مصر بين ازدراء الأديان وازدراء الإنسان

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

أن يسكن الإنسان المصرى المقابر، أن يموت جوعاً أو يهاجر أو ينتحر، أن يزدرىً بكل ماتعنى كلمة إزدراء، مفيش مشكلة، لكن أن تمس المقدسات، البخارى والزمخشرى والحوزنبلى، فهذه كارثة تستحق السجن والإعدام، فكله إلا المقدسات، نباتات القات التى نعيش عليها فتحل لنا كل مشاكلنا، وتجعل من حياتنا البائسة أحلام وقصور، قصور فى جنة المستحيل!!!

قانون إزدراء الأديان، أو محاكم التفتيش المصرية، آخر صيحة فى ملف الحكم العسكرى الفاشل، والذى طالما منحناه الأمان، ومجدنا دوره فى حماية الأوطان، فلا يلبث إلا ويمنحنا خيبة الأمل والخذلان، فبرغم خروج الملايين، وبرغم الحب الجارف والآمال، فلا زال يعزف نفس السيمفونية المشروخة القديمة، تحالف الكاهن والفرعون، الكاهن ينهب العقل، والفرعون ينهب الجسد، والشعب يحمل حجارة الأهرامات!!!

ألم يدرك العسكرى بعد، ويدرك معه شريكه الأزهرى، أن المقدسات ليست سوى حقيقة نسبية، فلكل زمان مقدسات ولكل مكان مقدسات، ولولا إعمال العقل والتفكير، لظلت البشرية فى مرحلة الوثنية الأولى، فقد كانت الوثنية أيضا مقدسات؟ ولكن لإن العقل البشرى لايهدأ ولايكف عن مواجهة التحديات، ولإن لعصر القرية الزراعية مقدسات، وعصر المدينة الصناعية مقدسات، فإنه من الطبيعى أن يطوع العقل مقدساته لإحتياجات الزمن الذى يعيشه، ألم يدرك أن العالم المتحضر قد أدرك هذه الحقيقة البسيطة منذ قرون وإعتمد حرية الرأى والعقيدة كحل لها، فترك كل إنسان حر يفكر كيفما شاء، ويعتقد كيفما شاء، ولم يعد للدولة ولا للمجتمع سلطان على روحه وعقله، بحيث لم يعد هناك رد على الرأى إلا بالرأى، ولا على الفكر إلا بالفكر، وليس بمحاكم تفتيش أو قوانين إزدراء أديان.

ألم يدرك أن هذه قضية إنتهى منها العالم المتحضر منذ قرون، وأنها كانت سر تقدمه وتفوقه الكبير، ألم يدرك أننا أيضاً أردنا أن ننتهى منها عندما خرجنا فى 30 يونيو نرفض الدولة الدينية ونتطلع إلى مستقبل أفضل فى دولة مدنية، يفصل فيها الدين عن الدولة، وترعى مبدأ حرية العقيدة، ويعيش فيها الناس فى سلام، وليس  لمجرد أن نطلب الأمان أو نستبدل بديع بمخيون، ألم يدرك أن الإرهاب الذى نغرق فى دمائه كلنا الآن هو نتيجة طبيعية لمحاكم والتفتيش وإزدراء الأديان، نتيجة طبيعية للتربية والتعليم القائمين على مبدأ حماية المقدسات بالقوة، وأن ما يفعله الإرهابى اليوم من قتل وترويع ليس فى الواقع سوى إستجابة طبيعية لنفس مبدأ حماية المقدسات بالقوة الذي يفرضه علينا الآن؟ ألم يدرك أن المقدسات الحقيقية الجديرة بالحماية هى كرامة الإنسان، هى لقمة العيش النظيفة، هى التعليم الجيد، هى الرعاية الصحية، هى البحث عن السعادة، عن إثبات الذات، عن الحرية وعن الأمان، مقدسات مطلقة لاخلاف عليها ولاتتغير بتغير الزمان والمكان!!!

عبد الجواد سيد عبد الجواد

جاكرتا 2/6/2015م

[email protected]

Print Friendly
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , . Bookmark the permalink.