طريق الثورة من محكمة الحقانية لمسجد القائد إبراهيم

محمد هلال  هلال

المكان كائن حي، كما يتأثر بسكانه يؤثر فيهم ويشكلهم، يفرض عليهم أنماطا معينة من الملابس والعادات وحتي طرق احتجاجهم. القاهرة مثلا – بمركزيتها وثقلها ووجود أكبر ميادين إفريقيا بها ميدان التحرير ” كعبة الثوار كما يصفه صديقي ايهاب ” – فرضت مركزيتها، واحتل الميدان مكانة فريدة، كان لابد من تحريره من النظام والحفاظ عليه بالإعتصام.

أما الاسكندرية، تلك المدينة ذات المزاج الخاص، المتنوعة واللامركزية، بتصميمها الأشبه برقعة شطرنج، فرضت علينا التظاهر السائل، مسيرات تقطع شوارعها من الشرق للغرب.

في 25 يناير كانت نقطة التجمع في المنشية عند مبني ” الحقانية “.

لحقت بالعشرات من الشجعان – الذين استطاعوا كسر حصار الأمن المركزي في المنشية لهم  – عند النصب التذكاري للجندي المجهول. كانت الأعداد تتزايد كلما تقدمنا خطوة للأمام يطغي الشباب علي الحضور. سرنا في اتجاه محطة الرمل مع قضبان ترام المدينة المعروف بالترام الأصفر. كانت الهتافات تتعالي ضد النظام، خصوصا العادلي. من شرفة أحد الأبنية القديمة خرجت علينا امرأة عجوز. هتفت معنا، حيتنا بيدها، بعدها دخلت منزلها لتعود للشرفة من جديد وبيدها علبة ملح، ” ترشه ” علينا ليحمينا من الشر. على وجهها امتزجت الدموع بالسعادة بحماسة الهتافات.

في محطة الرمل كانت يافطات جمال مبارك فوق الأعمدة ومبني السنترال الصغير. تزايد حماسنا بعد قيام بعض الشباب  بإزاله صور جمال وصور مبارك، بينما كان أحد قيادات الداخلية، ربما مدير الأمن يراقبنا من أحدي شرفات الفندق المطل علي الساحة.

في الساعة السادسة وصلنا آخر شارع بورسعيد في كليوباترا، كان الكمين قد نصب لنا، الداخلية من خلفنا بحجة حمايتنا وقوات أخري تسد شارع بورسعيد . حاولنا الصمود قليلا. في السادسة بدأت المواجهات. تفرقنا في الشوارع الجانبية متلمسين أي طريق للهرب.

في شارع المشير كان احد المخبرين يطارد فتاتين في العشرين أو أقل، بالسباب واللعنات. تظاهرت بأنهم أخواتي ، سبني المخبر بأمي وأبي،  وهربت بالفتاتين في أحد الشوارع الجانبية.

حاولنا النزول مجددا يوم 26. كنت في شارع طلعت حرب وكانت دوريات الشرطة وعربات الترحيلات منتشرة في وسط البلد. كانت عمليات القبض علي الشباب عشوائية.

28 يناير هو اليوم المشهود. الجموع تتوافد كأنه يوم البعث. كانت كل وسائل الإتصال مقطوعة. التحقت بإحدى المسيرات عقب صلاة الجمعة. بدأت من ميدان الساعه. وصلنا شارع ابو قير ” أهم وأطول شوارع المدينة بعد طريق الكورنيش “. كانت الأعداد تتزايد بصورة رهيبة. والهتافات تتعالي. كانت كتلتنا البشرية تتزايد كل دقيقة.  زجاجات المياه والحلوي كانت تلقى الينا من المنازل بكثرة. كان الكل مبهورا بالجموع والإنضباط، لا تحرشات، لا سرقات، لا قيادات للجموع.عبرنا علي أغلب اقسام الاسكندرية، المنتزة، الرمل، سيدي جابر، الابراهيمية والكثير من نقاط الشرطة . حافظنا عليها، عبرناها في سلام.

حين وصلنا لباب شرقي. كانت المواجهات مشتعلة بين المتظاهرين والداخلية. وكانت أبخرة الدخان تتعالي في ناحية الغرب. كانت المدينة كأنها تحترق من كثرة أبخرة الدخان. سقطت الداخلية يومها، سقوط النظام بات مسألة وقت، هذا ما ظننته.

الأحد 30

بدأت الدعوات للتجمع تنتقل من الحقانية لمسجد القائد ابراهيم. تجمعنا وقت صلاة العصر وتحركنا بعدها في مسيرة عشوائية. في شارع صفية زغلول. وجدنا سيارة نقل بها الكثير من مكبرات الصوت، وفي حركة مسرحية خرج صبحي صالح محمولا علي الأعناق من شارع جانبي عند مطعم ” ايليت ” والبعض يصفق.. حُمل الي السيارة وبدأوا في توجيه المسيرة ناحية ميدان محطة مصر.

توقفوا لصلاة المغرب. اعتلي صبحي صالح العربة مجددا ومعه أحد الشيوخ . ظلوا يدعون مده 18 دقيقة تقريبا. حولوها لطائفية.. لم احتمل مظاهر الطائفية. دخلت في مشادة كلامية مع الشيخ.. تعاطف معي الكثير ظنا منهم أنني مسيحي وأن الوطن لنا كلنا.. اقتربت مني فتاة وقالت اهتف ” ثورتنا ثورة شباب مش طوايف ولا أحزاب “.. هتفت مرتين.. وردد الناس من ورائي.. حينها رددت مكبرات الصوت نفس الهتاف وسحبوا المظاهرة ورائهم في طريق آخر.

كانت الكفة مع الوقت تميل لصالح الشارع.. وبدا سقوط النظام حتمي. في يوم لا أذكر تاريخه تحديدا، في احدى المسيرات في منطقة سبورتنج، بعد صلاة المغرب، وزع بعض السلفيين منشور يتحدث عن الشريعة، والمادة الثانية، وإسلامية الدولة.

في 11 فبراير كنا عند قصر رأس التين. نحاصر القصر الجمهوري – رمزيا – مساندة للمتظاهرين أمام القصر الجمهوري في القاهرة. يومها تنحي مبارك. لتبدأ مرحلة جديدة من الثورة، سعيا لوطن أفضل.

ربما نحتاج عدة سنوات أخري غير تلك التي مضت من يناير 2011 حتي الآن لنعود بالثورة للمسار الصحيح. عودة من مسجد القائد ابراهيم لمحكمة الحقانية مرة أخرى.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, محمد هلال and tagged , , . Bookmark the permalink.