صدام الأصوليات والديكتاتوريات… سحابة صيف وتعدي

مؤمن سلام  مؤمن سلام

الديكتاتوريات بحكم تكوينها ضد الفكر والثقافة وإعمال العقل لأنها أشياء ستؤدي في النهاية إلى وعى الأمة بحقوقها والمطالبة بها والنضال من اجلها. لذلك نجد أن النظم التعليمية في ظل النظم المستبدة تكون نظم متخلفة ويكون التعليم دائما في ذيل اهتمامات الديكتاتور فيخصص له اقل الميزانيات ويترك للمتخلفين وغالبا ما يكونوا من أصحاب الفكر الديني أو المحافظ مهمة وضع المناهج الدراسية، لضمان تخريج أجيال من الموظفين غير قادرين على إعمال عقولهم فقد تعلموا الحفظ والنقل وليس التفكير والنقد.

ولأن العداء للعقل هو أيضا سمة أصيلة لدى الأصوليات الدينية على عكس التيار الليبرالي الذي يرى في حرية الرأي والإبداع والتفكير ركن أساسي من أركان حقوق الإنسان، لذلك نجد أن مشكلة الديكتاتوريات العربية مع التيار الليبرالي أكبر من مشكلاتها مع الأصوليات الدينية، فالخلاف بين الديكتاتوريات والأصوليات هو خلاف على مساحة السيطرة على مقدرات الشعوب، ولذلك نجد أن دولة مثل السعودية لم يحدث صدام بين الأصولية الدينية ممثلة في ال الشيخ سلالة محمد بن عبد الوهاب وال سعود حيث اتفقا من أول لحظة منذ ظهورهم في القرن 18 على مساحة السيطرة المخصصة لكل منها، ولم يحدث أي صدام إلا حوادث نادرة مثل اقتحام الحرم المكي أواخر السبعينات أو بعض الحوادث الإرهابية لتنظيم القاعدة في السنوات الأخيرة وهى فصائل من الإسلام السياسي ترفض الاعتراف بشرعية الاتفاق القديم بين ال سعود وال الشيخ وتطالب بإعادة ترسيم حدود السيطرة بين المستبد والشيخ.

وفي مصر اختلف الأمر نوعا ما بسبب عدم وجود اتفاق واضح وصريح بين الطرفين “المستبد والشيخ” فكانت تحدث صدامات من وقت لأخر بين الطرفين عندما يشعر الشيخ أن قوته قد زادت ويستحق مساحة أكبر مما يسمح له بها ضمنيا المستبد. وحتى عندما يحدث صدام عنيف يكون مجرد سحابة صيف ويكون مع فصيل واحد من فصائل التيار الأصولي.

فعندما اصطدم النظام الملكي مع جماعة الإخوان المسلمين عام 1948 وقتل حسن البنا انتقاما لمقتل النقراشي سرعان ما انتهى الصدام عام 1950 وعاد التحالف بينهما ضد حزب الوفد مرة أخرى حتى شارك الإخوان مع الضباط الأحرار في قلب نظام الحكم والتخلص من الملك والوفد وكل الأحزاب في ضربة واحدة.

أما الصدام بين عبد الناصر والإخوان بسبب الخلاف على مساحات السيطرة عام 1954 والذي انتهى في 1970 فقد كان مع الإخوان فقط في حين ظلت الجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنة تعمل بشكل طبيعي كما قدم عبد الناصر أثناء هذه الفترة الكثير من الخدمات للتيار الأصولي مثل تأسيس إذاعة القرآن الكريم والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وتوسيع نشاط جامعة الأزهر.

بعد عشر سنوات من التحالف بين السادات والتيار الأصولي حدث صدام 1980 الذي انتهى في 1982 عندما شعر الإسلام السياسي أنه يستحق مساحات اكبر من التي يسمح له بها المستبد فقرر التوسع بالقوة فحدث الصدام الذي قُتل في أثناءه السادات. إلا أن هذا الصدام كان عاما مع جميع معارضي المستبد ولذلك انتهى مع الجميع باستثناء التيار الجهادي وظلت العلاقات الجيدة مع الإخوان حتى 2011 والممتازة مع السلفيين حتى الآن.

بعد انتفاضة 2011 شعر التيار الأصولي أنه الآن يستطيع أن يستولي على كل شيء دون أن يشاركه أحد ليندمج بذلك الأصولي في المستبد، إلا أن غباء الإخوان المعتاد والمشهور جعلهم يخطئون في حساباتهم ولا يدركون أن الشعب يرفض اندماج الأصولي والمستبد. وإذا كان لا مفر من الاستبداد فليكن مستبدا فقط وليس مستبدا أصوليا. بل انه ربما قد أفاق من الغيبوبة وأصبح يرفض الاثنين وإنما يقبل بالمستبد مؤقتا.

لذلك حدث صدام 2013 مع الإخوان والجهاديين فقط مع استمرار العلاقات الممتازة التى قد تصل إلى درجة التحالف مع السلفيين بالرغم من أن ثورة الشعب كانت على كل التيار الإسلامي وليس فقط الإخوان، إلا أن المستبد يعرف انه لا يستغني عن الأصولي فتم الإبقاء على السلفي وعلى كهنوت الأزهر.

فالمستبد يعرف أن الليبراليين المتحالفين معه الآن سرعان ما سينفضون من حوله عندما يعرفون حقيقته وأن الحرب على الإرهاب لن تنهى أبدا فهي تساهم في بقاءه وأن حلم الديمقراطية لن يأتي أبدا. ورغم كل ذلك هناك مؤشرات على قرب انتهاء سحابة الصيف مع الإخوان في ظل الضغوط السعودية والأمريكية والأوروبية من أجل مصالحة المستبد والشيخ.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.