خلف الحجاب ج1

سناء المصري                بدون حجاب   

  أثارت الجماعات الإسلامية في السنوات الأخيرة ضجة كبيرة حول قوانين الأحوال الشخصية وحجاب المرأة وعملها…

    هاجموا دعوات حركة تحرير المرأة وتاريخها ورموزها من النساء والرجال …

    تحدثوا عن الأزمات والمصاعب التي تعاني منها النساء والضغوط التي تحاصر الرجال من فقر وبطالة وأعادوا طباعة كتب زعمائهم ومـُنظريهم الفكريين وعلى رأسها مؤلفات حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي من المعاصرين…

    كما استدعوا من التراث ابن تيمية وابن القيم الجوزية وأبا حامد الغزالي وغيرهم، بحجة أن أفكارهم الآتية إلينا من الزمن الغابر تحمل الحل لجميع مشاكلنا المعاصرة…

    وبكل ما يملكون من وسائل إعلام وإمكانيات مادية وإصرار على فرض أفكارهم والدفاع عنها، نجحوا في تفجير النزعات العدوانية لدى بعض الفئات من الجمهور، وأثارت دعواتهم سحابة من القلق والتساؤل عن نوع الدور الاجتماعي الذي تريد الجماعات الإسلامية إسناده للنساء …

    وماذا تخفي دعايتهم الإنشائية …؟

    أي مصير ينتظر جموع النساء على أيديهم … ؟

    وإذا تتبعنا وضع المرأة في أدبياتهم التي يفوز الإخوان المسلمون بنصيب الأسد فيها لأنها الجماعة الأم التي لازالت تفرخ بالاختلاف والانشقاق جماعات إسلامية جديدة، فسنجد أن ” حسن البنا ” المرشد العام الأول والمؤسس والمنظر الفكري منذ بداية تكوين الجماعة في الإسماعيلية عام 1928م يشن الهجوم على حركة تحرير المرأة ومطالبة النساء بالمساواة ويهاجم الأفكار الداعية إلى استقلال النساء وخروجهن إلى الحياة العامة.

    فسمى المشتركات في المظاهرات بالسافرات، كما سمى المدافعين عن حق المرأة في الانتخاب بدعاة التفرنج وأصحاب الهوى، وحارب مطلب حق الفتاة في التعليم المتساوي حتى المراحل العليا، كما نادى بوجوب التفريق بين مناهج تعليم البنات ومناهج تعليم الصبيان في المراحل الأولى.

    وعبر بوضوح عن أن واجب النساء هو القيام بالأعمال التقليدية في تلبية رغبات الزوج ورعاية الأبناء، وإذا تعلمت المرأة يكون ذلك في حدود، ولا تخرج إلى العمل إلا تحت ضغط الحاجة والفقر وبشروط تتحكم في مظهرها العام وسلوكها الاجتماعي.

    وبسبب طبيعة الدعوة مضت السنوات الأولى دون أن يفلح ” البنا ” في تكوين فرع نسائي للأخوات، حتى استطاع ذلك في إبريل 1933م وهو زمن متأخر عن تكوين الإخوان المسلمين عام 1928، وسمي هذا القسم في أول الأمر : – ” فرقة الأخوات المسلمات ” ويتألف من زوجات وأخوات وبنات الإخوان، وتكونت فرقة أخرى عن طريق الاتصال الشخصي في بورسعيد، ثم فرقة في القاهرة برئاسة الحاجة ” لبيبة أحمد ” صاحبة جمعية النهضة النسائية، (وظلت الجمعية ومجلتها فترة من الزمن لا تعلن عن صلتها بجماعة الإخوان المسلمين، وساعدها على إخفاء تلك الصلة انحصار نشاط الجمعية في الأعمال الخيرية ) مع تجنب الحياة السياسية التي يحرم الإخوان على النساء الانخراط فيها… والملاحظة الغالبة على نشاط هذه الفرقة جميعاً أنها كانت من الضعف بحيث يمكن اعتبارها الملاحق العائلية لجماعة الإخوان، أنشئت بغرض إعداد أجيال تالية لهم عن طريق الدروس والمحاضرات والنصح الشخصي، كما كانت تعاني من الجمود وغلبة الطابع التلقيني على أسلوب الاجتماعيات برغم الجهد الضخم الذي بذله المرشد العام في تكوينها…

    ويكشف محمود عبد الحليم – مؤرخ الإخوان – في نصه التالي ما كانت تعاني منه تلك الفرق النسائية : –

    ( ولما كانت فرص الاجتماعيات أمام الأخوات غير متاحة بالقدر الذي أتيحت به للإخوان فإن الأستاذ رحمه الله – يقصد حسن البنا – كان حريصاً على أن يجعل هذه الاجتماعيات خالصة للتثقيف والتربية دون أن يقتطع من وقتها قليلاً أو كثيراً في الانشغال بالشئون الإدارية، كما كان حريصاً على ألا يضيع جزء من جهود الأخوات في الالتفات إلى المناصب الإدارية والإعداد لها والتطلع إليها مما قد لا يتناسب مع طبيعة المجتمعات النسائية ) .

    ومن المضحك ألا تجد فرق الأخوات المسلمات الوقت الذي تخدم به قضيتها ويمكنها من إدارة نشاطها إن كان لها نشاط…!! وأن يكون الهدف الأعظم لتجمعهن هو الاستماع إلى دروس يلقيها البنا .. ثم تنصرف كل واحدة منهن إلى شئونها الخاصة .. !! ولكن ما ذنب هؤلاء النساء وتلك إرادة المرشد العام الذي يحرمهن من مجرد التطلع إلى مناصب الإدارية بحجة أنها لا تتناسب مع طبيعة المجتمعات النسائية ..!!

    وحتى حينما نجح ” البنا ” في إقناع زينب الغزالي – سواء بالضغط أو بغيره – بضم جمعية السيدات المسلمات التي تكونت في القاهرة عام 1936م وظلت زمناً على استقلالها ، لتصبح رسمياً فرع الأخوات المسلمات، لم يحقق هذا الفرع نجاحاً كبيراً.

    وتروي زينب الغزالي في مذكراتها كيفية ضم جمعيتها للإخوان فتقول : –

    ( حاولت في آخر لقاء لنا – البنا وهي – في دار السيدات المسلمات أن أخفف من غضبه بعهد أخذه على نفسي أن تكون السيدات المسلمات لبنة من لبنات الإخوان المسلمين، على أن تظل باسمها واستقلالها بما يعود على الدعوة بفائدة أكبر على أن هذا أيضاً لم يرضه عن الاندماج بديلاً) .

    وظلت دعوة البنا برغم جهوده الواضحة لا تجد رواجاً وسط النساء، في نفس الوقت الذي كانت دعوات تحرير المرأة تثير جدلاً واسعاً منذ انطلاقها مع بداية القرن العشرين، وتحتفظ بجاذبيتها وملاءمتها للنهضة التي استدعت الكثير من التغيير في بنية المجتمع المصري.

    ففي عام 1928م – وهو نفس العام الذي شهد تكون جماعة الإخوان المسلمين – بدأ التحاق المرأة بالجامعة المصرية :-

    ( التحقت خمس فتيات بكلية الطب، وثماني فتيات بكلية العلوم، وأربع فتيات بكلية الآداب.)  ثم اقتحمت البنات كليات الحقوق والتجارة والهندسة والزراعة وغيرها بأعداد أخذت في التزايد كل عام. واستمرت دعوات تحرير المرأة في جذب أعداد متزايدة من فتيات البرجوازية الكبيرة والشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة طوال العشرينات والثلاثينيات وما بعدهما تحت شعار المطالبة في المساواة في التعليم والعمل والتخلص من أمراض الوضع المتخلف الذي ظل لزمن طويل ينهش مكانتهن الاجتماعية.

    ومفهوم أن ترفض الفتاة التي حرمت طويلاً من كل الحقوق دعوة الحجاب والعودة إلى البيت، لأنها كانت محجبة فعلاً وقعيدة البيت منذ زمن طويل وليس لها أي حقوق وتعاني من سيادة الرجل المطلقة عليها.

    فكان لابد من البحث عن منافذ للخلاص، لا الإقبال على دعوة تكرس نفس الوضع السيئ.

    لقد كانت الفتاة المصرية تحلم بالتعليم ودخول الجامعة، وتحقيق ذاتها في العمل، واختيار الرجل الذي ترتبط به بنفسها كما تبشرها تلك الروح الجديدة السارية في المجتمع…

    بينما كانت دعوة البنا تحرم كل ذلك وتهاجم البنات اللاتي كسرن التقاليد ودخلن الجامعة سافرات بحجة أن المرأة : –

    ( ليست في حاجة إلى التبحر في اللغات المختلفة وليست في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أن المرأة للمنزل أولاً وأخيراً .. وليست المرأة في حاجة إلى التبحر في دراسة الحقوق والقوانين، وحسبها أن تعلم من ذلك ما يحتاج إليه عامة الناس) .

    ففي الوقت التي اكتشفت فيه المرأة قدراتها الذهنية، وبدأت تنهل من العلوم النظرية والعملية جاءت فتاوى البنا وكأنها أحجار الماضي تنزل مرة أخرى على رءوسهن، لقد احتملت نساء هذا العصر السباقات إلى ضراوة الهجوم الذي شنه الإخوان المسلمون ضد تعليمهن في المراحل العليا، وخصوصاً اللاتي رحن ينشدن المزيد من المعرفة مثل درية شفيق التي يقول عنها أحد كتابهم : –

    ( كانت من الرعيل الأول لطالبات الجامعة المصرية في أول عهدها بنظام اختلاط الجنسين الذي تبناه أستاذ التغريب – هكذا تسمي الجامعات لطفي السيد صاحب فكرة إنشاء الجامعة المصرية – مشاركة في التحدي لمشاعر الأساتذة والطلاب بإبراز فتنتها والمبالغة في الظهور أمام الرجال والشباب في الجامعة سافرة … وبعد التخرج سافرت وحدها وعاشت دون محرم في فرنسا للحصول على الدكتوراه) .

    فهم لا يتحدثون عن تفوقها واهتمامها بالعلم ورغبتها في النيل من المعارف الحديثة بل يتحدثون عن فتنتها الجسدية وإقامتها بمفردها في باريس…!! وزاد الهجوم على تلك المرأة الرائدة وعلى زميلاتها حينما راحت حركة تحرير المرأة تطالب بالمزيد من الحقوق المدنية والسياسية كحق الانتخاب ودخول البرلمان، والمطالبة بإلغاء تعدد الزوجات واستبدال قوانين الأحوال الشخصية بقوانين مدنية حديثة …

    لقد كانت حركة تحرير المرأة هي القادرة على التأثير بقوتها الفكرية ونفوذها الاجتماعي المستند على قاعدة جماهيرية حية فاستطاعت أن تنتزع المزيد من الحقوق للمرأة البرجوازية في مجالات كثيرة ومنها حق العمل في الطيران والبوليس فضلاً عن المحاماة …

    وظل جمهور حركة تحرير المرأة في الاتساع، حتى أصبح عدد المدارس الحكومية فقط دون الخاصة عام 1945م يصل إلى 232 مدرسة تضم 44319 طالبة وهو عدد كبير جداً بمقياس الزمن وطبيعة مجتمع لا يزال في بداية عهده بتطور الصناعة الحديثة.

    وإذا كانت حركة تحرير المرأة قد حققت نجاحاً في الحدود الطبقية البرجوازية، فقد كانت دعوة ” حسن البنا” في الثلاثينيات تحرث في البحر النسائي بالاتجاه إلى البرجوازية الصغيرة الأكثر عدداً والباحثة عن دور سياسي تحمي به مصالحها الاجتماعية وتغذي به حلم الصعود إلى مرتبة اجتماعية أعلى…

    وكانت دعوة ” البنا ” تجسيداً للجانب المحافظ في تلك الحدود الطبقية، الذي لم يستوعب بعد التغيير المطلوب إحداثه في المجتمع، ويشعر بالعداء الخفي لتلك التيارات الحديثة ويخشى شطحاتها الفكرية لو تركت على امتدادها لأحدثت خلخلة عميقة في بنية المجتمع.

    ولذلك كان حسن البنا يحاول أن يسحب البساط من تحت أقدام حركة تحرير المرأة، بتوجيه جهوده لطلبة الجامعة والموظفين والتجار، وكان يحاول من خلال أسرهم تكوين الرافد النسائي للإخوان المسلمين، وكانت دعوته لإنشاء مدارس غير مختلطة تدرس فيها للبنات مدرسات، وكان يركز جهوده للعناية بالبنات والمدرسات في تلك الحدود.

فوزية البنا مع زوجها

فوزية البنا مع زوجها

    ( وكان يتعهد هذه المجموعة بالدروس الأسبوعية يلقيها بنفسه ولم يكن يتخلف عن هذه الدروس حتى في حالة المرض ) وحتى حينما بلغ عدد لجان الأخوات المسلمات خمسين لجنة في عام 1948م، وعدد العضوات خمسة آلاف عضو – كما يدعون – فإن هذا العدد لا يعكس بصدق حجم حركة الأخوات المسلمات الفعلي.

    لأن هناك فرقاً بين الأعداد الدفترية المسجلة على الورق وليس لها أي نشاط محسوس في الحياة العامة، وبين الأعداد الفاعلة المناضلة من أجل انتزاع حقوقها…

    لقد كانت عندهم مشروعات كثيرة ورقية ومنها مشروع الحاجة لبيبة لمسح الأقاليم والأحياء وفتح عدد من المشاغل ودعوة نساء الأحياء الفقيرة للعمل فيها … ولكن المشروع لم ينشط سوى في حي السيدة زينب حيث كانت الحاجة تشرف عليه بنفسها ، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة هذا المشروع تهدف إلى تحقيق الربح ولا تتعلق بالجانب الفكري للجماعة، بحيث يمكن ادعاء أن المنضمات للمشغل هن عضوات جمعية الأخوات المسلمات …

    إن إخوان اليوم يستطيعون تضخيم عدد الأخوات المسلمات، ولكنهم لا يستطيعون ادعاء أي تأثير اجتماعي استطعن أن يحققنه طوال وجودهن في الثلاثينيات والأربعينيات وهو العصر الذهبي لجماعة الإخوان المسلمين …

    ومقارنة بسيطة يمكن أن تأتي بأسطع النتائج : ـ

    فبرغم أن مطالب الاتحاد النسائي كانت جديدة على المجتمع ، إلا أنها استطاعت مثلاً انتزاع حق تعليم 44319 فتاة حتى التعليم الثانوي، وكانت وراء كسر الاحتكار الرجالي للتعليم الجامعي، والدفع بمئات البنات إلى الجامعة، والنضال من أجل دخول المرأة شتى التخصصات وإثارة الجدل حول قوانين الأحوال الشخصية والحقوق السياسية للنساء، وانتزاع ( حق تخصيص مقصورة للنساء في البرلمان عام 1925م، وأعقبتها الموافقة على تخصيص مقصورتين … ثم أعلن أن البرلمان سيناقش بالفعل حق المرأة في التصويت أثناء انعقاد جلساته . واحتجت – تقصد المجلات النسائية – بعنف لموقف الحكومة غير المشروع من حل البرلمان وإثارة الرعب بين طبقات الشعب باعتقالاتها السياسية الواسعة في البلاد )

    إن حق دخول المرأة البرلمان ولو كمستمعة فقط دون ترشيح أو انتخاب أو أي مشاركة قانونية كما حدث في ذلك الحين كان حلماً بعيد المنال .. لكن قوة ساعد الحركة النسائية واصطدامها بالحياة السياسية وهجومها على من يقف عقبة في سبيل تحقيق ذلك، جعلها تدخل البرلمان كمستمعة .. وتظل تناضل في سبيل دخولها كنائبة، الأمر الذي لم يتحقق إلا في زمن متأخر كما سنرى فيما بعد، بينما دور جمعية الأخوات المسلمات ظل مقصورا على ما حدده البنا في : ـ

    ( المعاونة في حدود ظروف الأخوات المسلمات وجهودهن في تحقيق البرنامج الإصلاحي الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة.) .

    مع ملاحظة أن قوام جمعية الأخوات المسلمات كان يعتمد أساساً على زوجات الإخوان وبناتهم وأخواتهم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدى فاعلية هؤلاء النسوة في ظل النظام العقائدي الذي يؤكد تفوق الرجل على المرأة كما يتضح من حديث حسن البنا في تذكرة الداعي : ـ

    ( المسلم المسئول عن أسرته. ومن واجبه الحفاظ على صحتها وعقائدها وأخلاقها، وأتعهد بأن تعاليم الإسلام في أفراد أسرتي ولا أدخل أبنائي مدرسة لا تحفظ عقائدهم وأخلاقهم، وأقاطع كل الصحف والنشرات والكتب والهيئات والفرق والأندية التي تناوئ تعاليم الإسلام.) .

    وإذا اعتبرنا البيت هو الخلية الأولى للمجتمع كما يقولون والرجل مسئولاً عن أسرته مسئولية مطلقة حتى يعين لها ماذا تقرأ وكيف تفكر وتتصرف … وهذا الرجل يتلقى أفكاره عن المرشد العام يعتبر مسئولاً عن أفراد جماعته فيمنح ويحلل ويحرم وينظر لهم الشاردة والواردة … فيمكن أن ندرك أي نسق يحكم أفراد تلك الجماعات كما لو كانوا يعيشون في دوائر مغلقة تحكمها عين الرجل الأب أو الزوج ، عين المرشد العام وسوطه وأوامره ونواهيه …

    ولا يذكر لنا التاريخ أي صلة نشأت بين الأخوات المسلمات وبين سائر الحركة النسائية على الرغم من فورانها في ذلك الحين واشتداد حركتها وتأثيرها الواضح في المجتمع – اللهم إلا إذا اعتبرنا الهجوم الشديد يمكن أن يشكل صلة – إن دور الجمعية لم تكن تحدده العضوات، بل كان دورا يرسمه المرشد العام للجماعة ويراه دائماً في حدود المعاونة في تحقيق البرنامج الأساسي للإخوان.

    ( مهمة الإشراف على لجان الأخوات المسلمات كانت مقصورة على المرشد العام حسن البنا بنفسه، وله وجده الحق في إرسال مندوب عنه يكون سكرتيراً للاتصال بين الأخوات وإدارة الإخوان المسلمين. ويضطلع أيضا بمسئولية تنظيم الأعمال الإدارية بالقسم ) .

    ( ويعين المركز العام للإخوان الوعاظ والدعاة والموظفات بناء على اقتراح لجنة الإرشاد العامة للأخوات بعد تصديق مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين ومن حق مكتب الإرشاد إضافة أي شرط يراه من أجل صالح الجماعة.)

    وكانت قرارات البنا الإدارية لا يمكن مراجعتها أو الاعتراض عليها من جانب العضوات، حتى أن محمود الجوهري سكرتير الأخوات المسلمات يروي في كتابه : ـ

    ( وأذكر مرة أني قدمت لفضيلته مذكرة أرجو فيها إعفائي من العمل بقسم الأخوات المسلمات لأتفرغ لبعض النشاط الإخواني على اعتبار أن بقسم الأخوات المسلمات من العناصر ما يسد مكاني، فابتسم ابتسامته المشرقة وكتب على المذكرة بالمداد الأحمر هذه العبارة : ـ

    الأستاذ محمود الجوهري سكرتير الأخوات المسلمات حتى الممات، ووقع بإمضائه وأعطاها لي، ولم أملك وقتها إلا التسليم والرضا وأجبته حاضر يافندم ..) .حسن البنا وسيد قطب

    وهذا النص يوضح مدى انعدام الديمقراطية في إدارة شئون الأخوات المسلمات وفي بنيتها التكوينية .. حيث القرارات لا تقبل النقاش والمناصب بالتعيين .. والمدى الزمني لشغل الوظيفة مدى الحياة كما في أشد النظم الأوتوقراطية رجعية .. وعلى الرغم من تأفف الرجل من العمل وسط الحريم، إلا أن الأمر يأتي من الزعيم فينتهي كل شيء بصرف النظر عن رغبته شخصياً أو رغبة العضوات. وربما تكشف رسالة زينب الغزالي أبرز الأخوات المسلمات وأنشطهن عن مدى الانسحاق الذي يصبغ علاقتها هي شخصياً وعلاقة الأخوات المسلمات أمام المرشد العام : ـ

    ( سيدي الإمام حسن البنا :ـ

    زينب الغزالي الجبيلي تتقدم إليك اليوم وهي أمة عارية من كل شيء إلا من عبوديتها، وتعبيد نفسها لخدمة دعوة الله، وأنت اليوم الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يبيع هذه الأمة بالثمن الذي يرضيه لدعوة الله تعالى، في انتظار أوامرك وتعليماتك سيدي الإمام ..)

    وإذا كان هذا هو وضع أبرز سيدة في تاريخ الأخوات المسلمات، فإننا لا نعجب حين نكتشف أن الهيكل التنظيمي للجماعة كان مبنياً على أساس علاقات القرابة التي تربطهن بأعضاء مكتب الإرشاد – وهو بمثابة اللجنة المركزية لدى الإخوان المسلمين – إن زوجة حسن الهضيبي – المرشد العام الثاني – كانت تشغل منصب رئيسة قسم الأخوات أثناء زعامة زوجها للحركة.

    وآمال العشماوي زوجة ” منير دلة ” – العضو البارز بمكتب الإرشاد وأحد أعيان الصعيد – تحتل موقعاً قيادياً أيضاً.

    وأمينة علي الشهيرة بأمينة الجوهري زوجة محمود الجوهري الذي عينه البنا سكرتيراً للأخوات المسلمات مدى الحياة. والذي سبق أن شكا ضيقه من العمل وسط الحريم.

    كما نجد زينب الشعشاعي زوجة الشيخ عبد اللطيف الشعشاعي واعظ قسم الأخوات، وفاطمة عبد الهادي حرم يوسف هواش عضو مكتب الإرشاد، وحميدة قطب أخت سيد قطب وغيرهن كثيرات من أقارب الأعضاء القياديين بالجماعة اللاتي احتللن مكان الريادة والصدارة في الأخوات المسلمات بحكم وضعهن الأسري وليس بحكم قدراتهن أو معتقداتهن الخاصة. وتذكر كتب الإخوان ومذكراتهم جوانب غريبة عن علاقات هؤلاء الرائدات – بالقرابة – بأزواجهن، ففي حوار بين محمود الجوهري وحسن الهضيبي، يسأل فيه الأول الثاني عن مدى حفاوة أهله به – يقصد زوجته – أيام الشباب : ـ

    ( ابتدرني مازحاً بهذه العبارة : ـ

    عين الحسود فيها عود، واستطرد يستشهد على مسارعتها فيما يرضيه ويرفع من رأسه : ـ فذكر أنها تعلمت الفرنسية إجادة وهي أم لأربعة أولاد، لمجرد أنها رأت صديقتها زوجة وكيل النيابة الذي كان يعمل معي في إحدى المحاكم القريبة من المنصورة تتقن الفرنسية وتتحدث مع عاملات المتاجر الكبيرة في عاصمة الدقهلية فأكبرت أن تكون لزوجة وكيل النيابة قدرة على التحدث بلغة لا تعرفها، وهي زوجة القاضي الذي يعلو في المرتبة على وكيل النيابة، وسرعان ما استأجرت مدرسة تختلي لحظات فراغها النادرة لتتلقى عنها الفرنسية ) .

    فزوجة الهضيبى لم تتعلم الفرنسية حباً في العلم وشغفاً به ، بل من منطلق إحساسها بضرورة التميز الطبقي وكبرياء وغرور زوجة القاضي التي يجب أن تتعالى حسب قيمهم على زوجة وكيل النيابة ..

    هذا فضلاً عما تكشف عنه الحكاية من إعلاء قيمه الحسد والغيرة في علاقات زعماء الإخوان المسلمين وأخيراً في نوع الوظائف الذي تفضله تلك الجماعة للنساء في المجتمع المعاصر ” فهناك زوجة الزعيم المرفهة المنعمة، والمدرسة التي تقوم لها عملاً خدمياً استهلاكياً، بخلاف الوظائف النسائية الأدنى كما سنرى فيما بعد.

    أما عمر التلمساني المرشد العام التالي للإخوان المسلمين ” فكان متطرفاً في غيرته عليها – يقصد زوجة التلمساني – إلى درجة جعلته يمنعها من سماع أغنيات الموسيقار رياض السنباطي لشغفها بألحانه، بل وحرمها من أن تزوره في السجن (فيما بعد) عشر سنوات كاملة، حتى لا يراها ضباط السجن ورفاقه من المسجونين عند زيارتها له…”

    وإذا كان هذا هو وضع زوجات الزعماء، أو زعيمات الزوجات كما وضعهن الترتيب القيادي للإخوان، فلنا أن نتخيل وضع القاعدة، ونوع العلاقات التي تحكم مختلف العلاقات الشخصية بالأزواج وباقي أفراد الأسرة.

    وفي مقابل إشادة الجماعات الإسلامية بصفات الطاعة والخنوع والغيرة، وهي الصفات السلبية دائما في النفس الإنسانية، فإنهم يشددون على كل ما هو إيجابي في المرأة – قالبين بذلك الأمور على رأسها – فالمرأة إذا ناقشت في حقوقها فهي فاسقة، وإذا خرجت للعمل فهي منحلة.

    وظل وقفهم من الوضوح والثبات في نشر الدعاية المضادة لحركة تحرير المرأة والتشهير بكل عضواتها والهجوم على أي حق تنتزعه المرأة المصرية في مسيرة تحررها ..

    وفي كتاب الأخوات المسلمات لم تفلت امرأة من سهام القذف والطعن حتى في سمعتها الشخصية ولم يفلت رجل ذكر له التاريخ أنه شارك أو ساهم في تلك الرحلة بالفكر والجهد من القذف ..

    فالطهطاوي ضعيف ومغفل ” بسبب ابتعاده عن عقيدته الصافية . ” وقاسم أمين والأفغاني ومحمد عبده وسعد زغلول جميعهم ماسونيون وعبيد لليهودية العالمية والاستعمار الغربي أما هدى شعراوي ونساء جيلها فهن منحلات…!! .

    وسنجد تلك القذائف من السباب في جميع كتب الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية التي تناولت موضوع حركة تحرير المرأة … ذلك لأنهم يفهمون حقوق النساء في المساواة السياسية على أنها فسق وفجور، وفي نداء عام للأخوات المسلمات وجهته الجماعة في الاحتفال بالعيد السنوي الأول للأخوات المسلمات في أمريكا نجد أن :

    ” التعاون بين قسم الأخوات المسلمات وبين الجمعيات النسائية الأخرى منعدم نظرا لاختلاف النظرتين والهدفين : – فالأخوات يعملن على صد غارات العدو عن حصون الأمة، والنسائيات يعملن مع العدو لدك حصون الأمة….” .

    وهذا الحديث الدعائي الذي يطلقه الإخوان المسلمون من أحد معاقلهم بأمريكا ينسى أن تاريخ الأخوات المسلمات الذي يدعون أن هدفه هو صد غارات العدو، لم يشارك طوال تاريخ مصر النضالي من أجل الاستقرار وخروج الإنجليز سوى بمذكرة احتجاج مهذبة الأسلوب تقدم بها قسم الأخوات المسلمات إلى المندوب السامي البريطاني :

    ” في مارس سنة 1946 – تقدم – يقصد قسم الأخوات المسلمات إلى المندوب السامي البريطاني بالقاهرة بمذكرة احتجاج على اعتداءات جنود الجيش البريطاني المحتل على الآمنين من المصريين ” .

    مع ملاحظة أن أسلوب المذكرات كان الواقع المصري قد تجاوزه منذ زمن بالمظاهرات والإضرابات وغيرهما فهل يمكن تصور أن نساء حركة تحرير المرأة اللاتي خرجن ضد الاستعمار وشاركن في الإضراب، بل وحرضن عليه وساعدن في تنظيمه، حتى أن بعضهن كن يقفن أمام أبواب المصالح الحكومية، ويعرضن على كاسري الإضراب من الموظفين أن يقبلوا مصاغهن إذا كانوا في حاجة إلى المال، ويستمروا في إضرابهم ولا يخذلوا إخوانهم…لا يمكن تصور أن هؤلاء النساء اللاتي يضحين بما يملكن، يعملن في نفس الوقت مع العدو الذي يناهضه بهدف ” دك حصون الأمة ” …!!!

    إن الدعاية الإسلامية الإنشائية تلجأ في الحقيقة إلى أكبر قدر من الديماجوجية في مخاطبة جمهورها بهدف استثارته ضد المحولات العقلانية في التاريخ.

كتاب: خلف الحجاب

للكاتبة سناء المصري

الجزء الأول من الفصل الأول: دعوات قديمة تتجدد

Print Friendly
This entry was posted in Hijab الحجاب and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.