حصـار الدرس الفلسـفى فى مصـر

د. علي مبروك  علي مبروك

حين يتأمل المرء فى طبيعة الأزمة المصرية، والعربية عموماً، فإنه يدرك أن الجوهر العميق لتلك الأزمة إنما يتمثل فى هيمنة نظامٍ ثقافى تقليدى يشتغل بكامل فاعليته تحت قشور من الزخارف الحديثة المُبهرة.  ولقد كان من المنطقى أن يعيق استمرار هذا النظام التقليدى الإنتاج الفاعل لجملة المفاهيم الحديثة التى يسعى العرب، على مدى القرنين الفائتين، إلى استنباتها – من دون جدوى– فى واقعهم المُجدب الفقير.

ولسوء الحظ، فإن الأمر لم يقف عند مجرد إعاقة إنتاج كافة المفاهيم الحديثة كالديمقراطية والعقلانية والمواطنة والحكم الرشيد وغيرها، بل إنه قد بلغ إلى حد أنها قد تحولت إلى أقنعة يعيد نظام الثقافة التقليدية إنتاج نفسه من خلالها. وهكذا فإن الديمقراطية مثلاً قد تحولت إلى ستارٍ يعيد من وراءه نظام البيعة القديم إنتاج نفسه. ومن هنا أنه لا سبيل أمام العرب إلى الانخراط الجدّى فى العالم الحديث من خلال التشغيل الفاعل لتلك المفاهيم إلا عبر القيام أولاً بخلخلة نظام هذه الثقافة التقليدية.

وهنا يلزم التنويه بأنه إذا كان العرب قد أقاموا نظاما تعليمياً حديثاً من أجل أن يدخل بهم إلى العالم الحديث، فإن الهيمنة المطلقة للثقافة التقليدية قد أعاقت فاعلية هذا النظام التعليمى الحديث على نحو كامل. بل إن التعليم الحديث سوف يكون، هو نفسه، أحدأهم آليات الثقافة التقليدية فى تثبيت نفسها؛ وبما يحيل إليه ذلك من أن إنتاج التعليم الحديث لمفاعيله يبدو مشروطاً بالتأثير فى بناء الثقافة التقليدية. ولقد كان “طه حسين” واحداً من أهم من أدركوا الترابط الصميم بين التعليم والثقافة، وأدار عليهكتابه المهم “مستقبل الثقافة فى مصر” الذى تتبدى قضيته الرئيسة فى أن سعى مصر إلى دخول العصر الحديث، على نحو فعَّال، يستلزم منها أن تمتلك الوسيلة المؤدية لذلك وهى النظام التعليمى الحديث. ومن هنا ما مضى إليه من إنه “إذا كنا نريد الاستقلال العقلى والنفسى الذى لا يكون إلا بالاستقلال العلمى والأدبى والفني، فنحن نريد وسائله بالطبع، ووسائله أن نتعلم كما يتعلم الأوروبي، لنشعر كما يشعر الأوروبي، ولنحكم كما يحكم الأوروبي، ثم لنعمل كما يعمل الأوروبى ونصرِّف الحياة كما يصرِّفها”.

وإذ أدرك أن ما تريده مصر من النظام التعليمى الحديث لابد من أن يرتكن على رؤية ثقافية تبرره وتسمح له أن يكون فعَّالاً، فإنه قد راح يطرح رؤية للثقافة فى مصر أصبحت فيها مصر منتمية إلى “البحر” الذى يربطها بأوروبا فى القديم والحديث، وتنأى بها عن الصحراء التى تربطها بعالم العروبة والإسلام. فإنه “ليس بين الشعوب التى نشأت حول بحر الروم، وتأثرت به، فرق عقلى أو ثقافى ما. وإنما هى السياسة والاقتصاد تدور بين هذه الشعوب مواتيةً هذا الفريق، ومعاديةً ذلك الفريق. فلا ينبغى أن يفهم المصرى أن بينه وبين الأوروبى فرقاً عقلياً قوياً أو ضعيفاًوإنما كانت مصر دائماً جزءاً من أوروبا فى كل ما يتصل بالحياة العقلية والثقافية، على اختلاف فروعها وألوانها”.

وإذن، فإن الرائد الكبير قد راح يفترض نظاماً ثقافياً ترتبط فيه مصر بأوروبا لكى يبنى عليه، ليس فقط إمكان أن تستوعب نظام التعليم الحديث، بل وإمكان أن يكون مُنتجاً كذلك. وإذا كانت مصر قد انخرطت بالفعل فى ممارسة التعليم على الطريقةالأوروبية– باعتبار أن “التعليم عندنا، على أى نحوٍ أقمنا صروحه ووضعنا مناهجه وبرامجه منذ القرن الماضي، على النحو الأوروبي، ما فى ذلك شك ونزاع. فنجن نكوِّن أبناءنا فى مدارسنا الأولية والثانية والعالية تكويناً أوروبياً لا تشوبه شائبة، فإن ما يحدث فى مصر الآن ينطق بأن ما يسكن رؤوس أبنائها ليس شيئاً منالعقول الأوروبية فى جوهرها وطبيعتها ومذاهب تفكيرها وحكمها على الأشياء، بقدر ما إن عقل الصحراء هو ما يسكن تلك الرؤوس، ويسوقها إلى حيث يبغى ويريد.

والحق أن أحداً لا يقدر على الادعاء بأن نظام التعليم الحديث قد أنتج مفاعيله فى مصر. فإنه إذا كانت غاية التعليم الحديث أن “نُنشئ لمصر الحديثة أجيالاً من الشباب كراماً أعزّاء أُباة للضيم، حُماة للحُرم، ولا يتعرضون لمثل ما تعرض له بعض أجيالنا السابقة من الذِلة والهوان؛ وبما يعنيه ذلك من القصد إلى بناء المواطنالحديث الذى هو الفرد الحر صاحب الإرادة والقادر على التفكير المستقل، وبحيث يكون قادراً على اتخاذ قراره بنفسه، فإن أحداً لا يستطيع– وخصوصاً مع ما يصدمه به الواقع من تلك القطعان المنفلتة التى لا تسلك إلا بمنطق السمع والطاعة– الزعمبأن هذه الغاية قد تحققت فى مصر على مدى القرنين الفائتين، وإلى الآن.

ولعل ذلك يرتبط بأن النظام الثقافى الذى وضع طه حسين مصر داخله– والذى ترتبط فيه مصر بأوروبا– لم يكن هو النظام الذى يشتغل بالفعل تحت سطح النظامالتعليمى الحديث. بل إنه يبدو– وللمفارقة– أن النظام الثقافى النقيض الذى ترتبط فيه مصر بالصحراء (التى تصلها بعالم العروبة والإسلامكان هو النظام المهيمن والفاعل بقوة. وبالطبع فإن ذلك ما تؤكده أى ملاحظة لطبيعة العقل الفاعل الآن فى مصر؛ والذى يحمل كل سمات عقل الصحراء من طريقة فى التفكير تتمحور حول الاتباع (لقولٍ أو أصلٍ أو نموذج)، ومن التسرُّع فى الحكم على الأشياء بما يظهر له منها. إن ذلك يعنى أن عجز النظام التعليمى الحديث عن بلوغ غايته فى إنتاج المواطن الحديث فى مصر، إنما يرتبط بحقيقة أن ما يرقد تحته هو نظام الثقافة التقليدى الذى لا يزال يحتفظ لنفسه بمركز السيادة. إن ذلك يعنى أن مستقبل التعليم القادر على الدخولبمصر إلى العصر الحديث يبدو مشروطٌاً بتفكيك وتجاوز النظام الثقافى التقليدى المهيمن.

وحين يدرك المرء أن الفلسفة هى الوسيلة الوحيدة إلى إنجاز مثل هذا التفكيك، فإن له أن يتساءل– فى دهشة– عن المنطق الذى يقف وراء حصار الدرس الفلسفى والإنسانى فى رحاب جامعة القاهرة. وكيف للجامعة أن تكون قاطرة للتعليم الحديث بينما هى تحاصر ما يمكن به تفكيك الثقافة التقليدية التى أعاقت إنتاجية هذا التعليم، ولا تزال؟!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د. علي مبروك and tagged , , . Bookmark the permalink.