صفحة من تاريخ القبط.. تاريخ حروف تحولت لحروب

أرنست وليم ارنست وليم

تعلمت أن بين الألفاظ والمعاني إشكالية في عقول المتحمسين وأصحاب الولاء لجماعة أو فرقة أو دين.. فاللفظ هو ما صار عمليا المقدس وفقدت المعاني قيمتها.. فبكلامك تُبرر وبكلامك تُدان فُهمت على اسوأ ما يكون، وصارت هي القانون فأختفى وجه المسيح وملكت الشريعة فصرنا بالمسيح يهود..

فقد صار الخلاص بكلمة تخرج من الفم واعتراف أبن بنت شفى.. وأن الألفاظ التي كان الواجب أن تكون وسائل تعبير عن معاني صارت قنابل دخان تحول بين الإنسان والمعنى، بين النص والمقصد، بين الحرف والروح..

فتجد العروق تنفر والجباه تحمر والأنوف تنتفخ بقدرة قادر، عندما تقول لأرثوذكسي ما المشكلة في عقائد الكاثوليك مثلا – أليس هذا خلاف في التصورات لا يغير من جوهر الإيمان على الأقل مع الكاثوليك.. فيصرخون في وجهك كيف لنا أن نكون على عقيدة الهراطقة المحرومين “أناثيما” أي عليهم اللعنات الكنسية بحكم المجامع المقدسة (وهي لعنات متبادلة لقرون وهي سارية المفعول عند الأرثوذكس إلى اليوم )، وتجد دائما بينهم المتحمس أكثر، والذي قرأ بعضا من وريقات حسبها وحي منزل.. فيعرب هذا عن عجبه بسؤال استنكاري يظنه قاسم للظهر، هادما لحصون الغباء التي يراها فيك، فيقول: هل تعرف أنهم ينادون بأن للمسيح طبيعتين؟؟!!.. فيجعلون من المسيح شخصين..!!

 تقول له: ولكنني لم اسمع من كاثوليكي ولا غيره، شخص يقول أن المسيح شخصان هم يقولون بأقنوم واحد أي شخص (أقنوم يعني شخص بالسريالنية، هيبوستاسس باليونانية) فوحدة المسيح كشخص، أقنوم، لا خلاف عليها بين كل من أدعى المسيحية اليوم، وكذلك فإن الجميع متفق على أن المسيح له طبيعة إلهية كاملة وطبيعة إنسانية كاملة.. فالغرب أختار التعبير عن يسوع الإنسان بمصطلح طبيعة فقال: الطبيعة الإنسانية، وعبر عن المسيح أبن الله بمصطلح الطبيعة الإلهية.. بينما اختار بعضا من الشرق، قلة القلة عددا وعلى رأسهم رأس الكنيسة السكندرية البابا ديسقورس ..عدم استخدام مصطلح طبيعة.. أي أن هذه الأقلية في هذه المنطقة الجغرافية تحديدا (؟) لا تحب أن يقال طبيعة إنسانية كاملة وطبيعة إلهية كاملة في أقنوم واحد، بل رأت أن المفروض أن نقول صفات أو سمات أو خصائص إنسانية كاملة، وسمات أو صفات أو خصائص إلهية كاملة في أقنوم واحد…..

أي ان من الكفر والهرطقة المستوجبة اللعنة أن تقول الطبيعة الإلهية، والواجب أن تقول الصفة الإلهية فتنجوا من نار جهنم… فبكلامك تُبرر وبكلامك تُدان.. قل الصفة البشرية ولا تقل الطبيعة البشرية فتصير هرطوقي عليك لعنة اللاعنين في المجامع المقدسة بحضور الروح القدس المحيي المنبثق من الآب…

خلف هذا الصراع اللغوي –العقيم بامتياز- يجب أن نذكر ما لا يمكن فهمه بدونه وهو أن هذه الكنيسة المخالفة للإجماع حول لفظ هي التي كانت صاحبة سلطة ادبية وروحية ومادية قبلا فولدت غيرة في نفوس باباوات حسبوا أنفسهم أعلى شأنا بحكم ركوبهم على عروش لمدن صارت أعظم من مدينة الإسكندرية، كروما والقسطنطينية والحق يقال أنها –أي الإسكندرية – اساءت استعمال سلطتها احيانا فقد خلقت أيضا لتعاليها أعداء ونافرين منها..

أنها لعبة سلطوية سياسية أرضية نفسانية (من “النفسنة” وليس النفس) تتخذ من العقائد ذرائع ومن الألفاظ أسلحة.. وكان مجمع خلقدونيا بداية تحول في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية السكندرية.. فكانت قبلا كنيسة تتحدى كنيسة العاصمة البيزنطية القسطنطينية مقاما وسلطة وصولجانا وخاصة في عصور الأباطرة “القديسيين” الموالين لها: ثيودوسيوس الكبير – اركاديوس – سيودوثيوس الصغير، حتى أنها كانت تتدخل لخلع باباوات القسطنطينية أن لم يعجبها حالهم ( قصة القديس يوحنا ذهبي الفم خير شاهد على تعظم سلطة كرسي الإسكندرية فقد كان البابا ثيوفيلس خال البابا كيرولس عمود الدين وراء حرمة ونفيه حيث مات في منفاه في أسوء حال وهو متهم في عقيدته كهرطوقي في عام 407م، صار بعد ذلك قديسا حتى عند الأقباط !! )  .. حتى أننا عندما نتكلم بعد ذلك عن اضطهاد الأقباط بعد عام 451 م ونتكلم عن شهداء ومعترفين فأننا نتكلم عن اضطهاد مسيحي/ مسيحي، بين الخلقدونيين والا-خلقدونيين[1]

حتى دخول العرب مصر أي من 451- 640م.. قرنين تقريبا من الاضطهاد والأجرام من الغالبية المسيحية للأقلية المسيحية القبطية.. راح ضحاياها الآلاف من القتلى، سمي البعض منهم شهداء كمكاريوس أسقف إدكو – البحيرة حاليا- وأكثر منهم مشردين وأكثر مما يحصى من المعاقين والمشوهين المدعوين بالمعترفين كالأنبا صموئيل المعترف، لو كرمته الكنيسة – أما مَن نسي فهم أمم لا تذكر في تواريخ الفتن وعصور الفجر عندما يكون سببها عقيدة دينية، وما هو اكثر من فُجر عندما تكون ذات العقيدة ولكن الاختلاف فيها كان على اللفظ الواجب الاستخدام، والذي به وحدة يصح المعتقد حسب تصورات هؤلاء ال*****…

ولكن أرجوك لا تقل يا حرام، يا عيني وقد قال المسيح ها انا اتركك كحملان وسط ذئاب، وأحمل صليبك، والعالم يبغضكم لأنكم لستم من هذا العالم…… إلخ.. أرجوكم بلاش بكش !!.. فقد شربوا من نفس الكأس التي ساموا بها من خالفهم الرأي يوم كانت لهم الكلمة العليا.. وجيوش الإمبراطور وحكامه على الإسكندرية رهن اشارة بابا الإسكندرية…

 نعم أني اشفق وعيني لتدمع على كل الأبرياء الذين راحوا ضحية ألفاظ سموها عقائد وصحيح الإيمان، وأرثوذكسية مستقيمة وصراط قويم لكنيسة جامعة رسولية.. كانت كل الرؤوس فيها مجرمة، وراح الشعب الذي حرق بعضه بعضا ضحية.. ونحن ورثة هذه الأحقاد السخيفة لعقول خربة.. والبلهاء يريدون الاستمرار فيها.. أكل هذا الحقد والنار الخبيثة وندعوهم قدسيين !!.. ويحكم لقد أضعتم حقا معنى الألفاظ، إلا إن كنتم ساخرين فلتغمزوا من طرف العين فنضحك معكم ضحكا يشبه البكاء…

اسئلة واجبة الإجابة، تفرض نفسها لمن بقي عنده ضمير..

** سؤال وبعد الترحم على الجميع والدعاء لله أن يغفر لهم، ولكن هل يجب أن ندفع نحن ثمن تنكرهم لقيم المسيحية؟؟..

** سؤال ثاني – لا يقل أهمية إلى أولئك الداعين لتدريس التاريخ القبطي في المدارس: هل سندرسه كتاريخ تحقيقي اكاديمي سيكتبه مؤرخين باحثين لهم وزنهم أم سنفعل كما فعلنا في التاريخ الإسلامي فخر وبطولة، وهو غزو ومقتلة وجبر وهتك عرض؟؟.. هل سيشكل الأساقفة لجنة فتقر صفحات من الأدب القبطي الأرثوذكسي المسمى تاريخ أم تختصر الطريق وتقر كتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة للعلامة ايسيذورس بعد حذف ما يسئ للإسلام به؟؟.. أو تاريخ الكنيسة القبطية لمنسي يوحنا؟؟… بل ستكون الطامة الكبرى لو قرر مختصر تاريخ الكنيسة لإيريس حبيب المصري…. وبذلك نضيف صفحات للفخر لا للعلم، وللمجاملات لا للصدق، وللهجص لا للحق..؟؟

** سؤال ثالث: لمن يريد تدريس ما سقط من تاريخ مصر في عصرها القبطي كيف سنتناول تاريخ حرب بين أقباط أرثوذكس وأقباط كاثوليك.. من سيعترف أنه كان المجرم والهرطوقي ومن كان يمثل الكنيسة الجامعة المقدسة المسيحية، وكيف سيتفق الاثنان على منهج واحد وتاريخ وكتاب تاريخ يرضي الطرفين، أم هي فرصة “للشعللة” والتسخين والمفاخر العنترية المقدسة..؟؟

** سؤال رابع: أليس من الواجب أن نعترف بالتاريخ كتاريخ وعلم ومنهج.. وننقح ما ننشره من خرافات أو قل أدب ديني قائم على المعجزات قبل أن نطالب بتدريس التاريخ القبطي في المدارس.. فكل شيء عندنا بالمقلوب ودائما العربة تسبق الثور، والكلمة تسبق التفكير.. والسرسعة الصرصارة والحماسة المراهقة تسبق المنهج والرؤيا والخطة والإستراتيجية..؟؟

هل نعترف يوما أن تاريخنا كان تاريخ حروف تحولت لحروب، وكلمات ذبحتنا فصرنا طوائف وأشلاء.. وفي غبائنا الأبدي صار عارنا هو فخرنا؟؟

=————

[1] (خلقودينيون نسبة إلى مجمع خلقيدونيا المنعقد عام 451م في مدينة خلقيدونيا – هذه المدينة هي حاليا حي راقي في الجانب الأسيوي لمدينة اسطنبول -….. الخلقيدونيون يسمون أحيانا اليعاقبة للتحقير، نسبة ليعقوب البرادعي الأسقف السرياني، وهو اول من رفض بشكل واضح صريح استخدام لفظ طبيعة للتعبير عن الصفة البشرية، ويسمونهم أيضا مونوفيزيين – وهي تسمية ترفضها الكنيسة القبطية لأرتباطها بهرطقة أوطاخي المتوفى عام 456، وقد كان رئيس دير في القسطنطينية، وقد حاربته الكنيسة القبطية قبلا وهرطقته، وهي القائلة بطبيعة واحدة للمسيح إلهية حاوية ومهيمنة على الطبيعة الإنسانية

Print Friendly
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged . Bookmark the permalink.