معنى ان نفقد المعنى

داليا وصفى    داليا        

احيانا تصدر من الانسان أفعال لا يفهم لماذا فعلها.. وفي وسط الفعل يسأل نفسه بشكل لاإرادي لماذا أقوم بهذا الفعل؟ وعندما لا يعجبه رد لاوعيه أو وعيه الخاص يقوم بكتمه وإسكاته وتناسيه وخلق مبررات أخرى أمام نفسه وأمام الغير ليسقط الفعل الذي قام به على مؤثر خارجي كدافع له لهذا الفعل بدلاً من مواجهة مؤثراته ومشاعره الداخلية المحفزة لهذا الفعل..

مثال: حالات التحرش والتي هي في نقصان متزايد وسريع بشكل ملموس لفئة من البنات والسيدات معينة أكثر من غيرها، هل لمسة يد أو كوع الرجل أو الشاب ليد أو فخذ أو صدر أو مؤخرة أنثى لجزء من الثانية كافية للإشباع الجنسي لهذا الذكر؟

بالطبع لا وخاصة إذا كان ذكر القرد يصل لنهاية رغبته الجنسية بعد من 2:1 دقيقة، فما بالك بذكر الإنسان المتطور عنه بيولوجياً، ناهيك عن الطفل الذكر المتحرش والذي لا يشعر برغبة جنسية من الإساس..

وهل من ضمن الإشباع الجنسي للمتحرش الضغط بعنف زائد على أجزاء من الجسد وخصوصا الصدر بشكل يؤدي للألم أكثر منه للذة؟

(وهو نفس الفعل المتبع بالمدارس الإبتدائية من بعض الأطفال لزملائهم الممتلئين جسدياً أو يعانوا من السمنة لدرجة تدفع هؤلاء الأطفال للبكاء نتيجة للألم العضوي والنفسي الناتج عن قرص صدروهم..)

وهل ايضا من ضمن الإشباع الجنسي للذكر المتحرش ضرب المتحرش بها على رأسها أو “قفاها” بعنف اثناء تحرك الترام او الاتوبيس وهي في الطريق وهو راكب؟عنف

وهل ضرب احد المارة بمطواة في وجهه اثناء تحرك الترام من راكب لا يعرفه يعد تحرشاً؟

وهل ضرب طفلة بكرباج على رجلها من عربجي يضحك وهو يجري بحصانه وعربته يعد تحرشاً؟

وهل محاولة الإعتداء الجنسي من مجموعة طلبة بالمرحلة الإعدادية على مدرسة تراقب عليهم بالإمتحانات كإنتقام لعدم سماحها بالغش يعد رغبة جنسية ظهرت فجأة أثناء آدائهم للإمتحان؟

أمثلة كثيرة يمكن سوقها ووضعها تدل على ان الأمر في النهاية ليس تحرشاً قدر ماهو إثباتاً للقوة أمام الذات..

ولا يتوقف الأمر على التحرش فقط..

بل هناك أمثلة كثيرة نراها بكل خطوة نخطوها، الأطفال والشباب المراهق الذي نراه يرتدي ملابس ويتصرف بطريقة تتعدى عمره بأكثر من عشر سنوات ويبدأ في حمل أسلحة بيضاء يتسابق ليبرزها في أي موقف مهما كان بسيط لمجرد محاولة إثبات قوته وفرضها على غيره..

الأطفال العاملين بمحلات الحدادة والنجارة والجزارة وورش تصليح السيارات وكيف يتم معاملتهم، ولا يخبرني أحد ان تلك المعاملة نتيجة للجهل فقط..

الموضوع بنسبة كبيرة منه يتلخص في تصدير الإضطهاد وتفريغ الكبت عن طريق ممارسة القهر على الفئة الأضعف..

وجدير بالذكر أن فئة النساء التي ذكرتها منذ قليل والتي لاحظت نسبة التحرش المتناقصة هن جميعاً ممن خلعن الحجاب، وأبدين ملاحظة مشتركة واحدة لمستها بنفسي وأتفق معهن فيها لمعايشتي لها وهي أن نسبة التحرش بهن بعد خلعهن لغطاء الرأس تناقصت لدرجة كبيرة، وذلك ليس لأن التعري يعلم العفة كما قد يقولها البعض ساخراً “لأن خلع غطاء الرأس ليس تعرياً”، ولكن لأنه من شبه المعلوم للمتحرش “ولو بشكل غريزي” أن الأنثى القادرة على ترك شعرها بلا غطاء في مثل هذا المجتمع الذكوري هي بالتأكيد ذات شخصية لا تخضع لعادات المجتمع العقيمة من صمت وخوف وقادرة على إيذاءه إما بنفوذها تحرش بمنقبةأو بلسانها وسرعة بديهتها.. على عكس رؤيتهم للمحجبة إنها هي الفتاة الهادئة الصامتة والتي لا ترغب في فضح نفسها “وهي وجهة نظر كثيرين في المجتمع المصري” بأن تقول أن هناك من تعرض لجسدها بالإنتهاك واللمس..

وفي العموم تناقصت نسبة التحرش بعد إزدياد جرأة البنات عموماً سافرات ومحجبات وفضحهن للمتحرش وانتشار محاضر التحرش ورفض التنازل تحت أي ضغط، فهل هذا يعني أختفاء حالة الهياج الجنسي للذكور فجأة أم هو الخوف والتيقن من أن الفئة الأضعف لم تعد بذات الضعف السابق ولا يمكن ممارسة العنف وتصدير الإضطهاد لها كما هو المعتاد؟

ومثال أخر يمكن سوقه كالزوج الذي يعود يومياً على أتم الأستعداد للمشاجرة، والأم العاملة كذلك، وربة المنزل مثلها، كل منهم يطالب من هو أقل حيلة منه بأن يطيعه بلا مناقشة، فالزوج يعاني نقص المال وضغوط العمل، والأم أو المرأة العاملة عموماً تعاني من نفس ضغوط العمل ونفس الحاجة للمال بجانب الضغوط المتعرضة لها كونها أنثى في مجتمع ذكوري، كذلك ربة المنزل، فهي تعاني من القهر والكبت والحرمان وإن كانت تحيا منعمة ولا حاجة لها للمال إلا إنها تعاني من قلة الحياة وقلة التفاعل المفيد الهادف لبناء الذات..

المشكلة كلها كما أراها هي في تصدير العنف وتدوير القهر الواقع علينا كمجتمع متخبط ومتألم من تخبطه ولكنه لا يملك ألا أن يتخبط..

وحل الأمر من رؤيتي الخاصة يكمن في جزءين..

الجزء الأول: سؤال أنفسنا عند كل فعل نقوم به: لماذا أقوم بهذا الفعل؟ ونسمع الإجابة الحقيقية وليست إجابة التبرير الكاذبة المهدئة للضمير، وغالباً ما سنجد الإجابة هي القهر.. نؤذي من حولنا لأننا غارقون في القهر وغاضبون من قلة حيلتنا فنبحث عن من نفرغ طاقتنا وقهرنا وكبتنا عليه حتى لا نشعر بالإنسحاق..

الجزء الثاني: توجيه الغضب واللوم لمن يستحق اللوم فعلا وليس للأضعف، ليس لمن نعلم أنه سيصمت، سواء كان صمته حباً لنا أو خوفاً من خسارتنا أو حتى خوفاً من زيادة غضبنا عليه وقهرنا له.. سيأتي اليوم وينفجر في وجهنا هذا الصامت..

قبل أن يأتي يوم ونجد فيه إزدياد غير طبيعي في حالات العنف والقتل والتشويه والذي بدأ بالفعل في بعض المناطق والطبقات، فلننظر ونلوم من يقهرنا جميعاً، لنغضب على من يسحق أحلامنا وطموحاتنا، لنسعى لتفعيل القوانين على الجميع وليس على فئات مطبقة وعلى فئات أخرى ترفع الأقلام..

فإذا فهمنا معنى مشاعرنا وفهمنا معنى الآلام والغضب الكامن بداخلنا سنفهم معنى أفعالنا وسنكون قادرين على توجيهها للإتجاه الصحيح..

لنسعى لتطوير التعليم، ورفع كفاءة العمالة، لنطالب بمحاصرة الفساد ووضع البدائل والحلول للأزمات، فقط لنوجه اللوم والغضب لمن يستحقه ونرفع القهر عن أنفسنا وعن أشباهنا من المقهورين..

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.