اليأس ثورة

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

يأتي وقت على أي أمة من الأمم تشعر فيه بأنها تستحق حياة أفضل من تلك التي تعيشها، تشعر أنها تستحق حرية حقيقية، وكرامة تعبر عن إنسانيتها، ومستوى معيشي يجعلها قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية بسهولة ويسر، وإحساس بأنها صاحبة الكلمة العليا في الوطن، وتتأكد أن خيرات الأمة توزع علي مواطنيها بالعدل ولا ينهبها مجموعة صغيرة من الطغاة المتحالفين مع الفاسدين. عند هذه اللحظة تبدأ الأمة في التحرك من أجل تغيير الوضع الحالي الفاسد المهين الكابت للحريات من اجل وضع أفضل تتطلع فيه إلى حياة كريمة.

يأخذ هذا التحرك أحد شكلين أساسيين هما الثورة أو الإصلاح. حيث يسعى الثوريين إلى الإطاحة بنظام الحكم الذي يستبد بالأمة وينهب ثروتها عن طريق النزول إلى الشوارع وإحداث هذا التغيير الجذري والسريع والذي غالبا ما يصاحبه دماء. أما الإصلاحيين فيسعون إلى التغيير عبر العمل السياسي والضغط على نظام الحكم عبر فترة زمنية طويلة ولكنها أكثر أمناً واقل دماءً. أمام هذين الاتجاهين يكون هناك طرف ثالث، هم المحافظين، يقاومون التغيير ويرفضون التخلص من الوضع القائم حفاظاً على مصالحهم الشخصية التي قد تتضرر نتيجة التغيير.

في أثناء هذا الصراع بين الثوريين والإصلاحيين من جانب والمحافظين من جانب أخر غالباً ما تنحاز الكتلة الحرجة للأمة، وهى القادرة على ترجيح كفة أي طرف على الأخر، إلى التيار الإصلاحي أملاً في التغيير وبالحد الأدنى من التضحيات، فإذا استجابات السلطة لمطالب الأمة في الإصلاح ورأت الأمة أن هناك تغيير حقيقي في الاتجاه الذي يحقق لها طموحاتها في حياة أفضل يتمتعون فيها بالحرية والكرامة والدخل الذي يضمن لهم قدر مقبول من الرفاهية، وقفت الأمة خلف السلطة ومنحتها الشرعية بسبب آدائها وإنجازاتها.

أما إذا انحازت السلطة إلى المحافظين من أصحاب المصالح الذين يريدون الحفاظ على مصالحهم بالإبقاء على الاستبداد الذي بدونه لن يعيش الفساد الذي يتربحون من وراءه، هنا تكمن المشكلة. فمع إصرار السلطة على الحفاظ على الوضع الراهن وتزايد قمعها من أجل إسكات كل صوت معارض وكل مطالب بالإصلاح تبدأ الجماهير في التخلي عن تأييدها للاتجاه الإصلاحي والميل أكثر وأكثر للحل الثوري، فتنفجر في ثورة عارمة قد تأكل الأخضر واليابس، خاصة إذا كانت قد عانت من إحباطات متكررة تجعلها تشعر أن لا أمل في هذه السلطة التي دأبت على خداعها بأوهام التغيير والإصلاح القادمين وأن الموت والحياة متساويين ، فإذا كان ولا بد من الموت فلماذا أموت وحدي؟ فليمت معي كل من كبت حريتي وأهان كرامتي وتسبب في إفقاري.

اليأس من الإصلاح هو الطريق إلى الثورة فهو يحول الثوري إلى ثوري أكثر راديكالية ويحول الإصلاحي إلى ثوري، أما بقاء الوضع على ما هو عليه فهو أمر ضد قوانين الطبيعة التي لا تعرف السكون والفراغ.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.