائقيا  خطيرا ومزلزلا عن ((مافيا شهود الزور في المغرب ))، هذا رابطه:

https://www.youtube.com/watch?v=Di45gUmvZAk                                                       [email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, محمد ناجي and tagged , . Bookmark the permalink.