هل مات أبو الفقير بطرك النصارى وأمام المسلمين ؟؟…1

البطرك “محمد” غريغوريس حداد..  ارنست وليم

أرنست وليم

كانت الحرب بين الدروز والموارنة على اشدها في الفتنة الشهيرة التي بلغت ذروتها عام 1860م في قرى لبنان، ومما زاد هذه الحروب اشتعالا وصب الزيت فيها على النار هو مؤازرة فرنسا للموارنة في حين وقوف الانجليز مع الدروز.. أما الباب العالي فقد كان فرحا طربا بهذه “المدعكة” الدامية، وقد كان الوالي حينئذ خورشد باشا المُعين من قِبل السلطان عبد المجيد الأول ( 1839-1861م) لا يُضيع فرصة يمكنه فيها افساد أي محاولة للتقارب والتصالح إن وجدث فالناس عند المعمعة المحماة بالنعرات الدينية يسكرها الدم فتطلب المزيد فتشرب وتشرب وتترنح وتتقيأ جحيما مقدسا وهي رافعة القرآن والإنجيل، السبحة وصورة ياسن.. والزيت المقدس يدهن الجبين قبل أن يَطير أو يُطير جاره في الوطن ويشق صدره فلا يجد إلا قلبا وشرايين.. تشابهت قلوبهم وعمتهم الأحقاد فهم عمين لا يبصرون..

فكان حجم الرقاب التي قطعت و الأجساد التي حرقت فتفحمت فصار جلها شواءً فرماد لا تراب.. والأطفال التي يتمت والنساء التي فضحت، والبيوت التي هدمت ودور العبادة والكنائس التي دُكت يفوق الوصف وتقف الأعداد خانقة لحلق من يريد الإفصاح.. فمجرد الأخبار ببشاعة ما ارتكب يعد كفرا في عرف المنتمين لبني الإنسان..   

في هذا الجو المشحون كانت قرية “عبية” اللبنانية واقعة تحت النفوذ الدرزي – فكان على المسيحيين المقيمين بين الدروز أن يهجروا المناطق الدرزية كما نزح الدروز من المناطق المارونية – وكان بهذه القرية اسكافي اسمه جرجس رفض هجر قريته، فقد كانت ثقته في حب أهل قريته الدروز له تطمئنه أنه لن يكون في أي مكان مطمئن لو هجر بلدته.. فأي رجل هذا وكيف كان موقعه من القلوب حتى يكون استثناءا لا نعرف له مثيل في حدود معارفنا الضيقة ؟!!..

وفي هذا الأجواء ولد غنطوس بن جرجس بن غنطوس بن حداد.. الذي سيصير بطرك النصارى وأمام المسلمين..

ذات يوم خرجت هند – زوجة جرجس- تحمل ابنها غنطوس على كتفها لقضاء حاجاتها، فمر مسلحين دروز فخطفوا المرأة وأبنها.. فما عرف سكان القرية حتى خرجوا على بكرة أبيهم يطلبون بنت قريتهم حتى وجدوها فاندهشت العصبة المسلحة من الدروز لخروج كل هذا العدد من أبناء جلدتهم والذين عانوا الأمرين من المسيحيين لطلب امرأة مسيحية.. فقال كبيرهم للمختطفين : هم منا وحق الجيرة دم في أعناقنا، فهل تريدونا نموت بعارنا ؟؟ تأثر زعيم المسلحين الدروز بهذا القول الشهم النبيل، مما استنفر داخله كل المشاعر الايجابية النبيلة التي تختنق غرقا في موج الأحقاد العاتي ورؤية الدم رغم الليل البهيم، فكأنه سكر ثمل عاد إليه وعيه رغم ما اصاب إنسانيته من ضمور تحت ركام اشلاء القتلى القابع فوق صدرة الملتهب حرقة ومرارة، وفي لحظة من نخوة وحق وكرم أطلق المرأة وولدها وشد على يد إخوانه الدروز ومضى لحال سبيله..

كبر غنطوس وشب على حب العلم والمطالعة متفوقا أينما ذهب ملفتا لنظر مُعلميه، مُحبا للخير مؤمنا بقوة الحب على اذابة الصخور لا القلوب..

تدرج في مناصبه الدينية فرسم راهبا عام 1877م في دير “سيده النورانية” باسم “غريغوريوس” ثم شماسا عام 1879م ومما يذكر أنه ورغم حداثة سنه صار مستشارا للمطران “شتيلا” ويسند له إصدار جريده “الهداية”، والأشراف على طباعة الكتب الكنسية.. في عام 1890م عين كاهنا ثم رئيس كهنة في دمشق ليعود في احتفال مهيب بطريركا وهو بعمر 31 سنه..

 بدأ فيها بإنشاء الأخويات للعناية بالمحتاجين والفقراء والأيتام بلا تفرقة بين الناس على اساس الطائفة أو الملة أو الديانة وفي نفس الوقت انشاء المدارس لتعليم الفتيان والفتيات مما جعله محبوبا مقربا من الجميع وقد كان يقوم بنفسه بترجمة الكتب من اليونانية للعربية.. اللغة التي كان يعشقها وقد أقبل على دراستها بشغف منذ طفولته على شيخ مشهود له من الجميع وهو الشيخ ” يوسف الأسير” وكان طوال حياته حريصا على صداقاته من كل الطوائف المسيحية كاثوليكية وبروتستنتية رغم كل ما كان بين الكنائس المحلية والتبشيرية والإرساليات من احتداد ظاهر وكره غائر وحقد دفين.. جرجوريوس حداد

 وكان نديما لمشايخ من الدروز والمسلمين سنة وشيعة، صديقا صدوق للجميع نبيل المقصد حلو المعشر.. وكان مؤمننا أن الحب الصادق بين البشر هو وحده القادر على تخطي كل صور البغض، فكان سلوكه منسجما مع أقواله.. ولما شعر الجميع بصدقة أحبوه لأنه احبهم أولا، أحبهم فعلا وحقا لا قولا وبيانا..

ومن الخطب التي نقلت عنه عندما جاءه جمع من طوائف مختلفة يستقبلونه عام 1911م عند عودته من احدى سفرياته بالقول: ” إنني أحبّ أبناء وطني من جميع المذاهب على السواء. ولا فرق بينهم عندي. ألستُ وإياهم أبناء أب واحد وأم واحدة. أوَ لسنا جميعاً صنعة خالق واحد. أوولسنا نسكنُ أرضاً واحدة ونستنير بضوء شمس واحدة، ونستظلُّ بسماء واحدة وترفرف فوقنا رايةٌ واحدة هي راية الوطن العزيز؟!! أولسنا نحن والمسلمون توحّدنا جامعة الانتساب إلى أرض واحدة ووطن واحد؟ أوَ لسنان نعبد إلهاً واحداً غير متجزئ؟ “….

هذا الكلمات رغم بساطته وإمكانية صدوره على فم أي شخص في مثل هذه المناسبات التقليدية الاحتفالية، إلا أنها كانت تقع في النفوس موقعا أخر.. أنه كان يتكلم وسيرته تسبقه وإخلاصه تستشعره قلوب من يسمعه فكان يتكلم بسلطان، وليس كالكتبة والفريسيين من المنافقين : أنه سلطان المحبة الطاهرة النقية، المحبة التي تترجم كل نغمة فيها لفعل كريم، ومنح بلا تقطير، وقولا يثلج الصدور، وعطاء مغبوط.. عطاء كعطاء الشمس والمطر لا تفرق بين بني البشر، لا فرق على اساس العرق والأصل واللون أو حتى الدين والعقيدة الكفر والإيمان الم تكن هذه تعاليم يسوع المهملة لمن حملوا اسمه من بعده وما أكثر الأسماء والألقاب الكاذبة !!.. فالله يعطي كل اصناف الحيوان خيرا أفلسنا ربما أفضل من البهائم او على الأقل كالبهائم ؟!!

ودقت الطبول معلنة الحرب الكبرى – الحرب العالمية الأولى – وبدأت تركيا تجيش الجيوش في تحالفها مع الألمان ضد التحالف، وخرجت تضرب انجلترا بهجومها على حدود مصر الشرقية وعند قناة السويس 1915م.. وكسرت في هجومها الأول فكانت المجاعة الشهيرة التي عرفت بضائقة “السفر برلك” فنقص الغذاء وشح القمح وغلت المعيشة فتساقط البشر جوعا كأوراق الخريف الذابلة في ليلة عاصفة.. فخرج البطرك ومعه خادمه يجوب الشوارع والأزقة فيجمع الناس في صحن البطريركية وفي الساحات القريبة ويوزع الخبز على الناس ويطعم المسكين ويخدم الموائد بيده، شاعرا انها خدمة روحية مقدسة.. شاعرا انها خدمة روحية مقدسة وأنه غير أهلا لها فخدمة صاحب الحاجة باليد لا بالوكالة واحتضانه فعلا والشد على يد المسكين وقت تنكر الحياة له شرفا ودرجة عاليه.. أه لو تعلمون..!!

فطلب راجيا متوسلا من الناس كل الناس من طائفته ومن غيرهم يحضرون الناس ومن عرفوه محتاجا  ومَن استطاع فليأتي بطعام وكسوه..

استمرت المجاعة ونفذ المال، فراح يبحث في دفاتر الإبراشية فوجد ضياع وأوقاف وأملاك فأخذ يرهنها بأي فائدة تُطلب منه ويشتري بها قوتا وقمحا.. حتى رهن كل أملاك الكنائس الواقعة في مجال نفوذه وتحت رعايته.. نفذ المال ورهنت كل الضياع ولكن شبح المجاعة الشاحب المخيف بل المرعب يحوم ويجول يضرب الناس ويذريها كعصافة من أعواد جافة تحملها الريح أينما شاءت..

 ذات يوم نظر من غرفته فوجد أحد الراهبات الجدد توزع خبزا فلما أقترب منها شخص لا تعرفه سألته عن طائفته فكاد يمضي دون أن يجيب فناداه البطرك من شرفته وقال له أنتظر، فنزل وأخذ من يد الراهبة رغيف الخبز وراح يقلبه بين يديه.. وبعد تفحص قال للراهبة لم أرى على الرغيف اسم الطائفة التي تأكل الخبز دون سواها.. هذا طعام الناس كافة فليكن للناس كافة..

اعترض عليه يوما أحد اتباعه قائلا أن المال لا يكفي لإطعام الجميع والناس تتزايد، فلنكفل أبناء طائفتنا فهم في رقابنا أولا.. وأن فاض فليكن لغيرنا.. فحزن البطرك لهذا القول فقال : وهل الجوع والمرض والموت يفرق بين البشر حتى نفرق نحن.. وهل الله عندما يشرق الشمس يدفئ البعض ويحرق البعض.. فخجل الرجل وأنتشر الخبر فلم يعد أحدا بعد ذلك يفتح أمامه هذا الأمر…

تذكر البطرك وهو في موقف عصيب نتيجة نفاد المؤن وحوله الأفواه تطلب طعاما أن له صليبا مرصع بالماس قد أهداه له قيصر روسيا “نيكولا الثاني” بمناسبة الاحتفال بمرور 300 سنة على وصول عائلة “رومانوف” للسلطة خلفا لعائلة “رويك” التي تداعت للسقوط منذ عام 1598م.. فقال في نفسه ما معنا الصليب أن لم يكون خيرا وبركة فيعين الشعب المسكين البائس.. فباعه وأشترى بالمال مئونة وزاد..

فمر ذات يوما صديق قديم اسمه “حسن” أمام محل الجواهرجي فوجد صليب يعرفه.. فسال التاجر عن مصدرة فأخبره.. فدفع ثمنه ومضى للبطرك يرده له.. وقال “حسن” والله لا يلبس هذا الصليب رجلا غيرك.. فشكره غريغوريس على حسن صنيعه.. فعاد بعد بضعة أيام فباعه ثانية وطلب من الجواهرجي أن يبيعه بعيدا، ويصنع له واحدا من زجاج شبيه بالأصل فيلبسه.. وقد كان له ما كان..

ومن أثار الحرب تأتي المجاعة.. وللمجاعة رفيق درب لا ينفك عنها وهو الوباء ليكتمل البلاء.. فجاء الوباء يلحقه للقاء حسب مواعيد الشؤم المعروفة، فكانت الكوليرا التي سميت وقتها “الهيضة” أو الهواء الأصفر.. فخرج الأثرياء وذوي الشأن والمقام خارج البلاد المنكوبة.. فطلب منه الجميع أن يهجر أولاده الجوعى والمرضى فينجو ببدنه وينقذ جلده.. فرفض وقال معاتبا من طلب منه الترك والتخلي والتضحية بعيال الله : ” وهل نفسي يا ولدي بأفضل من هؤلاء الذين لا يستطيعوا فرارا”… قول لو وعيه اصحاب المقامات المقدسة لانتحروا خجلا من زيارتهم لأوربا وأمريكا بمناسبة وغير مناسبة للاطمئنان على حالتهم الصحية الثمينة الغالية وهم يعيشون في بلاد 40% تحت خط الفقر وأكثر من 9 مليون طفل حياته في خطر نتيجة هذا الفقر…

في المقال القادم سنحدثكم عن البطرك الذي أراد المسلمون أن يصلوا عليه في الجامع الأموي وحوله أكثر من خمسين ألف مسلم يبكونه وهم يندبون قائلين : ” مات أبو الفقير بطرك النصارى وإمام المسلمين “

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, ارنست وليم and tagged , , . Bookmark the permalink.