ليس دفاعا عن  د/ محمد عمارة.. بل دفاعا عن حرية الرأي

أرنست وليم     ارنست وليم                       

ليس دفاعا عن  محمد عماره فيده ملوثة بدماء فرج فوده ، وهو واحدا من أبرز من سمم نهر الحياة الجميل الساري في شرايين هذا الوطن ذو النزعة الروحية التصوفية التصالحية التي في طريقها للموت تحت أقدام هؤلاء الأجلاف الفكر، البليدي الفؤاد، المعصوبي العيون، الضيقي الأفق .. فكل ما يعرفونه عن الدين هو التلاعب بالألفاظ وقلب الشيء على كل نقيضه ونقيصة من فيض عطائهم الغير مبروك ولا محمود.. فمنذ عقود لم ينجوا أحد من وصايته ، فما من أحدا قال كلمة راقية أو أعطى من روحه فنا وفكرا وإبداعا إلا كان لسانه التكفيري الذي يشبه ذنب العقرب المدهون بالزئبق خلفه يريد لسعه فيرديه قتيلا..

يقول لك بلسانه الماكر أنه مع حرية الفكر ، بل مع حرية الكفر .. ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ويستشهد دائما بقول الإمام محمد عبده : لو كان للقول مائة وجه ، كفري في تسع وتسعين منه لأخذنا بالواحد الباقي وما حكمنا بكفره … ولا مانع من التأكيد والإثناء على قول أبي حامد الغزالي : لا يسارع للتكفير إلا الجهلة …  …. إلى أخر هذه الكلمات المخاتلة  .. تنتهي هذه المقدمات المحفوظة والتي كررها فسمعتها وقرأتها حتى مللت منها لأني ، والحق يقال دائما أجلس أمامه منبهرا .. لقد كدت أفقد الثقة في كل إنسان يحسن الكلام ، كيف يعبث هذا بعقول السامعين وكيف يصدقه من كان عنده ذرة من عقل أو دين أن بعد كل هذا المعسول من القول نجد أننا أمام رجل من أشد الناس تكفير لخلق الله .. حتى وددت لو أتيحت لي الفرصة أن أعرض عليه بعضا من قولة الذي لو نسبته لأخر ، لكفره بذات القوة واليقينية .. أنهم قوم يُكفرون حتى ظلالهم!!

وسعيا منه سعي الحيات في متعرجات فاجرات يقتطع الكلام ويضيف شبهات ويستحل الكذب وكأنه في خصومة شخصية مع كل مَن لاقى استحسانا وقبولا بين المثقفين .. هل هذا جزء من تكوينه النفسي من أيام شيوعيته التي سعى أن يكون من رموزها ففشل، ولم يُشر له بالبنان على أنه عقلها المفكر وفيلسوفها النابه الذي تجاوز ماركس وانجلز .. ولكن من أثار الشيوعية فيه تحويل كل قضية لحرب، وكل حرب تصير في ذاتها هدفا، ولا نبل فيها إلا لمنتصر ولو أختصر الطريق بأكذوبة هنا وتزوير هناك وضرب تحت الحزام في كل مناسبة وبدون مناسبة…

فبعد حسن المقال يتهم كل قول لخصمه بالكفر .. والخروج عن الملة .. والبعد عن صحيح الدين وإجماع أهل العلم .. والطعن في أصل من أصول الدين .. وتشكيك في عقائد المسلمين.. والازدراء بالكتب والتحقير من مقام الأنبياء والتكبر بالعقل ونشر الكفر والضلال  .. .. … إلى أخره من كل اصناف الاتهام .. ليختصر القول في نهاية المطاف بتوهمه أقامة الحجة على من يقع تحت لسانه الفاجر باتهامه بالعمالة لجهات تعلن الحرب على الإسلام والمسلمين، وتريد الفتنة والحرب الداخلية وتكدير السلم العام وإشاعة الفوضى وإزهاق الأرواح وفضح نساء المسلمين..

وفي حركة التفاف وبضربة مفاجئة يضيف : أننا نقول أنه ليس بكافر ولكن عليه أن يتوب عن قوله فقوله كفر .. فإن لم يتب فعلى ولي الأمر أقامة الشرع بتطليقه من زوجته وإقامة الحد عليه في ميدان عام ، أنهم قوم يعشقون رؤية البشر وهم أشلاء فبهذا وحده تشفى صدور قوم مؤمنين.

هذه هي وجهة نظري ورأيي في شخص عمارة .. فبعد كل هذا الذي ذكرت وهو قليل مما هو عليه كما اراه فلا أفصح عنه .. أقول : ليس دفاعا عن عمارة بل إحقاقا للحق نقول للمطالبين بتقديم عمارة للمحاكمة بتهمة ازدراء الأديان – لأنه طبع تحت اشرافه ووزع كتابا مع مجلة الأزهر مفاده الزعم بأن المسيحية ديانة فاشلة … من خلال كتاب : “دراسات غربية تشهد للإسلام” –  نقول لهم : أنكم على خطأ .. وأنكم كمن أراد حك الجرح بسكين فلا أنت هرشت ولا أنت تركت الجرح يبرأ .. فسلوكنا العاطفي المندفع هو آفتنا الشرقية وسر تدهور حالنا.

ولمن يسأل: كيف ذلك ؟؟ .. نقول: هو يرى أن المسيحية ديانة فاشلة ويقدم على ذلك ما يعتبره أدلة تؤيد رأيه.. ونحن نقول: وما المشكلة في ذلك .. هذه وجهة نظر ، رأي .. حرية في الاعتقاد والتفكير والتعبير عنا يؤمن به..

فتقول لي : ولكن قوانين ازدراء الأديان ؟؟

فنجيب : ومَن قال أن هناك شيء في العالم المحترم الإنساني الحر يعرف شيء اسمه ازدراء أديان ؟؟.. لماذا نحن مُصرين على أن نكون خارج التاريخ والفكر والزمن والحضارة؟؟

فبعد أن خرجنا من عصر قضايا الحسبة البائس لتستقر الأمور على أساس من لا يكون قد وقع عليه الضرر بشكل مباشر فليس من حقه رفع قضية حسبة بالإنابة عن كامل المجتمع ، سقطنا في مستنقع الازدراء الأشد وبالاً ونكاية وهوس. 

فبعد أن كان كل من هب ودب وعوى وأراد أن يكون له اسم وشهرة على قفى من يفكر وينتج يرفع قضايا حسبة، فيتلقف الأعلام الخبر فيخرج على التلفيزيون وكأنه الفارس المغوار الذي لا يقدر على رؤية النقيصة فيصمت ، ويلعب دور الحر الأبي الكريم العنصري .. فابتلينا بهذه الأشكال دهرا ، وأشهرهم كان يخرج على القنوات الفضائية الدينية السلفية يدعم مرسي .. يقول في نهاية المطاف معترفا، ونحسبه في هذه فقط كان صادقا: ” أنا رشحت مرسي لأني حمار ” .. نعم .. وإن كنت أنت اكتشفت ذلك الآن فنحن قد عرفناه من زمان .. ولكن المشكلة في 40 مليون الذين هم على شاكلتك ولم يعرفوا بعد أنهم كذلك من هذه الفصيلة في فرعها الوحشي الغير مستأنس ليعيش في وسط بشر متحضرين ..

هديت قضايا الحسبة .. فخرج علينا بعضا من نوابغنا الأقباط المتصدرين المشهد لا على أنهم مصريين بل على أنهم أقباط وهذا ما أعلن رفضي تماما له ، فمن ليس مصريا فهو طائفي .. متحمسين ثائرين يريدون نصوص قانونية رادعة ضد من يزدري بالدين .. وفي تصوراتهم الناقصة توهموا لسذاجتهم أن صدور قوانين كهذه ستحميهم من تطاول المشايخ على المسيحية .. غير عالمين أن القانون الذي يدين من يزدري بالدين ضد مبادئ حقوق الإنسان في حرية التعبير عن رأيه ونفسه ومعتقده .. فرج فودةفالدين قضايا عامة خصوصا أننا أمام ديانات تعرض نفسها على غير المعتقدين فيها ليدخلوا تحت مظلتها ويجتمعوا في حظيرتها .. فمن الواجب على من يتلقى تعاليمها أن يمتدحها أو ينتقضها وينتقدها إن أراد .. وأن تعرض له شخص متعصب فعلى القانون حماية حق الإنسان في التعبير.

ولكن قد يقول قائل .. هل يعني ذلك ونحن شرقيين متدينين بفطرتنا نسمح بهذه المهانة ونقبل النقيصة في ديننا ؟؟

نقول لهم : هذه مشكلتكم عندما تخلطون بين العام والخاص .. فأن آفاقكم الضيقة ومشاعركم القبلية هي ما تصور لكم أن من أنتقد الدين ينتقدكم أنتم .. ومن كفر بدينكم قد اهانكم شخصيا .. أليس كل حروبنا هذا سببها ؟؟ .. ومن أراد أن يتآمر علينا يستغل هذه تحديدا فيشعل الدنيا فتحترق بنا المراكب ؟؟

فهل نحن ندافع عن أفكارنا ومعتقداتنا بالسيف وإفناء المخالف أم الحجة بالحجة والدليل بالدليل والكتاب بالكتاب ويختار الناس ما أرادوا ويتركوا ما لا يحلوا لهم .. وأنتهى الأمر.  

ولكني أعرف سر سوء التفاهم وهو أننا نظن أن الداعي لحرية التعبير ، هو يفتح الباب لأحداث فتنة وقد يروج لأفكار عنصرية تدعو للكراهية وربما القتل … نقول : هنا يتضح الفرق بين النقاش الفكري – وهو حر يحميه القانون – والحض على الكراهية والعنصرية والقتل وهذا ما يجب على الدولة التصدي له.

مثال للتوضيح : في فرنسا – أو في أي دولة متحضرة – مثلا قل ما شئت عن موسى والتوراة وتاريخ الديانة وشذوذ افكارها وجرائم الصهيونية في فلسطين قديمها ومحدثها .. فأنت في كل ذلك حر …. ولكن عندما تقول أن اليهود كأشخاص يستحقون القتل، أو احفاد القردة والخنازير ، ويجب حربهم وإفنائهم، أو تبرر من أراد هلاكهم فأنت تحت طائلة القانون بلا رحمة لأنك تدعوا للكراهية العنصرية وتوفر غطاء لارتكاب جريمة وصنع فتنة….

يقول المتنطعين : أن أوربا تعمل بوجهين فهي تحمي اليهود وتضطهد المسلمين .. فنجيبه بالقول : يا ناكر الجميل قد ذهبت حافيا عريانا تثير الشفقة .. فجعلوا منك بني آدم تستحم بماء ساخن وتضع على رأسك “شنبوا” فأطعموك وكسوك بعد أن فلوك من قملك ومحو آثار الحمرة على قفاك من دول الإيمان التي هجرتها .. فأردت بناء جامع تتعبد فيه لله فقالوا لك حقك أبني وصلي أينما كانت قبلتك .. ولكنك قلت فلان يهين الإسلام فأحكموا عليه .. فأفهموك أننا في بلاد حرية الرأي فأن لم يعجبك فرد عليه في كتاب .. ولكن أن قال أحد مقالة في المسلمين كأشخاص وكجنس مختلف غير قادرين على التحضر ويجب أبادتهم فستنظر عيناك سيف القانون .. ولكنكم تنقلون للشرق أقوال ملفقة كاذبة .. خيبكم الله..!!

نعود لشرقنا الأغر .. فخروج قوانين ازدراء الأديان هرطقة إنسانية وكفرا بمبادئ حقوق الإنسان والمواطنة .. ومن تفتق ذهنه عنها ونادى بها وتحمس لها من الأقباط كان فكره عاجزا عن رؤية أن القانون ولو كان صائبا عادلا لو اسيئ استخدامه صار كارثة وظلم بيّن .. فما بالك بالقانون المعيب أصلا .. والنتيجة كما نرى كم قبطي كنتم يا نشطاء القبط وراء بهدلتهم وسجنهم عن حق وعن باطل وتربص وتصيد وسوء قصد وفساد سريرة .. فهل اعتبرتم ؟؟ .. لا ، بل تريدون تطبيقه فيشمل الكل فيزداد الاحتقان وتلتهب المشاعر، ونصير حساسين أكثر من اللازم في كل أمر يخص الدين والرأي وحرية الفكر..

عمليا .. هل يتخيل المتحمسين أن عمارة لو حكم عليه – مع أني لا أظن أن ذلك سيحدث – كم من الأقباط سيحكم عليه في مقابل هذا الذي يحسب نفسه شيئا على المستوى الفكري .. ؟؟

فبدلا من أن تنادوا بحرية التعبير .. تريدون تكريس دولة التربص والتصيد والتلفيق وفاسد التأويل لتخليص حسابات وصنع توازنات .. وبدل الدعوى بحق التعبير وحرية المعتقد وحق النقد والنقض ومن يضره ذلك فليرد بكتاب .. ويبقى وسائل التعبير الالكتروني مساحات حرية ولو فيها بعض من تجاوز .. سيبقى هذا التجاوز خير ألف مرة من كبت الحريات..

في النهاية هل يعني ذلك ألا يوجد تهمة ازدراء … نقول : بلا .. الازدراء الذي يتناول شخصية غير عامة يسمى سب وقذف على حسب السباب والمهانة الموجهة .. أما بالنسبة للشخصيات العامة الحقيقية كالدكتور عمارة أو برهامي أو يعقوب أو القرضاوي وولده شاعر الغبراء ، فهم وهو طالما هم كذلك – شخصيات عامة فمن حق أي شخص أن يتناولهم بالنقد بل وبتسفيه بعض أفكارهم أو كل أفكارهم بشرط ألا يسبه بأبية وأمه ودينة وبلده … ألخ .. وكذا بالنسبة للشخصيات الاعتبارية كالحكومة ومؤسسة الرئاسة أو الرئيس نفسه بشخصه أو بصفته .. ما لم يكن في ذلك كذب وتلفيق وترويج لمعلومات خاطئة..

……..محمد عمارة

فمن اراد محاسبة عمارة فليس على هذه بل على تكفيره لفرج فودة فكان هو واحدا من قتلته بالتحريض ، ففي هذه نطالب بمحاكمته .. وليس عن رأيا أبداه في دين لا يؤمن به وهذا حقة .. فالتكفير بمعناه في الشرق يعني استباحة الدم .. ومن أباح الدم فليس بمفكر بل مجرم … ومع سبق الإصرار والترصد لأنه يعرف نتاج حكمه على شخص لا بالمخالفة في الرأي بل في إصدار الأحكام بالتكفير والخروج عن الدين.

الخلاصة ..

** هل المسيحية ديانة فاشلة ؟؟… نعم من وجهة نظر كل مَن لا يقبل المسيحية كدين .. أو هي كذلك من بعض الأوجه بين المسيحيين أنفسهم كتقصير في بعض أوجهها في تفاعلها مع الواقع .. فقد فشلت في أن تكون واحدة .. وأن تجرم العبودية والاتجار بالبشر وأن مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة لم تخرج من رحمها بل كانت حجر عثرة جعلها تأخذ وقت أطول وبعد حروب لم تكن الكنيسة يدها بيضاء فيها .. فيكفي أن نقول في صرنا الحديث موقف البابا “بيوس” الحادي عشر ( 1922 -1939  م ) من الفاشية الإيطالية وسكوته على مذابحه بل مباركته وصنع تحالف معه ضد المد الشيوعي .. فأكرمه موسيليني الذي كان يحتقر المسيحية ورجال الدين، بإعطائه دولة الفاتيكان وتعويضه بنفقة مالية سخية لتعويضه على أنحصار ملكه في هذه القطعة الصغيرة من الأرض .. ثم جاء خليفته “بيوس” الثاني عشر (1939 – 1958م ) فصمت على كل علمه بمجازر النازي ضد اليهود .. بل وقف موقف الأزهر من داعش فلم يكفرهم … في الوقت الذي كان يتصيد المكتب المقدس “سانت أوفيس” – الاسم الحديث لمحاكم التفتيش الكاثوليكية – بعض الكتاب ويلاحقهم قانونيا أو يحرمهم من الكنيسة ويرميهم “بالأناتم” أي اللعنة..

هل أنا مخطأ ؟؟ ربما !! فما العمل ترفعون قضية ازدراء الأديان ضدي .. أم نناقش أفكاري .. ومن شاء أن يقبل فليقبل ، ومن شاء فليرد بمقال أو خطاب..

   ** هل الإسلام ديانة فاشلة ؟؟ .. نعم من وجهة نظر كل مَن لا يقبل الإسلام كديانة .. وإلا لصار مسلما .. فنفس ما قلناه سابقا عن المسيحية يمكن أن نقوله عن الإسلام .. ونضيف كذلك –ما ينطبق على أي دين – وهو الفرق بين الديانة في ذاتها وبين فهم البشر لهذا الدين المعرض للخطأ والصواب .. النجاح والفشل .. تكريم الله بسببهم أو التجديف عليه بسوء فعالهم .. كذلك بين هذا الدين وبين تاريخ المنتمين لهذا الدين .. وإلا ما تكلم أحد عن تجديد الخطاب الديني ولا الاعتقاد أنه عند رأس كل 100 عام يخرج من يجدد لهذه الأمة دينها … ؟؟

نكرر السؤال : هل أنا مخطأ ؟؟ ربما !! فما العمل ترفعون قضية ازدراء الأديان ضدي .. أم نناقش أفكاري .. ومن شاء أن يقبل فليقبل ، ومن شاء فليرد بمقال أو خطاب..

فإلى كل من قال على النت أو على غيره من الأقباط أن المسيحية ليست ديانة فاشلة بل الإسلام هو الدين الفاشل ، وما أكثرهم .. هل تريدون محاكمة عمارة فتلتقوا معه في السجن بتهمة ازدراء الأديان .. أم أن للرجل رأيه ولك رأيك .. وتعالى معي نسفه قوانين ازدراء الاديان والتي تطبق على الهوى ويستغلها الهمج في تهجير المساكين أو الزج بهم سنين في السجون لأنهم عبروا عن رأي في الدين .. فللدين ربا يحميه فلا تزايدوا فالتزيد في الشيء هو التنطع ..

فألا لعنة الله المتنطعين..

Print Friendly
This entry was posted in ارنست وليم and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.