هل أصبحت مصر دولة الأبارتهايد والجيتو؟

د. خالد منتصر خالد منتصر

كنا نتفاخر فى الزمن الغابر والماضى التليد وقت أن كنا وطناً وقبل أن نكون حلبة مصارعة دينية وساحة صراع ديوك طائفية، بأن اللورد كرومر قال: «إننى لا أعرف المصرى المسيحى من المسلم إلا إذا اتجه هذا إلى الكنيسة وذاك إلى المسجد»، وكنا نتحدى أن يعرف الغريب أو السائح ويفرق ما بين المسيحى والمسلم من الملامح أو اللون أو السحنة، بالطبع هذا التحدى قد ذاب واختفى فقد أصبحنا نفرق بالزى والدبلة والسلسلة ووشم الصليب والاسم!!

وكنا نقول ونحكى أننا عكس لبنان والعراق لا تسكن الطوائف وأصحاب الأديان فيه حبيسة مدن بعينها أو محتلة محافظات بكاملها، فنسيجنا واحد وذوباننا مكتمل ليس كذوبان الزيت المستحيل فى الماء ولكنه ذوبان السكر… إلخ، ذكريات نسمعها كما نسمع أم كلثوم ونحنّ إليها كما نحنّ لعبد الحليم وشادية، نردد ونكرر «كانت أيام، فاكر لما كنا»، ونظل نضحك على أنفسنا بالمشهد اليتيم الذى أخرجه حسن الإمام وختمه بهتاف يحيا الهلال مع الصليب كمخدر ومسكن وكاتم صوت لقنبلة طائفية زمنية ستنفجر فى أى لحظة، أفقنا على زمن سيطرة السلفيين وجلساتهم العرفية التى هى فى الحقيقة جبرية واضطهادية ومفترية واستعراضية للقوة والتجبر، أفقنا من الغيبوبة على تهجير قسرى لعائلات وحرق بيوت وتدمير كنائس وترهيب طلبة ومدرسين وعمال مسيحيين، قصة حب خايبة طرفاها مسيحى ومسلمة تندلع على إثرها المظاهرات وتُحرق البيوت والحقول (طبعاً المسيحية)، شير فيسبوك من شاب خارج البلاد فتنتفض القرية عن بكرة أبيها لتهجير كل العائلة قسرياً، وفيهم الأب المقعد والأم المكلومة اللذان تجاوزا الثمانين عاماً، تنتفض قرية بنى سويف المحرومة من أبسط حقوق الإنسان الصحية والتعليمية والتى تعيش تحت مستوى فقر الفقر عائمة على برك المجارى وأكوام القمامة وآهات مرضى الكبد والسرطان، القرية تستمتع وتنتشى بكل هذه الرزايا والخطايا ولا تنتفض إلا من أجل بوست على الفيسبوك من مسيحى يعيش فى الأردن!!

هستيريا عصابية تشخص مرضاً عقلياً مصرياً خرب الروح والوجدان والكيان، نعيش الآن بداية سياسة الأبارتهايد العنصرية بامتياز، والتى هى أخطر من أبارتهايد جنوب أفريقيا حيث كان الفصل العنصرى حسب اللون، أما هنا فالأبارتهايد دينى بل وفى داخل الدين نفسه، وما حادث سحل وقتل الشيعى حسن شحاتة وجماعته فى مشهد دراكولى بشع ببعيد، كان الحادث وقتها تحت بصر وسمع بل وبرعاية الدولة، والآن الجلسات العرفية المفترية الإذعانية تحت سمع وبصر وبرعاية وداخل أقسام الشرطة المصرية!!، بدأت الجلسات العرفية فى زمن حكم المجلس العسكرى برعاية الشيخ السلفى محمد حسان والإخوانى صفوت حجازى، لم يحاكم أحد فى هذه الجلسات من أحرق الكنيسة أو من دمر البيت، والآن وفى الجلسات العرفية ببنى سويف والمنيا وغيرهما من محافظات الصعيد لا يُسأل أحد ولا يُحاسب أحد من أحرق ودمر وخرب وهجر واضطهد، المهم أن يغرب هؤلاء عن وجه وجهاء القرية، إلى أين يذهبون وكيف يتكسبون لقمة عيشهم؟!

لا يهم، المهم أن يهجروا فى جنح الليل حتى لا يخدشوا ديننا، فأنتم تعرفون أننا شعب متدين بالفطرة!!، التهجير القسرى يطمح إلى تأسيس جيتوهات مسيحية مغلقة على نفسها مثل جيتوهات اليهود القديمة التى كان ولابد أن تقوم حرب كونية لتحرير اليهود من أسرها، لكن الغلابة الأقباط فى الصعيد لن تقوم من أجلهم حرب كونية ولا حتى حرب حقلية أو جرنية (نسبة للحقل والجرن)، ذلك لأن أوباما منشغل بمحمد سلطان، وكندا منشغلة بتمكين الإخوان، وألمانيا وإنجلترا قد صارا طالبان!!

خطة سلفية محكمة لتجميع وزنق الأقباط فى جيتوهات مثل جيتوهات روما وبولندا وروسيا قديماً… إلخ، حيث الأسوار العالية والبؤس الإنسانى وعدم الخروج ليلاً والتقوقع والعزلة والريبة والشك والأمراض النفسية، هل الدولة خرساء صماء تعانى من الشلل الرباعى والسكتة الدماغية تجاه هؤلاء الغلابة فى الفشن وغيرها؟!، أين مسافة السكة من الأقباط؟ أين هيبة الدولة؟ أين سياسة الوسطية التى تصدعنا بها ليل نهار المؤسسات الدينية؟ أين عقل مصر الذى استوعب وهضم وقاوم؟ أين حزب الوفد الذى قام على أكتاف المواطنة وشيد بالمسلم والمسيحى واليهودى؟ أين وجدان مصر وروحها التى استوعبت الكل فى بوتقتها العبقرية دون تمييز؟ أين أم الدنيا مما أوصلها إلى هذه الدرجة الدنيا؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , , , . Bookmark the permalink.