قِرَاءَةٌ فِي فِكْرِ تَنْظِيمِ حَسَن البَنَّا المُعَاصِرِ

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

حادث الأقصر الأخير لن يعيد ذاكرتي لاجترار حوادث تيارات الإسلام السياسي المتطرف التي ضربت مصر في تسعينيات القرن الماضي لأن وقتها وأثناءها وبعدها لم أقتنع يوما ما بفكرة المراجعات الفكرية الفقهية التي تم تدشينها وقتئذ وهي نفس الفكرة التي روج لها بعض البسطاء سياسيا وفقراء التحليل والرصد السياسي في مصر بفكرة المصالحة مع جماعة حسن البنا أو تنظيمه السري والعلني والمحظور نشاطه وأعماله بعد عقد مراجعات فكرية وفقهية على غرار ما تم في تسعينيات مبارك وعلى أيدي نظامه الأمني الذي أثبت فشله عشرات المرات بفكره العقيم وحلوله الأمنية السريعة كالوجبات فائقة السرعة والالتهام.

وقلت أن تنظيم حسن البنا وأنصاره ومريديه وأعضاء الخلايا النائمة والقائمة والمسيقظة لن يسمحوا لمصر بمناخ سياسي وأمني واجتماعي سليم وصحي وإيجابي ، والقضية بالنسبة لهم ولأمثالهم من تيارات وفصائل الإسلام السياسي المتطرفة ليست هي عودة الرئيس المعزول الدكتور محمد مرسي الذي يعرفونه أكثر مني بأنه بليد سياسيا وفقير في الإدارة وتسييس أمور العباد والبلاد ، وكم هو محزن ومثير للضحك أيضا أن نسمع في قنوات الأصابع الأربعة من يتحدث عن شرعية المعزول محمد مرسي أنهم لا يتحدثون عن الإنجازات الخرافية والأسطورية والجبارة التي تحققت على أيدي هذا الرجل ونظامه والذي لم يخط سطرا واحدا في كتاب تاريخ مصر المعاصر سوى أنه أحدث انقساماً بين صفوف المصريين ولا يزال الانقسام وربما سيستمر .

وبالفعل لا يوجد منجز حقيقي للمعزول ورجاله وتنظيمه سوى التحكم في مفاصل الدولة واقتناص السلطة والحكم وتأجيج مشاعر الغضب والاستهجان ضده وضد جماعته. ومشكلة الجماعة ومن على شاكلتها أنها لم تفطن بعد إلى حقيقة مصر هذا الوطن صعب المراس والرافض دوما لفكرة الرجوع إلى الوراء .  ففي مصر وحدها كلمة سر لا يفطنها إلا ذوو الألباب والعقول الراجحة ، وبالأحرى هي شفردة كودية تشبه شفرة دافنشي التي أودعها في لوحة الموناليزا المرأة ذات الابتسامة الساحرة ، ومن يلتقط هذه الكلمة السحرية فهو قادر بالتأكيد على الرقي والارتقاء بالوطن وبنفسه أيضاً . وتماما كما قال مفكر مصر الماتع توفيق الحكيم إن شعبا كمصر استطاع أن يشيد حضارة عظيمة تمثلت في أهرامها فهو قادر مئة مرة أن يشيد حضارات أخرى ، وأضيف إلى قوله البليغ ، حضارات أخرى مدهشة، فقط اجعل شبابها وأبناءها ينظرون بعمق صوب السماء .

ومشكلة المكملين والربعاويين والمستمرين في أعمال التخريب والتدمير والعنف وإحداث الشغب عن طريق اعتصاماتهم وإضراباتهم واحتقانهم المستدام أنهم لا ينظرون إلى السماء الفسيحة والعريضة بزرقتها ، وربما فقر المعرفة لدى بعضهم واستلاب عقولهم بشكل مستمر إما من خلال أمراء الفتوى والمنابر أو قيادات التنظيم المختبئين تحت الأرض ، أو من خلال أنظمة مبارك التعليمية الفاسدة التي طبقت على العقول والصدور هي التي جعلتهم على خلاف دائم مع صفاء السماء واتساعها .فهم أقرب إلى الأرض فعلاً ولم تشفع لهم انتمائهم لكليات عملية وعلمية يدرسون فيها علوم الذرة والإليكترون والفضاء والسفر إلى المريخ .

المشكلة أن هؤلاء الطلاب الذين يقبعون بالساعات أمام القنوات الموجهة التي تثير القنوت واليأس بالنفوس لم يفكروا للحظة أن يشاركوا الوطن في بنائه ، بل فكروا في كيفية تنفيذ أوامر من يفكرون عنهم بتعكير صفو الوطن والمواطنين ، والقصور بالطبع ذاتي لأنهم تربوا على ثقافة الانتظار لا المشاركة ، والدهشة أنهم رغم اندماجهم مع عوالمهم الافتراضية إلا أنهم مغيبون تماما عن مشهد واقعي ، ولا يزالوا يربطون مصائرهم بمصير رجل قد يعود وهذا التفكير يعد سلبيا من وجهة نظر علماء النفس المرضي.

ومصر اليوم بدت إيجابية ، وعليها أن تستمر في ذلك ، وهذا لن يتحقق إلى بعزيمة صادقة وثبات إيماني راسخ وعقيدة لا تتغير نحو البناء ، أما أولئك الذين يبثون إشارات البث السلبي عبر قنواتهم أو من خلال رسائلهم المهربة عبر السجون أو البيانات التي تنطلق من تركيا المريضة جدا والمنتظرة وفاتها سياسيا ، أو الهاربهون لدويلة قطر والذين سيطردوا منها عما قريب فليتهم ولو مرة واحدة يعلنون عن إقامة فرح شعبي بباب الشعرية أو المطرية ، أو يعرضون هدفا من أهداف اللاعب المصري محمد صلاح ، أو ولو على سبيل الخطأ يجددون فرحنا بالاحتفاء بحصول عميد الرواية العربية نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب . حتى وإن عرضوا أي تكريم للبوب محمد البرادعي فأنا موافق على ذلك من زاوية أن الحياة لم تتوقف في مصر حتى عودة المعزول شعبيا محمد مرسي ، وإن أرادوا الصدق واليقين في رسالتهم فعليهم أن يذيعوا على أسماعنا المقولة الأشهر لمرشد الجماعة السابق مهدي عاكف حينما قال طظ في مصر. حسن البنا

وربما يغفل أولئك المهرولون خلف الجماعة والقنوات الدعائية مقولة مهدي عاكف ، وعليهم سريعا أن يعقدوا مقارنة سريعة بين صاحب الطظ الشهيرة ، وبين صاحب شخصية مصر وعبقري المكان الجغرافي جمال حمدان ليدركوا الفارق الشاسع بين ثقافتين وطرحين فكريين أشبه بالفرق بين علاج وجع الرأس وصداعه عن طريق وضع مفتاح وربطه بجانب الرأس ، وبين علاج السرطان عن طريق استخدام الذهب والإفادة من الخلايا الجذعية.

وحقيقي أنه بات من الصعب تغيير الأفكار بسهولة ويسر من خلال ندوة أو مناقشة أو حوار مفتوح ، لأن العقل قد عقد عزمه على ألا يتغير وارتبط بعقائد أيديولوجية تحكمه وهذا هو حال جميع الشباب الذي انتمى سريعا لتنظيم الجماعة التي تعددت مسمياتها بتعدد طبيعة وظائفها . فهو لا يرى خلاصا على يديه بل على أيدي تنظيمه وهو استمرأ الحال والمقام .

وفي الوقت الذي احتفلت فيه مصر ولا تزال بنتائج مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري ( مصر المستقبل ) وجدنا شبابا وتيارات وفصائل تحارب مصر ظنا بأنه تحارب الرئيس ، وفي الوقت أيضا الذي نشاهد كل يوم جديدا يجري بقناة السويس وعمليات الحفر نجد أصواتا باهتة تحارب المشروع وكأنه في إسرائيل وليس مصر ، وحينما رأينا جولات المهندس الرائع إبراهيم محلب وهو يجوب كل بقاع المحروسة محاربا كل أشكال الفساد نرى من يكتب على شبكات التواصل الاجتماعي بأن هذه الجولات عرض مظهري للتفاخر ، الحقيقة أن بمصر وجوها كارهة للنجاح ومنطق نجاحها فقط هو وجود رجل بليد سياسيا على رأس السلطة مثل الرئيس المعزول محمد مرسي تتحكم فيه جماعة وتنظيم ومرشد ومكتب للإرشاد.

 وفرق كبير بين وطن وشخص، والمشكلة الذهنية التي تندر عليها ملايين المصريين أن بعض المنتمين لتيارات الحرب ضد مصر لا يفطنون حتى اليوم أنهم يقوضون البناء الكبير . وهم يراهنون على الرئيس المعزول محمد مرسي الذي أقول فيه أنه نموذج تام للفشل ولا أخشى في الله لومة لائم ، وكلنا سنقابل الله يوما ما وكان أمره مقضيا .

واستكمال لمسلسل الغياب الذهني ، لايزال يعتقد أنصار ومريدو وأتباع الجماعة التي انقضى سحرها أن أي نظام حاكم غيرها وغيرهم هو نظام محارب للإسلام وللمسلمين . فمن وجهة نظرهم المسكينة أن الذين خرجوا على الحاكم في الخامس والعشرين من يناير مسلمون ، لكن ليسوا أولئك الذين هبوا وعزلوا حاكما فاشلا في الثلاثين من يونيو ، وليسوا من أيد وشارك وساهم في مشروع حفر قناة السويس الجديدة ، أو من هلل فرحا بالمؤتمر الاقتصادي .

هي بالتأكيد فتنة نحياها ، وهؤلاء إن كانوا يؤمنون بالوطن والوطنية لأيدوا الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يعلن ليل نهار بأنه يريد مشاركة أبناء الوطن الحقيقيين في تشييد مصر المحروسة ، لكن هؤلاء مصرين على الاحتفاء بليلة فض اعتصام رابعة وهم يذكروننا بذلك باحتفال الشيعة واحتفائها بليلة مقتل الإمام الحسين ، ومن شاهد قنواتهم المدهشة يدرك أن جيلا كاملاً يعيش منا على أرض هذا الوطن لا يريد أن يتقدم بل هو ينفذ أجندة مؤامرات تسعى لتقويض أمن وأمان واستقرار الوطن .

ومن خلال الندوات والمحاضرات الثقافية التي أشارك فيها خارج الجامعة وأنا ألمح جملة من الشباب المنتمي قسرا وكرها ونتيجة طبيعية لفقر المعرفة والتكوين الثقافي المفتوح  أعينهم زائغة القرار ، وأرى عقولهم لا تزال محظورة على التجديد ، ففتوى التحريم أقرب إليهم من الإعلان بالتحليل ، وهم أقرب للرفض من القبول وربما سمة التمرد والعصيان توافق الهوس الديني الذي جاءت به تيارات الإسلام السياسي ظنا منها بأنهم وحدهم مسلمون .وهؤلاء هم من يقوم بأعمال التفجير والتخريب والتدمير بغير رحمة وكأنه ينتقم لثأر قديم.

والشباب الذي تمتلأ بهم الجامعات لم يستطيعوا أن يجدوا إجابة واحدة شافية عن السؤال المكرور : ماذا قدمت الجماعة ومندوبها للإسلام طيلة عام كامل وبيدها حكم البلاد والعباد ومجلس الشعب والشورى وإدارة الجامعات والنوادي والجمعيات الأهلية ؟ . هم يقولون أنهم لم يستطيعوا فعل شئ بسبب تحالف الأشرار،هذا من وجهة نظرهم بأننا والمصريون استحلنا أشرار . ويؤكدون أن الإعلام والشرطة والقضاء والجيش والشعب ونادي الزمالك باعتباري من أكبر مشجعيه وأنا وأنت على رأي الأفراح الشعبية في مصر وقفوا جميعا ضد مرسي المسكين وجماعته .

ماذا صنعت الجماعة للإسلام سوى مزيد من تشويه السمعة لا المكانة ، وماذا صنع أتباع تنظيم حسن البنا للمسلمين سوى السكر والأرز والزيت وحمل الخير لمصر ؟ .

وهذا خير دليل على فقر الإدارة التي تمتع بها أولئك ، وهم أيضا لم يجدوا إجابة واحدة عن مخزى أعمال التخريب والتدمير وترويع الآمنين سوى أن هذه الأفعال من أجل عودة المعزول وفرقته المحظورة إلى الحكم مرة أخرى ، مستخدمين في ذلك الكلمة الأكثر ظلما ألا وهي الشرعية .

لذلك فالذين يروحون ويجيئون عبر القنوات الفضائية التي باتت الأكثر مللاً بظهورهم الأكثر رتابة أيضاً ويلمحون بورقة المصالحة وضرورة الاندماج مع المجتمع ، أولا أعترف بأن الله وحده يقبل التوبة ، لكن بمنطقهم الماضي والذي أقصوا كل بعيد عن فكرهم وأيديولوجياتهم عن أية مشاركة رسمية أو ترفيهية غير رسمية وكأنهم يقسمون البلاد والأوطان وفق أهوائهم التي أودت إلى سقوطهم بغير قيام.

ثانياً إذا رجعنا إلى الاجتهاد لفكرة المصالحة والاندماج فهؤلاء الذين يروجون للفكرة يتحدثون من أبراجهم العاجية العالية البعيدة ولم يكلفوا أنفسهم مشقة الحوار والحديث مع شباب الجماعة . هم ينظرون فقط إلى القيادات إما الهاربة أو المحبوسة أو رهن القيد الإعلامي في قطر وتركيا وستوديوهات بير السلم . لكن الشباب له آراء أخرى غير ذلك ، فهم يروا أنه لا مناص من المحاربة والاحتراب وإعلان الغضب اليومي بغير رجعة .

لذلك أرى أن هؤلاء الذين يقرورن بتجديد الخطاب الديني ليل نهار حتى ظننت أنهم سيطلعون علي من الثلاجة ودولاب الملابس وشنطة سفري عليهم أن يتعرفوا أولا على فكر هؤلاء ومطامحهم ورغباتهم وأفكارهم لأنهم بذلك يحرثون في البحر . ومصر دوما أمة مسالمة تعاني من فقدان الذاكرة التدريجي وهي وطن اعتاد على قبول فكرة المصالحة دونما شروط أو ضوابط مشروطة واستثنائية ، لذلك فكرة التلويح بالمصالحة تحتاج أولاً إلى مصارحة وكشف وبيان وتبيان لما خفي في الصدور .

وإذا أردت أن تعرف ضمائر المتربصين راقب التعليقات والتلميحات المنتشرة على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي ، فالكل لديهم يقترف الغلط والخطأ ، لكنهم وحدهم معصومون ، هم بالفعل معصومون من التكرار وإنتاج التجربة من جديد. وعليه بلغة أهل القضاء ينبغي الولوج إلى أكوان الشباب المنتمي لتنظيم حسن البنا لمعرفة اتجاهاتهم نحو الوطن ، وعلمائه وشيوخه وفئات الشعب كافة ، وعلى المؤسسات الدينية وأهل تجديد الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى وقتنا الراهن أن يعزز ثقافة القيادة والمبادأة لدى هؤلاء الشباب لأنهم بالفعل مكبلون ومقيدون بآراء وأفكار قيادات هاربة ومستهربة ومطرودة من دفء الوطن .

وأنا أعلم أن المتربصين والذين يقرأون بعناية كل سطر يكتب عن تنظيم حسن البنا أو عن تيارات وفصائل الإسلام السياسي المتطرف سيقولون إن الكاتب ومن على شاكلته هم الذين أسقطوا مندوب الجماعة ، لكنها حقيقة لا يمكن التخلي عنها ، وهم الذين يدعمون الرئيس عبد الفتاح السيسي ، وهذه أيضا حقيقة أخرى لأننا نقف مع قائد وطني ينتمي لمؤسسة وطنية عريقة تاريخها مجيد ، وربما سيقولون أيضا أنهم يشجعون نادي الزمالك ويستمعون إلى منير وفيروز وإليسا ويحتفلون بالفلانتين وعيد الأم ويشاهدون أفلام السبكي ، وهذه هي ثقوب معاوية التي سينفذون منها والرد كالتالي ، سيموت الكاتب وتحيا مصر ، وستنتهي وتنمحي السطور يوما ما وستحيا مصر ، وسيذهب المتربصون بـ (طُظِّهم ) وصاحبها وستحيا مصر ، هذه مصر حقاً ولدت لتحيا.

د.بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

قسم المناهج وطرق التدريس

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , , . Bookmark the permalink.