عن الإسكندرية وأشياء أخرى.. جمال الدولي

محمد هلال هلال

الترام الأزرق، الدودة الهائلة البطيئة، التي تربط بين شرق المدينة وقلبها كانت وسيلتنا المفضلة في منتصف التسعينات للنزول الى محطة الرمل، حينها كانت تلك لنا – نحن أطفال المدينة – فسحتنا الوحيدة التي تبدأ بالترام نفسه بكراسيه الجلدية وشبابيكه الواسعة و الرياح الشمالية الآتيه من البحر التي بسببها كنا نفضل مقاعد و شبابيك الجهة اليمنى من الترام. كنا نحفظ ونراجع في كل مرة ترتيب محطات الترام، رشدي، سيدي جابر، كليوباترا، سبورتنج، الابراهيمية،الأزاريطة، القائد إبراهيم، محطة الرمل، نشاهد في الطريق أبنية الإسكندرية القديمة.

تلك المنازل التي تختلف عن منازلنا بقدمها وفخامتها وواجهاتها المزخرفة بمشغولات إيطالية ويونانية، بقايا وجوه الملائكة وآلهة روما وأثينا، مداخل الأبنية الرخامية الواسعة، بواباتها الحديدية القديمة التي لم يأكلها الصدأ أو أكل بعض منها، كنا نتلصص سريعا مع مرور الترام داخل البلكونات المفتوحة، لم نر الكثير لكن بهرني ارتفاع الأسقف التي يزيد ارتفاعها عن الأربعة أمتار، لابد أن سكانها سعداء، هكذا قلت لنفسي. كنا نستغل أيضا فرصة علو طريق الترام في محطات الرياضة الكبري والصغري عن مستوى الشارع لنلقي نظرة علي نادي سبورتنج – واحة أغنياء المدينة – بمساحاته الخضراء الواسعة، أشجاره ونخيله وبعض رواده الذين يمارسون رياضة الجري أو يلعبون الجولف. كانت رحلة الترام كأنها رحلة عبر الزمن. تنقلنا من شرق المدينة الحديث العشوائي عديم الجمال الي عوالم مدينة ساحرة، عوالم مدينة أخرى. مع الإقتراب أكثر من قلب المدينة كانت تظهر تلك الجمل المكتوبة بطلاء أخضر علي الأبنية وجدران محطات الترام. تلك العبارات كانت تدور حول ثلاثة موضوعات. نادي الإتحاد السكندري، سيد البلد طبعا، جمال وجاذبية ليلى علوى وموضوعات سياسية بتناول ساخر وكان التوقيع دوما باسم جمال الدولي.

تحول جمال الدولي في عقلي – انا ابن العاشرة – لشخصية اسطورية، بطل من ابطال الحكايات لم أع في وقتها ابعاد الكثير من كتاباته. رغم ذلك تأثرت به وبتوجهاته، أحببت الإتحاد وشجعته رغم نفوري من كرة القدم، أحببت ليلى علوي، وعرفت ان هناك شخص ما غير مبارك ربما يحكم مصر. ألم يكتب بطلي الأسطوري بطلائه الأخضر وخطه الجميل ” جمال الدولي رئيسا للجمهورية “.

مضت السنون سريعا. عرفت المدينة أكثر وأكثر، حفظت شوارعها ومعالمها وعرفت الكثير من سكانها القدامى والمحدثين وعرفت كذلك عن أحوال البلد وعن الذين يحكموننا وواقعة نزول جمال الدولي ” ملط ” في مباراة كرة السلة بين الإتحاد والأهلي. في السنين الأولي بعد العام الألفين كنت أعمل في محل تجاري في محطة الرمل. وفي أحد أيام الصيف رأيت درويشا بعمامة خضراء وزي كامل لونه أخضر في أخضر وبيده مبخرة. رجل طويل، رفيع، أبيض، معتد بنفسه لا يتحدث إلا

عن الاتحاد، سيد البلد طبعا. كان هو جمال الدولي. جمال الدولي

في البداية لم أتقبل الصدمة، بطلي الأسطوري عامل بخور يجوب الشوارع بحثا عن جنيه أو نصف ؟ لم يتزوج ليلى علوي ولم يصبح رئيسا للجمهورية ؟ لأيام طويلة ظللت أتابعه ولا أجرؤ علي محادثته بداخلي رغبة شديدة لمعرفة من هو وما وراءه ؟ هل أعتقل من قبل ؟ هل تعذب ؟ هل يحب حقا ليلى علوي أم كانت رمزا لحلمه المستحيل.

في مرة من المرات دخل الينا المحل بمبخرته وعمامته وعينيه الخضراوين، سألته فتاة سمراء بعينين خضراوين أيضا. كانت أجرأ مني وكانت تعمل معي. سألته بجرأة وتطفل: هل أحببت من قبل ؟ يومها حكى الكثير عن نفسه، لم يذكر ليلى علوي ولا أخبرنا ” متر الوطن بكام “. تكلم فقط تحت تأثير سحر الفتاة السمراء عن الشاب الجامعي الذي أحب ولا طالشى. كانت حكاية تقليدية جدا.عشتها أنا أيضا بعد ذلك. ربما عاشها اغلب شباب الوطن.

كثيرا ما أشعر أنني متوحد معه. الكل خذل جمال الدولي، الحبيبة، الوطن، نادي الإتحاد، لكنه لم يفقد إيمانه بالناس وبقي حتى الآن شعاره الأجمل عالقا في وجداني بعد أن توقف عن كتابة ” الإتحاد سيد البلد ” وكتب بدلا منها ” جماهير الإتحاد سيد البلد “.

في السنوات الماضية كنت كلما شاركت في مظاهرة أبحث عنه، رأيته في ملامح الكثير من المتظاهرين وكلما اقتربت منهم لم يكن هو. ربما تحول حقا لأسطورة سكندرية أخرى تعيش في وجداننا، نحن شباب الإسكندرية وعشاقها، جماهير المدينة، أسياد البلد كما قال هو عنّا علي جدران المدينة بطلائه الأخضر وخطه الجميل.

This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, محمد هلال and tagged , . Bookmark the permalink.