المسيحية، من الإستبداد، إلى الإصلاح، إلى الثورة العلمانية

إهداء/ إلى مؤسسى وأعضاء الحزب العلمانى المصرى  عبد الجواد

عبد الجواد سيد عبد الجواد 

 هناك إعتقاد شائع بأن المسيحية قد تمكنت من البقاء والحياة فى سلام مع العالم لإنها إستجابت لحركة الإصلاح الدينى التى فجرها مارتن لوثر كنج فى بدايات القرن السادس عشر، ولإنها إستطاعت موائمة أفكارها ومبادئها الأساسية مع الأفكار الإنسانية العلمانية التى جاء بها عصر التنوير الأوربى بعد ذلك، وأن مثل تلك الإستجابة هى مايجب أن يتبناه الإسلام اليوم فى مواجهة تطورات العصر كى يتمكن من البقاء والحياة فى سلام مع العالم. فهل هذا حقيقى، وهل إستجابت المسيحية حقاً لحركة الإصلاح الدينى ولأفكار عصر التنويرأم أنها قد أُجبرت على ذلك؟ وأن ذلك الإجبار، وليس الإستجابة، هو مايجب أن يحدث مع الإسلام أيضاً كى يتمكن فعلاً من البقاء والحياة فى سلام مع العالم؟ دعونا نرى ماذا يقول التاريخ؟

المسيحية هى أكبر ديانة عرفها تاريخ الإنسان، وقد ظلت متربعة على عرش التاريخ الإنسانى لأكثر من عشرة قرون، حتى بدأت تتهاوى مع حركة مارتن لوثر كنج الإصلاحية فى بدايات القرن السادس عشر، وحتى هزيمتها الأخيرة مع الثورة الفرنسية بعد ذلك بحوالى ثلاثة قرون. خرجت المسيحية من فلسطين على يد آخر أنبياء إسرائيل يشوع أو المسيح كما إشتهر فى التاريخ، وقد أرادا المسيح، الذى وصفه يوسيفيوس – المؤرخ اليهودى الرومانى الذى عاش فى القرن الأول الميلادى – بالرجل الصالح، أن يحدث بعض الإصلاحات فى شريعته اليهودية القاسية، فرفض إصلاحاته كثير من اليهود وأيدها كثير منهم أيضاً، وفى النهاية ضاق به الجميع، اليهود أصحاب الأرض والرومان أصحاب السلطة، فحكموا عليه بالموت ورفعوه على الصليب بعد أن أذاقوه مر العذاب، وبمجرد أن لفظ أنفاسه الأخيرة وأسلم الروح إلى خالقه، تحول النبى اليهودى إلى مؤسس لدين جديد، ففى خلال القرن الأول الميلادى كُتبت قصة حياة يسوع وتعاليمه فى الأناجيل، وتحولت حركته الإصلاحية إلى ديانة مستقلة عن اليهودية، وهى المسيحية والتى قُدر لها أن تكتسح كل العالم الرومانى حتى إضطر الإمبراطور الرومانى قسطنطين الكبير إلى الإعتراف بها كديانة رسمية للإمبراطورية فى حدود سنة 325 من ميلاد المسيح.

لم تنحصر شهرة وإسهامات قسطنطين الكبير فى التاريخ فى مجرد إعترافه بالمسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكن كان هو أيضاً الذى أمر ببناء مدينة بيزنطة على ساحل البسفور فى الجزء الشرقى من الإمبراطورية، ونقل مقر حكمه من روما إليها فى حدود نفس التاريخ الذى إعترف فيه بالمسيحية، وذلك بسبب تهديدات القبائل الجرمانية البربرية التى كانت تتعرض لها الإمبراطورية من جهة الغرب. وكما إنقسم العالم الرومانى – بمرور الزمن – إلى شرقى وغربى، كذلك إنقسمت المسيحية الظافرة إلى شرقية أرثوذكسية وغربية كاثوليكية، وبينما ظلت المسيحية الأرثوكسية خاضعة لسلطة الدولة الرومانية الشرقية (البيزنطية) حتى سقوط بيزنطة على يد العثمانيين سنة 1453م، وتفرق مراكزها على أثر ذلك مع إستمرار خضوعها للدولة، مما لم يجعلها لاعباً رئيسيا فى أحداث تاريخ أوربا والعالم، فإن المسيحية الكاثوليكية كان لها شأن آخر وقصة أخرى. فبعد سقوط روما فى يد البرابرة الجرمان سنة 476م برزت البابوبة الكاثوليكية فى إيطاليا كالسلطة الوحيدة الباقية من تراث الإمبراطورية الرومانية، فكان من الطبيعى أن تتحول إلى دين ودولة وأن يلتف حولها الناس، ومن هنا بدأت المسيحية رحلتها فى التاريخ لتقود السياسات والحروب وتصارع على السلطة، وتتحول من عقيدة المظلومين إلى عقيدة الظالمين.

سيطرت البابوية على حياة أوربا على مدى نحو ثلاثة قرون، وذلك حتى تمكن شارلمان العظيم من إحياء الإمبراطورية الرومانية فى الغرب مرة أخرى سنة 800م تحت إسم الإمبراطورية الرومانية المقدسة (إمبراطورية العصور الوسطى)، التى شملت معظم مناطق غرب أوربا – بإستثناء إنجلترا وفرنسا التى إنفصلت عنها فيما بعد – لكن البابوية وبعد أن ذاقت طعم السلطة لم تستطع التخلى عنها بعد ذلك ولم ترغب فى أن تتركها للملوك يستمتعون بها وحدهم، فكان من الطبيعى أن تدخل فى صراع معهم لتأكيد سمو مركزها كالسلطة الأعلى فى العالم المسيحى، مستغلة مركزها الدينى الكبير، وماكانت تتمتع به من سلطان روحى طاغ على رعاياها بصفتها المؤسسة النائبة عن المسيح فى الأرض، وتعددت صور الصراع، وكان أبرزها ماحدث بين البابوات وبين بعض أباطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فنرى البابا جريجورى السابع يصدر قرار الحرمان من رحمة الكنيسة على الإمبراطورالألمانى هنرى الرابع فى يناير سنة 1077م – بسبب الصراع على حق تعيين الأساقفة ورجال الدين -، ويتركه راكعاً أمام قلعة كانوسا فى إقليم توسكانيا فى إيطاليا قبل أن يعفو عنه، ويكتب عن ذلك فى تجبر قائلاً (لقد جاء بشخصه إلى كانوسا فى إقليم تسكانيا، ورمى بنفسه بباب القلعة حافى القدين، يرتدى بدلة صوف رثة راجياً بخشوع العفو والغفران، وإستمر على ذلك لنحو ثلاثة ايام، فأخذت الشفقة مأخذها ممن حولنا، وتشفعوا له بالدعاء والخشوع، وأخيراً رفعنا عنه الحرمان وإستقبلناه إلى حضن الكنيسة الرؤوم). ومرة اخرى يقوم البابا إسكندرالثالث (1159-1181م) بإصدار قرار الحرمان من الكنيسة على الإمبراطور فردريك بارباروسا – قائد الحملة الصليبية الثالثة -، وذلك بسبب الصراع على النفوذ على المدن اللمباردية فى شمال إيطاليا، وكان ذلك فى سنة 1177م حيث تكررت مهزلة كانوسا، فدخل الإمبراطور فردريك الأول بارباروسا على البابا إسكندر الثالث فى البندقية، حيث إرتمى بين قدميه باكياً مستغفراً طالباً الصفح، مثلما فعل سلفه هنرى الرابع مع البابا جريجورى السابع قبل قرن من الزمان. وبنفس الشكل قام البابا جريجورى التاسع بإصدار قرار الحرمان على الإمبراطور فردريك الثانى مرتين، مرة فى سبتمبر سنة 1227م بحجة تلكئه فى الخروج على رأس الحملة الصليبية السادسة، بينما كان الصراع على النفوذ فى إيطاليا هو السبب الحقيقى، ومرة أخرى سنة 1239م بسبب نفس النزاع المستمر بينهما على النفوذ فى إيطاليا، ولم ينحصر ذلك الصراع على السلطة والنفوذ مع أباطرة الإمبراطورية الرومانية فقط، لكنه إمتد إلى كل ملوك أوربا المستقلين عن الإمبراطورية وضد الشعوب أيضا، حيث قادت البابوية الحروب ضد المواطنين المسيحين فى جنوب فرنسا سنة 1209م، وقتلتهم وصادرت أملاكهم، وأصدرت قرار الحرمان على ريموند السادس أمير تولوز نصير الحركة الإلبيجنسية التى كانت تحاول التحرر من سيطرة وطغيان البابوية. وقد ظل ذلك الصراع بين البابوية والحكام الدنيويين ملمحاً أساسياً من ملامح تاريخ أوربا فى العصور الوسطى، إلى أن زعزعت حركة الإصلاح الدينى التى قادها مارتن لوثر فى بدايات القرن السادس عشر، من مركز البابوية وذلك قبل أن تقوضه الثورة الفرنسية نهائياً.

وعندما بدأت بشائر عصر النهضة الأوربى فى حدود القرن الثالث عشر بسبب ظهور الطبقة التجارية الثرية فى إيطاليا، وإنتشار المدن التجارية وتبنى هذه الطبقة لحركة إحياء التراث اليونانى الرومانى فيما عرف بحركة الإنسانيين، والمضادة بطبيعتها للأفكار الدينية المسيحية التى سادت فى العصور الوسطى الأوربية، كان رد الكنيسة غاية فى العنف، ووصل الأمر بإنشاء محاكم خاصة بمحاكمة أصحاب الأفكار والآراء الخارجة عن تعاليم الكنيسة عرفت بإسم محاكم التفتيش، والتى مثلت أهم مؤسسات الرعب الدينى على مر التاريخ، وقد إنشئت فى أوائل القرن الثالث عشر بقرار من البابا جرينوار التاسع وذلك سنة 1233م، وكان هدفها محاربة الهرطقة فى كل أنحاء العالم المسيحى، وقد كُلف بها رجال الدين فى مختلف البلاد، فكانت الناس تساق سوقاً عن طريق الشبهة أوعن طريق الوشاية، حيث كانوا يتعرضون للتعذيب الشديد حتى ينهارون ويعترفون بأفكارهم، وعندئذ كان يحق للمحقق أن يعفو عنهم إذا تابوا أو يلقى بهم إلى النيران إذا رأى أنهم لايستحقون العفو. وقد قُتل خلق كثير بهذه الطريقة الوحشية التى أصبحت علامة على العصور الوسطى، ويُقال أن عدد الذين ماتوا بهذه الطريقة يتجاوز عشرات الألوف، ومن أشهر الذين ماتوا حرقاً المصلح التشيكى المشهور جان هوس حيث حُكم عليه بالموت حرقاً فى يوليو سنة 1415م، وكذلك الفيلسوف الإيطالى جيوردانو برينو فقد أعدم حرقاً، ومن أهم الذين مثلوا أمام محاكم التفتيش أيضاً العالم الشهير جاليليو و كوبرنيكوس القائل بدوران الأرض حول الشمس، لكن الأخير نجا منها بسبب حذره وتأجيله نشر كتابه الذى يحتوى على نظريته الجديدة حتى يوم وفاته، بينما كان العالم الشهير جاليليو مهدداً بنفس المصير لولا أنه أستدرك الأمر فى آخر لحظة وقبل بالتراجع عن نظريته المشهورة، وهكذا عفوا عنه ولم ينفذوا فيه حكم الإعدام، ثم أحيل إلى الإقامة الجبرية فى ضواحى فلورنسا وأتيح له أن يكمل بحوثه وهو تحت المراقبة. وقد إستمرت محرقة محاكم التفتيش موقدة حتى إنطفئت مع عصر الأنوار خلال القرن الثامن عشر.

وفى ظل ذلك القمع والإستبداد، وكإمتداد للوعى الذى أثارته حركة النهضة، كان من الطبيعى أن تنطلق حركة الإصلاح الدينى التى قادها مارتن لوثر كنج فى بدايات القرن السادس عشرفى ألمانيا، قلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ضد إستبداد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية وسيطرتها على حياة الناس الروحية والمادية، ضد الضرائب وإلإقطاع وضد صكوك الغفران وتهديدات الحرمان ومحاكم التفتيش وأغلال العبودية، وقد هاجم مارتن لوثر مفاسد الكنيسة الكاثولكية فى منشور علقه على باب كنيسة ويتنبرج سنة 1517م، عبر فيه عن عقيدته الدينية الجديدة والتى أطلق عليها تعبير(التبرير بالإيمان) أى أن الله وحده هو الذى يملك الحكم على إيمان الناس من عدمه، وأنه وحده من يملك الغفران لهم من عدمه وبدون الحاجة إلى واسطة رجال الدين، كما هاجم صكوك الغفران بقوة، ودعى إلى عدم الإستجابة للراهب تتزل، مندوب البابا، والذى أرسله لتسويق مزيد من صكوك الغفران من أجل المساهمة فى تجديد كنيسة القديس بطرس، ودعى إلى تاسيس كنائس قومية وإلى إخضاع الكنيسة للسلطة الزمنية، وقد ردت الكنيسة الكاثوليكية على حركة لوثر بأن أصدر البابا ليو العاشر قرار الحرمان من الكنيسة ضده فى ديسمبر 1520م، وكان رد مارتن لوثر أن أحرق قرار البابا علانية أمام جميع الناس فى ساحة ويتنبرج، وتفاقم الأمر حتى طلب البابا من الإمبراطور شارل الخامس أن يلقى القبض عليه وينفذ قرار الحرمان الصادر ضده بإعتباره مارقاً خارجاً عن الكنيسة، وبالفعل إستدعى مارتن لوثر للمثول أمام مجلس يمثل الإمبراطورية فى مدينة فورمس لمحاكمته فى يناير 1521م، ولما ناقشه المجمع فى آرائه أصر على كل كلمة نطق بها أو كتبها من قبل، وعندئذ أعتبر خارجاً عن القانون وحُكم بإهدار دمه وحرمانه من الحقوق المدنية فى الإمبراطورية، إلا أن فردريك أمير سكسونيا وآخرين من أمراء شمال ألمانيا وضعوه تحت حمايتهم وبذلك نجا من العقوبة. وسرعان ما إكتسحت اللوثرية معظم الطبقات فى ألمانيا ومنها إنتشرت إلى معظم أنحاء غرب أووربا. ومنذ ذلك الوقت إنقسم العالم المسيحى الغربى إلى قسمين، قسم كاثوليكى يتزعمه البابا والملوك الكاثوليك وقسم بروتستانتى(أي معترض) تتزعمه الشعوب الراغبة فى الحرية، ودارت بينهما المعارك والحروب على مدار نحو قرن ونصف، بدأت فى ألمانيا مع ظهور حركة لوثر ولم تنتهى مؤقتاً إلا بصلح أوجزبرج سنة 1555م، الذى أقر- نسبيا ً- بمبدأ الحرية الدينية للبروتستانت.تعذيب

 وقد كان لتلك الحروب الألمانية الأولى صداها فى بلاد الإتحاد السويسرى، الذى قاد حركة الإصلاح الدينى فيها أولريخ زونجلى متأثرا بأفكار لوثر وعارض بيع صكوك الغفران سنة 1519م وإنضم إلى حركته كثير من السويسريين، حتى إنقسمت مقاطعات الإتحاد السويسرى إلى بروتستانت وكاثوليك ونشبت الحرب بينهما سنة 1531م، حيث هُزم البروتستانت وقتل زونجلى وأحرق الكاثوليك جثته ثم عقد الصلح بين الفريقين عام 1532م، حيث تقرر أن يكون لكل مقاطعة ومدينة الحق فى الإحتفاظ بعقيدتها وتقرير مسائلها الدينية وإتباع المذهب الدينى الذى تختاره حسب إرادتها.

 ثم تفجرت هذه الحروب مرة أخرى وبشكل أكثر عنفاً فى الأراضى المنخفضة (هولندا وبلجيكا) الواقعة تحت سيطرة التاج الأسبانى- الفرع الثانى من أسرة الهابسبرح حكام الإمبراطورية الرومانية- والتى كان يحكمها فيليب الثانى بوصاية أبيه شارل الخامس بعد إعتزال الأخير الحكم فى أعقاب صلح أوجزبرج، وكانت البروتستينية قد إنتشرت فى الأراضى المنخفضة على مذهب كلفن، وهو مصلح دينى سويسرى من أصل فرنسى تأثر بحركة مارتن لوثر فى ألمانيا، وعمل بدوره على التحرر من مظالم الكنيسة الكاثوليكية وحلفائها من الملوك الكاثوليك وتشجيع إقامة الكنائس القومية، وقد ساعدت ظروف القمع الوحشى التى كانت تعيش فيها الأراضى المنخفضة فى ظل محاكم التفتيش الأسبانية، التى أدخلها شارل الخامس، على إشتعال الثورة سنة 1566م، والتى عرفت بإسم ثورة الشحاذين، حيث وصف أحد رجال الحكم الأسبان النبلاء الذين تقدموا بطلب إلغاء محاكم التفتيش بالشحاذين، فأصبحت التسمية علماً على الثورة التى إستمرت حتى سنة 1609م، حين إضطرت الملكية الأسبانية إلى توقيع هدنة مع الثوار الذين كان يقودهم موريس أورانج إبن وليم أورانج زعيم الثورة الذى إغتاله الأسبان سنة1584م، وذلك لمدة إثنى عشر عاما لم تلبث أن إشتعلت بعدها الحرب مرة أخرى والتى لم تنتهى فعلياً إلا مع صلح وستفاليا سنة 1648م، حيث تم الإعتراف بإستقلال الجزء البروتستنتى الشمالى من الأراضى المنخفضة عن أسبانيا الكاثوليكية، وهو ماأصبح جمهورية هولندا الحديثة، والتى ستصبح أراضيها منطلقاً لحركة التنوير الكبرى التى ستشهدها أوربا خلال القرن السابع عشر والثامن عشر. كانت ثورة الأراضى المنخفضة أحد أبشع فصول الحروب الدينية التى خاضتها الشعوب الأوربية من أجل حريتها الدينية والسياسية، ويكفى أن نذكر أن أول رد فعل لجماهير البروتستانت الغاضبة لرفض الحكومة الأسبانية طلب إلغاء محاكم التفتيش كان تحطيم حوالى أربعمائة كنيسة كاثوليكية فى أسبوع واحد، كما كان أول مافعله دوق ألفا، القائد الذى أرسله فيليب الثانى لقمع الثورة فى بداياتها، والذى إشتهر بإسم جلاد الأراضى المنخفضة، هو تشكيل هيئة قضائية عرفت بإسم(مجلس الدم)، والتى قام من خلالها بإعدام نحو 18600 بروتستنتى، بالإضافة إلى ألوف لاحصر لها، سقطوا فى ميادين القتال، أو هربوا خارج البلاد.

 وقد إمتدت الحروب الدينية إلى فرنسا حيث إنتشرت الحركة البروتستينية على مبادئ كلفن، وقد بدأت حركة الإضطهاد الدينى فى فرنسا فى عهد الملك فرانسوا الأول حوالى عام 1535م، عندما بدأ بطشه بالبروتستانت الذين عرفوا فى فرنسا بالهيجونوت، مما دفع كلفن إلى الفرار وإستقراره بسويسرا. وقد واصل الملك هنرى الثانى(1547-1559م) ما بدأه أبوه فرانسوا الأول من إضطهاد البروتستانت بقصد القضاء عليهم قضاءً تاماً، فكان يأمر جنوده بمهاجمتهم وهدم منازلهم فحدثت مذابح راح ضحيتها آلاف منهم كما حُكم خلالها على كثير من زعمائهم بالموت حرقاً، لكن ذلك لم يزد جموع الهيجونوت سوى إصراراً على عقيدتهم، وإنتشر المذهب الجديد بين طبقات الشعب من الفلاحين وأصحاب المهن والمثقفين وحتى النبلاء أنفسهم، الذين رأوا فى العقيدة الجديدة وسيلة للتخلص من إستبداد الكنيسة والملك على السواء. وبعد وفاة هنرى الثانى تولت زوجته كاترين ديميتشى السلطة الفعلية فى فرنسا بسبب صغر سن أبنائه، وفى عهدها إشتعلت الحرب بين أصحاب المذهبين بصورة رهيبة لم يسبق لها مثيل فى أوربا، وقد حاولت كاترين التوفيق بين أصحاب المذهبين خاصة بين أسرة جيز حامية الكاثوليكية وبين أسرة بربون حامية البروتستينية حفاظاً على وحدة البلاد، لكنها فشلت فى مسعاها، ففى سنة 1562م تعرض البروتستانت الهيجونوت لمذبحة كبيرة دبرها أعوان اسرة جيز فى مدينة فاسى، حيث هاجموا البروتستنت وقتلوا أعداداً كبيرة منهم أثناء أدائهم لصلواتهم فى أحد الأماكن الفسيحة فى المدينة، كما قام الكاثوليك فى الأٌقاليم الأخرى أيضاً بمهاجمة الهيجونوت وفتكوا بهم، ورد الهيجونوت على ذلك بمهاجمة الكنائس الكاثوليكية وتخريبها وقتل عدد كبير من رجال الدين الكاثوليك، فكانت تلك المذبحة هى الشرارة الأولى التى أشعلت الحرب الأهلية فى فرنسا بين الكاثوليك والبروتستنانت، والتى إستمرت لنحو ثلاثين عاماً بعد ذلك.

مرت الحرب الأهلية الفرنسية بمحطات رئيسية من السلام والعنف، ففى سنة 1563م أصدرت كاترين ديميتشى مرسوم أمبواز الذى منحت بموجبه الهيجونوت حرية العبادة فى بلدة واحدة فى كل إقليم من أقاليم فرنسا، ومضت فترة سلام بعد هذا المرسوم إستمرت خمس سنوات ثم عادت الحرب من جديد سنة 1568م، ورغم هزيمة الهيجونوت فى تلك الحرب، فقد رأت كاترين ميديتشى مصالحتهم خوفاً من إزدياد نفوذ أسرة جيز الكاثوليكية، فمنحتهم فى مرسوم جديد عُرف بإسم مرسوم سان جرمان شروطاً أكثر تسامحاً من الشروط السابقة، حيث أصبح لهم حرية العبادة فى بلدتين وليس بلدة واحدة فى كل إقليم من أقاليم فرنسا، إلا أن كاترين ونتيجة لحساباتها السياسية الخاصة، وعندما تصورت أن إبنها الملك الشاب، شارل التاسع قد بدأ يميل إلى جانب البروتستانت، قررت أن تقضى عليهم وعلى زعمائهم بضربة واحدة، فدبرت لهم فى سنة 1572م ما أصبح يعرف فى التاريخ بمذبحة سان بارتلميو والتى تمكنت فيها من قتل آلاف منهم، فى باريس والأقاليم، بواسطة أسرة جيز الكاثوليكية، كما تمكنت من قتل زعيمهم الميدانى الأدميرال كولينى، وإرسال رأسه إلى البابا فى روما، والذى أمر بدوره بنقش ميدالية تخليداً لتلك الذكرى. ومن تلك المذبحة الكبيرة، نجا هنرى نافار زعيم أسرة بربون البروتستينية، وزوج الأميرة مرجريت شقيقة الملك، والذى سيصبح هنرى الرابع ملك فرنسا فيما بعد، وذلك بعدما عُرض عليه أن يختار بين الإعدام أو العودة للكاثوليكية فإختار الكاثوليكية إنقاذاً لحياته. وكالعادة لم تزد تلك المذبحة الهيجونوت إلا إصراراً على عقيدتهم وعلى مواصلة الكفاح من أجل حريتهم الدينية والسياسية.

 وفى عهد هنرى الثالث (1574-1589م)، الذى خلف شارل التاسع، تغير الموقف السياسى فى فرنسا لصالح البروتستانت، فقد رأى الملك الجديد وبرغم تعصبه الكاثوليكى وإشتراكه فى تدبير مذبحة سان بارتلميو، أسهم أسرة جيز الكاثوليكية فى إرتفاع شديد، كما رأى تعاطفها مع فيليب ملك أسبانيا الكاثوليكى ضد العرش الفرنسى، فقرر التحالف مع زوج أخته البروتستنتى والوريث المحتمل للعرش، هنرى نافار، الذى كان قد عاد إلى البروتستينية مرة أخرى، لكن الكاثوليك عاجلوا بإغتيال هنرى الثالث فى أغسطس 1589م، فأصبح هنرى نافار فى مواجهة الحلف الكاثوليكى وحده وبدأت الحرب بينهما.

 لم يكن الطريق سهلاً أمام هنرى نافار لإعتلاء العرش الفرنسى، فقد كانت الكاثوليكية هى العقيدة الرسمية للبلاد، وكان معظم رجال البلاط من الكاثوليك، كما كان فيليب ملك أسبانيا يمد الحلف الكاثوليكى بالمساعدات العسكرية، ولذا فلم يكن أمام هنرى نافار سوى أن يعلن على الملأ إعتناقه الكاثوليكية ليضمن جلوسه على العرش، وبمجرد أن أعلن قراره هذا هدأت المقاومة فى باريس وفتحت له المدينة أبوابها سنة 1594م، وإنتهت الحروب الدينية فى فرنسا مؤقتا. وبتولى هنرى الرابع نافار العرش الفرنسى إنتقل الحكم من أسرة فالوا إلى أسرة بوربون التى ستحكم فرنسا حتى قيام الثورة الفرنسية، وقد عمل هنرى الرابع نافار على إنهاء الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، فأصدر فى إبريل 1598م مرسوم نانت الشهير، والذى منح البروتستانت قدراً كبيراً من الحريات الدينية التى كانوا يطالبون بها، فقد سمح المرسوم للمدن التى تكون أغلبية سكانها من البروتستانت أن تزاول العبادة طبقاً لمذهب الأغلبية، كما منح البروتستنت حق التمتع بالحقوق المدنية والحماية القانونية التى يتمتع بها الكاثوليك، وأن يكونوا معهم على قدم المساواة فى التعيين بالوظائف العامة والإلتحاق بالجامعات الكاثوليكية، وكان ذلك أكثر مما يمكن أن يسمح به الكاثوليك فقاموا بإغتيال هنرى الرابع نافار فى مايو 1610م.

وبعد إغتيال هنرى الرابع تولى إبنه القاصر لويس الثالث عشر بوصاية أمه مارى دى مديتشى، وفى عهده تحرك البروتستانت وقاموا بثورة عندما شعروا بنية الحكومة فى الإنتقاص من حقوقهم التى إكتسبوها فى مرسوم نانت، لكن لويس قضى على ثورتهم وقام بالفعل بالإنتقاص من الحقوق التى حصلوا عليها فى مرسوم نانت ولكن بدون إلغائه. وفى سنة 1624م تولى الكاردينال ريشيليه الوزارة فأصبح هو الحاكم الفعلى للبلاد لنحو ثمانية عشرعام، وكانت أول عقبة رأى أن يبدأ بتذليلها فى سبيل تحقيق وحدة وقوة البلاد فى مواجهة أسرة الهابسبرج، حكام الإمبراطورية الرومانية الكاثوليكية، فى النمسا وأسبانيا وإيطاليا، هى القضاء على المركز المتميز الذى حصل عليه الهيجونوت بموجب مرسوم نانت، وعندما أدرك الهيجونوت ذلك حاولوا القيام بثورة سنة 1625م لكن ريشيليه تمكن من القضاء عليها، وفى سنة 1627م أمر ريشيليه بمهاجمة أهم معاقلهم فى فرنسا وهزمهم ووقع معهم صلح عرف بإسم صلح أليه سنة 1629م، وبموجب هذا الصلح إحتفظ الهيجونوت بحريتهم الدينية ولكنهم فقدوا إستقلالهم السياسى الذين كانوا قد حصلوا عليه بموجب مرسوم نانت، وهدأت الحروب الدينية فى فرنسا لفترة قصيرة، لكنها لم تلبث حتى إشتعلت مرة أخرى بإشتراك فرنسا فى حرب الثلاثين عام التى كانت قد إجتاحت أوربا سنة 1618م.

 بدأت شرارة حرب الثلاثين عام عندما أنتخب فرديناند أمير النمسا إمبراطوراً بإسم فرديناند الثانى، بوصاية أبيه شارل الخامس، وكان فى الوقت نفسه ملكاً على بوهيميا(جمهورية التشيك الحالية)، ومعروفاً بأنه من غلاة الكاثوليك، وقد أدرك البوهيميون- الذين كانوا قد تحولوا إلى البروتستينية – ذلك عندما أمر بهدم بعض الكنائس البروتستينية، فأعلنوا الثورة فى براج وإعتدى الثوار على ثلاثة من رجال الحكومة كانوا مبعوثين من قبل الإمبراطور وألقوا بهم من نافذة دار البلدية، فكان هذا الحادث فاتحة للحرب الطاحنة، حيث أرسل فرديناند قواته لقمع ثورتهم، وقام البروتستنت بدورهم بالإستنجاد بفرديك حاكم ولاية البلاتين الألمانية وأحد زعماء البروتستنت الألمان، فلبى دعوتهم وقبل التاج البوهيمى ولقب بفردريك الخامس وإستقدم قوات من الإتحاد البروتستنتى، الذى كان قد تشكل فى ألمانيا سنة 1608م أثناء هدنة أوجزبرج، وفى نفس الوقت تلقى فرديناند عوناً مالياً من البابا، وإستقدم قوات أسبانية من أخيه فيليب الثانى، وقام بإجتياح بوهيميا بجيش فى حوالى خمسين ألف مقاتل، وإلتحم بالبروتستنت الذين كان يقودهم فردريك الألمانى فى موقعة الجبل الأبيض بالقرب من براج وإنتصر عليها، بينما هرب فردريك، ونكل فرديناند بالبروتستنت لإرغامهم على العودة إلى الكاثوليكية، مما ترتب عليه هجرة آلاف الأسر منهم، وتدفق اليسوعيين الجيزويت زعماء حركة الإصلاح الكاثوليكية التى تكونت حوالى سنة 1534م على بوهيميا، وبدأت كثلكة بوهيميا من جديد، كما أخمدت أنفاس البروتستنت فى النمسا عندما ثار أهلها إنتصاراً لبوهيميا.

 أدت هزيمة بوهيميا إلى إنحلال الإتحاد البروتستنى عام 1621م وإنتقال زعامة البروتستانت إلى يد ملك الدنمرك كرستيان الرابع، والذى دخل الحرب معتمداً على تحالفه مع إنجلترا وأمراء شمال ألمانيا وعلى مابذله له الوزير الفرنسى(الكاثوليكى) ريشيليه من وعود بالمساعدة، لكن الحرب إنتهت فى غير صالحه وإضطر إلى توقيع صلح لوبك مع الإمبراطور سنة 1629م، وقد إنتهز الكاثوليك فرصة هذا الضعف الذى حل بالحزب البروتستنتى فى أوربا وأجبروا الإمبراطور على إصدار مرسوم الإعادة، والذى خول فيه الكنيسة الرومانية إسترجاع كل الأملاك التى إنتزعت منها منذ معاهدة أجزبرج سنة 1555م، وقد روع هذا المرسوم البروتستنت فى كل أنحاء أوربا، بل أنه قدأزعج ريشيليه رئيس وزراء فرنسا، الدولة الكاثوليكية الكبرى، والذى رأى فيه محاولة من فرديناند الثانى للسيطرة على كل أوربا، ولذلك فقد قام بتشجيع جستاف أودلف ملك السويد البروتستنتى على غزو ألمانيا.

 قام جوستاف بإنزال قواته فى المانيا فى يونيو 1630م وتقدم لإنقاذ مدينة مجدبرج البروتستينية التى كان الجيش الإمبراطورى يحاصرها فى محاولة لتطبيق مرسوم الإعادة، إلا أن أميرا سكونيا وبراندنبرج رفضا السماح لقواته بالمرور عبر ولايتهما للوصول إلى مجدبرج، وكانت النتيجة أن إكتسحتها قوات الإمبراطور قبل أن يستطيع الجيش السويدى إنقاذها، وإرتكبت قوات الإمبراطور أكبر مجزرة فى الحروب الدينية الأوربية، حيث ذبحت بوحشية مالايقل عن عشرين ألف من سكان المدينة وأشعلت الحرائق فيها، ومن هناك تقدمت لغزو سكونيا وبراندبرج التى أدرك أميراها خطأ رفضهما التعاون مع جستاف فإنضما إليه، وتقدم الجميع بقيادة جستاف نحو ولاية ليبزج حيث أوقعوا هزيمة ساحقة بقوات الإمبراطور توغل على أثرها جستاف فى الأراضى الألمانية، مما أثار فزع الإمبراطور وجعله يستدعى قائد المرتزقة الشهير والنشتين ويعهد إليه بقيادة الجيوش، والذى سرعان ما استطاع حشد أعداد كبيرة من المقاتلين ومهاجمة جستاف وقتله عند منطقة لوتزن سنة 1632م، لكن الإمبراطور عزل والنشتين لتفاوضه سراً مع السويديين، ووضع إبنه فرديناند ملك المجر على قيادة الجيوش حيث تمكن من إيقاع هزيمة ساحقة بالسويديين فى نوردلنجن فى إقليم بافاريا حوالى سنة 1635م ترتب عليها تراجع الولايات البروتستينية عن تأييدها للتدخل السويدى، وقيام الإمبراطور كرد على ذلك بإلغاء مرسوم الإعادة وتهدئة روع البروتستنت وتأمينهم على حياتهم.

 وهكذا بدا أن هذه الجولة من الحروب الدينية على وشك الإنتهاء، لكن فرنسا، بقيادة ريشيليه قررت بعد الهزيمة السويدية ومصرع جستاف أن تلبى طلب الوصى على عرش السويد بالتدخل سنة 1635م، ودعوة جميع أعداء أسرة الهابسبرج للتدخل أيضا. وهكذا دخلت حرب الثلاثين عام دورها الحاسم والأخير والذى لم يعد فيه الخلاف الدينى هو الدافع الوحيد فقد كان غزاة ألمانيا هذه المرة يتألفون من كاثوليك وبروتستانت، وكانت فى الواقع صراعاً على السيادة بين آل بوربون وآل هابسبرج. وبتوالى الكوارث والهزائم على الإمبراطور فى حربه مع القوات الفرنسية السويدية التى إجتحات بلاده إضطر إلى طلب الصلح، لكنه مات سنة 1637م قبل أن يحقق ذلك وخلفه على العرش إبنه فرديناند الثالث (1637-1657م) والذى شهد عهده هزيمة ألمانيا النهائية وتوقيع الصلح الشهير الذى عرف بإسم صلح وستفاليا سنة 1648م، والذى أكد على الحريات الدينية فى جميع أنحاء أوربا، وعلى إحتفاظ الكاثوليك والبروتستانت بما كان فى أيديهم من أملاك الكنيسة منذ عام 1624م، وعلى الإحترام الكامل لشروط صلح أجزبرج الموقع سنة 1555م، وكذلك الاعتراف رسميا بإستقلال هولندة وسويسرا عن الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

لكن الواقع أن صلح وستفاليا لم يكن سوى مجرد أكذوبة كبرى، فقد إستمرت الحروب الدينية الدموية فى أنحاء متفرقة من أوربا وخاصة فى إنجلترا وفرنسا، ففى إنجلترا كانت حركة الإصلاح الدينى قد بدأت فى عهد الملك هنرى الثامن (1509-1547) بداية سياسية أكثر منها دينية، وذلك عندما رغب الملك فى أن يصدر البابا قراراً يجيز به طلاقه من زوجته كاترين إبنة ملك أسبانيا كى يتمكن من الزواج من عشيقتة آن بولين وصيفة الملكة، وعندما رفض البابا كليمنت السابع ذلك تبنى هنرى الثامن البروتستينية وإقتضى بالأمراء الألمان فى سعيهم للتحرر من سلطة البابوية وإنشاء كنائس قومية منفصلة عن كنيسة روما، وقام بتعيين توماس كرانمر أسقف لكانتربرى سنة 1533م، وهو أكبر منصب دينى فى البلاد، والذى أصدر قراراً بإلغاء زواج الملك من كاترين والموافقة على زواجه من آن بولين دون الرجوع إلى البابا، فرد البابا بإصدار قرار الحرمان ضد هنرى فلم يعبأ هنرى بذلك وبدأ فى الإستيلاء على الكنائس والأديرة والأراضى الكنسية ومصادرتها لصالح الدولة، وقد وافقت البروتستينية ميول الشعب الإنجليزى فى الإستقلال والحرية الدينية ولذلك فقد إنتشرت سريعاً بين جموع الشعب الإنجليزى، وفى عهد إدوارد السادس إبن هنرى(1547-1553) تم تأكيد البروتستينية كعقيدة رسمية للبلاد، إلا أن الأمر إختلف عندما إعتلت العرش، أخت إدوارد السادس غير الشقيقة، مارى إبنة كاترين الأسبانية (1552-1558) وكانت كاثوليكية متعصبة بحكم منشأ أمها الأسبانى، فإرتدت عن مذهب الدولة البروتستنتى، وقامت بإضطهاد البروتستنت وأحدثت بهم مذابح رهيبة لدرجة جعلتها تشتهر فى التاريخ بإسم مارى السفاحة، ولم ينتهى عهد الرعب الذى أحدثته مارى إلا بإعتلاء أختها غير الشقيقة إليزابيث العرش (1558-1603)، والتى رفعت الإضطهاد عن البروتستانت وعادت إلى البروتستينية الإنجليكانية مرة أخرى. وبعد وفاة إليزابيث سنة 1603م خلفها جيمس الأول، ملك اسكتلندا، الذى وبرغم ميوله الإستبدادية، فقد حافظ على البروتستينية الإنجليكانية كعقيدة رسمية للبلاد، إلا أن الأمر قد إختلف بعد وفاته سنة 1625م وإعتلاء إبنه شارل الأول العرش، فقد سار شارل الأول على نهج أبيه الإستبدادى، إلا أنه قد قام سنة 1633م بتعيين وليم لود رئيساً لأساقفة كنتربرى، وكان لود ميالاً للعودة إلى المذهب الكاثوليكى فأخذ فى إجبار رجال الدين على العودة إلى الطقوس الكاثوليكية، كما حاول إجبار الشعب على القبول بتلك الطقوس، مما دفع بأعداد كبيرة من البروتستنت، والذين عرفوا بإسم البيوريتان، وعلى نحو ما حدث للهيجونوت فى فرنسا، إلى الهرب إلى هولندا وإلى أمريكا الشمالية، حيث إستوطنوا المستعمرات التى كانت تعرف بإسم (نيوإنجلند) والتى إستقلوا بها بعد ذلك عن إنجلترا فى دولة الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1776م، ووضعوا لها دستوراً قائماً على فصل الدين عن الدولة وعلى ضمان الحريات الدينية المطلقة تأثراً بأفكار كبار فلاسفة عصر التنويرالأوربى. 

وهكذا ونتيجة لسياستة الدينية من جهة، وطبيعته الإستبدادية ورغبته فى السيطرة على كل شئون الدولة من جهة أخرى، بدأت الحرب الأهلية الإنجليزية سنة 1642م بين شارل الأول وأنصاره من النبلاء الكاثوليك، وبين البرلمان وأنصاره من المواطنين البروتستنت بقيادة أوليفر كرومويل والتى إنتهت بهزيمة شارل الأول وإعدامه فى يناير سنة 1649م فى حادثة من أكبر حوادث التاريخ الأوربى الحديث، حيث مثلت إلهاماً لحوادث الثورة الفرنسية التى ستندلع بعد أكثر من قرن من ذلك التاريخ لتغير تاريخ أوربا والعالم. أعلنت إنجلترا جمهورية ولكن الواقع أن كرومر حكم منفرداً حتى وفاته سنة1658م وخلفه إبنه ريتشارد، الذى فشل فى إدارة البلاد، فقرر قادة الجيش إستدعاء شارل الثانى إبن شارل الأول من منفاه فى هولندة لتولى عرش أبيه وقبل شارل العرض وعاد إلى إنجلترا وتولى العرش سنة 1660م، لكن شارل الثانى كرر خطيئة أبيه فى حق الشعب الإنجليزى بمحاولة فرض الحكم المطلق عليه من جهة، وفرض الكاثوليكية كعقيدة من جهة أخرى، ومع ذلك فإن غضب الشعب الإنجليزى الكامن لم ينفجر فى عهده بل إنفجر فى عهد أخيه جيمس الثانى الذى خلفه بعد وفاته سنة 1685م وسار على نفس سياسته، فقرر البرلمان خلع جيمس ودعوة إبنته مارى وزوجها وليم أورانج حاكم هولندا البروتستنتى لتولى العرش وذلك فيما أصبح يعرف فى التاريخ بإسم الثورة المجيدة، حيث لبى وليم النداء ونزل أرض إنجلترا وزحف بجيشه على لندن سنة 1688م، وإستطاع القضاء على المقاومة الكاثوليكية بمناصرة الشعب البروتستنتى، وتولى عرش إنجلترا بإسم وليم الثالث، بينما هرب جيمس الثانى إلى فرنسا. 

Eugene Delacroix

Eugene Delacroix

كرست الثورة المجيدة مبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات، ولم يعد لحق الملوك الإلهى فى الحكم وجود فى تاريخ إنجلترا، وذلك لإن البرلمان هو الذى إستدعى وليم ومارى لإعتلاء العرش، وقد توج البرلمان إنتصاره بإصدار قانون أطلق عليه إعلان الحقوق سنة 1689م حدد فيه سلطات الملك وجعلها خاضعة لإشراف البرلمان، كما أصدر فى نفس السنة قانون التسامح الدينى، وهو القانون الذى سمح لغلاة البروتستنت الخارجين على نظام الكنيسة الإنجليكانية بمزاولة طقوسهم الدينية لكنه لم يسمح لهم بمزاولة الحياة السياسية والخدمة العامة، كذلك أصدر سنة 1701م قانوناً عًرف بإسم قانون التسوية ينص على أنه لايجوز لكاثوليكى أن يلى العرش، كما أصدر قانون الوحدة الذى أصبحت بموجبه إنجلترا وإسكتلندا مملكة متحدة باسم بريطانيا العظمى. وهكذا وبرغم عظمة الثورة المجيدة وتأسيسها للديموقراطية البرلمانية، فقد كانت ثورة منقوصة، إذ أنها لم تقضى على الصراع الدينى حيث لم تتسامح مع الكاثوليك، وهو ماسينعكس فى كتابات جون لوك، مؤسس فكرة الحكومة المدنية، التى ينفصل فيها الدين عن الدولة، وكان كل ما أنجزته فى الواقع هو إزاحة الكاثوليك عن الحكم وإحلال البروتستانت محلهم، كما لم تقضى على الصراع الطبقى، فقد ظل البرلمان، ممثل الشعب، بمثابة حكومة أقلية يسيطر عيها الأغنياء حيث لم يكن فى إستطاعة الطبقات الفقيرة الإشتراك فى الإنتخابات بعد، وهكذا فلم تكن الثورة الإنجليزية المجيدة هى النموذج الذى تنتظره أوربا كى تحتذيه، وقد كان على الثورة الفرنسية التى ستندلع بعد نحو قرن من ذلك التاريخ، أن تعالج ذلك النقص، وتقدم النموذج الذى سيقود فرنسا وأوربا والعالم إلى معنى الحرية الكامل.

 ففى فرنسا وبرغم حصول مواطنيها البروتستانت على حريتهم الدينية بموجب مرسوم نانت، الذى منحه لهم هنرى الرابع نافار سنة 1598م، وتوقيع لويس الثالث عشر على صلح وستفاليا سنة 1648م، فقد عمل لويس الرابع عشر الذى تولى العرش بعد أبيه لويس الثالث عشرعلى القضاء على رعاياه البروتستنت، فقرر سنة 1661م حرمانهم من مناصب الحكومة ومصادرة صحفهم وإغلاق مدارسهم وتحويل التعليم فيها إلى المبادئ الكاثوليكية، ووصل الأمر إلى إصدار أمره بتخويل الحكومة بجمع أطفالهم وتسليمهم لرجال الدين الكاثوليك لغرس مذهب الدولة فى نفوسهم منذ الصغر، وحاول الهيحونوت الهجرة لينقذوا أنفسهم من ذلك الإضطهاد، إلا أنه حرمها عليهم ليجبرهم على إعتناق الكاثوليكية، ثم كانت الطامة الكبرى التى نزلت بهم عندما ألغى مرسوم نانت فى عام 1685م، بحيث لم يعد أمامهم سوى الهجرة، وعلى الرغم من تحريمها عليهم قد إستطاع حوالى ثلاثمائة الف منهم الفرار من فرنسا والإستقرار فى دول أوربية أخرى تكفل لهم حرية العقيدة وخاصة هولندا وإنجلترا والولايات البروتستينية فى ألمانيا، كما هاجرت أعداد كبير منهم إلى العالم الجديد فى أمريكا الشمالية.

لم يؤدى الضغط الواقع على البروتستانت فى فرنسا إلى ثورة ذات طابع دينى أخرى على نحو ماحدث فى إنجلترا، ولكنه أدى هذه المرة إلى قيام ثورة علمانية بفكرعقلانى جديد وقيم جديدة أصبح فيها الإنسان بصفته الإنسانية وليست الدينية هو الفاعل الرئيسى، ثورة إشترك فيها الكاثوليك والبروتستانت معاً ليغيروا كل تاريخ أوربا والعالم، حيث تفجر فى الثورة الفرنسية كل الزخم الفكرى الكبير الذى شهدته أوربا على مدى القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذى قاده الفلاسفة العقلانيون، الذين أعلنوا بشجاعة أن الوحى خرافة والعقل حقيقة، وذلك كرد طبيعى على فشل حركة الإصلاح الدينى التى قادها لوثر وكلفن وعلى الحروب التى أشعلتها فى أوربا، وعندما بدا واضحاً أن الفكر الدينى لايعرف المصالحة ولايولد سوى الصراع، وكان لابد من أن يتقدم العقل ليحل محل الدين فى قيادة أوربا الصاعدة بطبقتها البورجوازية الطموحة، ومنجزاتها العلمية والأدبية وإقتصادها المتنامى. وهكذا كان القرن الثامن عشر الفرنسى هو تلك البوتقة التى إنصهرت فيها كل أفكار فلاسفة عصر التنويرالأوربى، بدءً من سبينوزا ولوك حتى فولتير وروسو. والواقع أن القرن الثامن عشر كان قرناً إستثنائيا فى تاريخ أوربا والعالم، وبصرف النظر عن أنه ذلك القرن الذى شهد مولد وحياة تلك الجماعة الكبيرة من أصحاب الفكر والإبداع، فقد كان أيضا هو القرن الذى إنتشرت فيه الجامعات والصالونات الثقافية التى قادتها شخصيات نسائية عظيمة فى التاريخ الإنسانى مثل مدام جيوفرين ومدام بمبادور، وظهرت فيه الحركة الماسونية العالمية بما كانت تعنيه من تمرد على الحواجز الدينية بين البشر، وكان أيضا هو القرن الذى وضعت فيه موسوعة تاريخ العلوم والفنون والآداب الفرنسية، وأصبحت متداولة فى فرنسا وبين كل الشعوب الأوربية، بحيث أصبحت إلهاماً مشتركاً لهم جميعا وحافزاً للمستقبل، وهكذا بدا القرن الثامن عشر بتلك الروح الوثابة والثقافة العقلانية الإنسانية الجديدة التى تؤكد العقل وتنكر الوحى، وتساوى بين جميع الناس وجميع المذاهب والأديان، وتقر بضرورة فصل الدين عن الدولة وتؤكد على مبدأ حرية العقيدة، والتى أسماها الكاتب البريطانى جورج هوليوك فى إحدى مقالاته سنة 1851م بالعلمانية، وهى التسمية التى أصبحت علماً عليها، كتتويج نهائى لعصر النهضة الأووربى الذى بدأت بوادره قبل نحو خمسة قرون من الزمان.

كان الإقتصاد هو المحرك للثورة الفرنسية لكن المبادئ كانت هى أهم ماخلصت إليه، فعندما إرتفع صوت الناس من الجوع والفقر ومن إمتيازات النبلاء وطبقة رجال الدين التى تعفيهم من الضرائب إضطر لويس السادس عشر لإستدعاء، البرلمان الفرنسى المعطل منذ عقود والمسمى بمجلس طبقات الأمة، للإنعقاد، حيث كان يتصور أنه يستطيع ومن خلال المركز الممتاز الذى يحتله النبلاء ورجال الدين فى هذا المجلس، أن يفرض مايشاء من ضرائب وحقوق على شعبه، لكن الأمر إنقلب عليه عندما نجحت البورجوازية فى السيطرة على المجلس وأشعلت الثورة الفرنسية وإقتحمت سجن الباستيل فى يوليو 1789م. كان إعلان حقوق الإنسان الذى أصدرته الثورة فى أغسطس بعد سقوط الباستيل مباشرة والذى سيرفق فى مقدمة أول دستور تضعه الثورة بعد ذلك سنة 1791م، بمثابة عهد أوربا الجديد حيث لاتمييز بين الناس على أساس الدين أو الطبقة الإجتماعية، وحيث أصبحت حرية العقيدة حقاً مكفولاً وأصبح فصل الدين عن الدولة أمراً واقعاً، وحيث أصبحت عبادة العقل وعبادة الخير بديلاً عن عبادة النصوص المسيحية، وهى نفس المبادئ التى كان المهاجرون البروتستانت قد أعلنوها فى دستور بلادهم الجديدة، الولايات المتحدة الأمريكية، بعد إستقلالهم عن إنجلترا سنة 1776م، تأثراً بنفس روح القرن الثامن عشر الأوربى الملهمة الخلاقة. لم يكن توقيع لويس على هذا الدستور صادقاً أو صادراً عن حسن نية، وإنما كان مجرد مجاراة لمطالب الثورة التى حددت إقامته فى قصر التويلرى فى باريس، ولذلك فعندما حاول الهرب للحاق بالنبلاء الفرنسيين الهاربين وحلفائهم الأوربيين المتجمعين على حدود ألمانيا، بمباركة البابا والكنيسة، وتم ضبطه، كان الإعدام نتيجة طبيعية. دخلت الثورة الفرنسية على أثر إعدام لويس فى يناير سنة 1793م فى أشد سنواتها ظلاما فيما أصبح يعرف فى التاريخ بإسم عهد الإرهاب، حيث إضطرت وهى تقاتل أعداء الثورة فى الخارج أن تصفى أعدائها فى الداخل أيضاً، ثم إنتقل الصراع إلى صفوف الثوار أنفسهم من جيروند ويعاقبة، أى بين يمين البورجوازية ويسارها، ولم ينتهى إلا بإعدام روبسبير زعيم اليعاقبة وزعيم عهد الإرهاب فى يونيو سنة1794م. وفى سنة 1795م وضعت الثورة دستورها الثالث والأخير، وبموجبه تكون مجلس خمسمائة، وكان بمثابة مجلس نواب لايقل عمر العضو فيه عن ثلاثين سنة، ومجلس شيوخ يتكون من مائتى وخمسين عضواً لايقل سن العضو فيه عن أربعين سنة، وحكومة إدارة من خمسة أفراد يختارهم مجلس الشيوخ من قائمة يرشحها مجلس الخمسمائة، وعندما تعذر التعاون بين البرلمان والإدارة بسبب تنافر التيارات السياسية داخلهما، كان الحل هو الإنقلاب العسكرى الذى قاده نابوليون بونابرت سنة 1799م منهياً عهد الثورة.

 ومع ذلك فقد كان نابوليون إبناً مخلصاً من أبناء الثورة الفرنسية، وبرغم أنه، وكأى ديكتاتور، قد وازن حساباته السياسية وهادن البابا والكنيسة الكاثوليكية مؤقتاً، لكنه وفى النهاية، وبعدما دان له حكم فرنسا أصدر قوانين نابوليون المدنية التى لم يعد فيها لقوانين الكنيسة أى مكان، وعندما غزا إيطاليا لم يجد حرجا فى القبض على البابا ومصادرة أملاكه وسجنه فى مدينة سافوى، كما مزقت حروبه الإمبراطورية الرومانية المقدسة والتى أصبحت تسمى منذ ذلك الحين فصاعداً بمملكة النمسا فقط، وهكذا فقد قوض عملياً دعائم العصور الوسطى الأوربية المادية على الأرض، بعد أن قوضت الثورة الفرنسية دعائمها النظرية. لقد إنتهى ذلك الزمن الذى كانت الكنيسة وملوكها الكاثوليك يحكمون أوربا بموجب الحقوق الإلهية، وحتى بعد سقوط نابوليون فى وترلو سنة 1815م وعودة أسرة البربون للحكم فى فرنسا، فلم تنجح محاولات إعادة الزمن القديم التى تزعمها ميترنخ وزير خارجية النمسا، الإمبراطورية المقدسة سابقاً، ولم تنجح معه مساعى البابا والكنيسة، وتجددت ثورة الشعب الفرنسى ضد أسرة البوربون سنة 1830م وثارت معه كل شعوب أوربا، ثم تجددت سنة 1848م وثارت معه شعوب أوربا مرة أخرى، ضد كل تراث الزمن القديم، حيث أصبحت الثقافة العلمانية وقرينتها الديموقراطية السياسية – وبلا رجعة – هى دين أوربا العقلى الجديد، وذلك بعد قرون من الصراع مع كهنوت الدين وسلطة الملوك المستبدين.

إن المتأمل لأحوال أوربا العلمانية اليوم يستطيع أن يدرك ببساطة مدى التقدم والإستقرار الذى تعيشه هذه القارة العجوز، التى مزقتها الحروب الدينية والقومية عبر قرون طويلة، وذلك بعد أن نحت الدين عن القيادة وهذبت روحها القومية وحققت وحدتها السياسية، بحيث أصبحت توصف، وبحسب مؤشرات الأمم المتحدة، بأسعد مجتمعات العالم، يستطيع أن يدرك أيضا، أن التسامح الأوربى العلمانى مازال يحتفظ بمكان متميز للمسيحية برغم ميراث الدم الكثيف، وهو ما كان يمكن أن تسمح به المسيحية للعلمانية لو كانت هى الطرف المنتصر، وبالطبع مع فارق أن التسامح العلمانى يعنى مكان للمسيحية ولكل الأديان والمذاهب، وحتى لغير المتدينين، وهو أيضا ماكان يمكن أن تسمح به المسيحية لو كانت هى الطرف المنتصر، يستطيع أن يدرك أيضا أن كل محاولات البابوية فى التسامح والحرية ماهى إلا محاولات المهزوم لكى يبقى فى المشهد التاريخى، وأنها ماكانت لتفعل ذلك لو كانت هى الطرف المنتصر، يستطيع أن يدرك أيضا، وهنا تكمن إجابة السؤال الذى طرحناه فى البداية، أن الإسلام أيضا، لن يكف عن سفك الدماء ولن يرضى أبداً بأن يعيش فى سلام وحرية، إلا إذا هُزم أولاً أمام وعى وإرادة وتضحيات الشعوب الإسلامية، تماما كما هُزمت المسيحية.

عبدالجواد سيد عبدالجواد

جاكرتا 11/6/2015م

abdelgawad885@yahoo.com

أهم المراجع :

1-تاريخ أوربا فى العصور الوسطى- د.سعيد عبدالفتاح عاشور- دار النهضة العربية- بيروت

2-التاريخ الأوربى الحديث – د. عبدالحميد البطريق – د. عبدالعزيز نوار- دار النهضة العربية – بيروت

3-التاريخ المعاصرأوربا- د.عبدالعزيز نوار- د.عبدالمجيد نعنعى- دار النهضة العربية- بيروت

4-تاريخ أوربا والعالم فى العصر الحديث-د.عبدالعظيم رمضان -الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة

5-مابعد الدين والقومية-دراسة منشورة على صفحة الكاتب بموقع مصر المدنية فى مارس 2011م

6- جون لوك، أبو الأنبياء – مقال منشور على صفحة الكاتب بموقع مصر المدنية فى أكتوبر 2014م

7- توماس جيفرسون، مسيح العالم الجديد – مقال منشور على صفحة الكاتب بموقع مصر المدنية فى أكتوبر 2014م

Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, World History دول وشعوب, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , , . Bookmark the permalink.